الاتحاد

دنيا

ناصر الظاهري طائرٌ بجناحٍ أبعد منه

د· رسول محمَّد رسول:
في خلال عقدٍ مضى، توافر المشهد الأدبي، الروائي والقصصي، الإماراتي على تحوُّلات إبداعية ميَّزت مشهده في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحالي، وهو مؤشِّر على أن حراكاً إبداعياً آخذٌ بالنمو نحو ولادة نصوص أدبية تستبطن رغبة حقيقية في الخروج على مألوفات الكتابة الإبداعية ومعتادها التقليدي في كتابة الرواية أو القصة والقصة القصيرة، وتكريس نمط مغاير من المعالجة التقنية في هذه الكتابة من شأنه الارتقاء بمشهدية الإبداع الإماراتي إلى مصافٍ جديد هو مصاف التحوُّل الحقيقي في صيرورة الإبداع المأمول، سواء على صعيد المضامين أم على صعيد أسلوبيات الكتابة الإبداعية·
وإذا كانت نصوص الروائي الإماراتي علي أبو الريش، التي تواتر ظهورها في خلال السنوات الست الفائتة على نحو خاص، قد عُدَّت إحدى فاتحات الإبداع الروائي المأمول في مطلع القرن الحالي، فإن حكاية / رواية ناصر الظاهري: (الطائر بجناح أبعدُ منه)، وهي الأولى له بعد ثلاث مجموعات قصصية صدرت له سابقاً، تعدُّ شذرة في سيراميك هذا المأمول الإبداعي على صعيد الكتابة الروائية لما في نص الظاهري من تجربة سردية آثرت الاختلاف في خطابها الأسلوبي والجمالي، فضلاً عن مضامينها الحياتية والوجدانية·
حكاية أم رواية؟
يقف الكثير من الروائيين العرب المعاصرين عند اشكالية التجنيس الأدبي، ولما كان فن الرواية هو فن غربي بامتياز، فإن البحث عن مسمىً جديد كان هاجساً شغل غير واحد من هؤلاء الروائيين· وكان مصطلح (حكاية، حكايات··إلخ) هو الأكثر جذباً لعدد منهم، حتى صار توظيفه معتاداً لديهم، لكن الافتراق في التوظيف أنه حمل بين طيّاته الضعف والاجترار أحياناً، فيما كان النجاح في التوظيف من نصيب عدد آخر من الروائيين أو كتّاب القصة والقصة القصيرة·
في (الطائر بجناح أبعدُ منه)، حسم ناصر الظاهري الإشكال، فاستبدل كلمة (رواية) بكلمة (حكاية)· ويبدو لي أن مضامين هذا النص تتطابق كثيراً مع التسمية التي وردت في الغلاف، كما أن توظيف المصطلح (حكاية) هو الآخر يتماهى مع تلك المضامين، سيما وأننا بصدد عمل إبداعي هو أقرب إلى السيرة منه إلى العمل الكتابي المتخيَّل ـ المحض، وهو أقرب إلى سيرة ناصر الظاهري نفسه، الطائر الذي حلَّق في سماءات الدنيا ومشى على رمالها وكثبانها وشواطئها، وسافر إلى مدنها كثيراً، منه إلى سيرة بطل صنعته المخيَّلة الأدبية المحضة·
وقراءة النص تكشف لحظة بعد أخرى أن الظاهري دأب على جعل النص (حكاية) هي أقرب إلى حركية الواقع اليومي الملموس بكل مسمياته منها إلى حركية النص المتخيل بكل شخوصه الافتراضية؛ فالأمكنة التي تحرَّك فيها البطل مسمّاة بأسمائها الحقيقية، كما أن الظاهري حرص على أن يمارس تقنيات كتابية عدَّة منها وضع العناوين الفرعية للنصوص كما لو كان النص فصولاً، واستخدم الإهداءات إلى أشخاص معلومين في مشهد الحياة اليومية، ومنهم: عبد الحكيم قاسم، وخليل قنديل، وحمدان بن مبارك آل نهيان، وراشد المهيري، ومحمد النيادي، وعيسى المزروعي، وبدر عبد الملك، وعامر التميمي، وسعيد بن غنوم الهاملي، ونجم عبد الكريم، وأخيراً دزينة من النساء كانت (فضيلة) منهن قد اكتسبت فضيلة الكشف عن اسمها في الإهداء الأول· وكل ذلك يمثل مؤشراً على ان النص حكاية وليس رواية؛ فالواقع المشخَّص يمارس حضوره على نحو لافت ليمثل جزءا من حكاية المروي عنه (ناصر الظاهري)، الطائر بجناح أبعد منه، فما حكاية ذاك الطائر الذي فُصلَ عنه جناحهُ لكنه ظل يطير ويطير···؟
أول الغيث: مشاكسة!
بدايةً، وضعنا نص الحكاية في فضاء الصراع بين طفل مشاكس ورجل تعرض إلى عنف الطفل الذي داس رأس الرجل وترك تشويها جسيماً على وجهه، وصار ذاك التشويه وشماً مستداماً كلما نظر الرجل إليه في المرآة ذكَّره الوشم بفعلة ذاك الصغير المشاكس· لكن هذا الرجل، ولشدَّة وقع الحادث عليه، صار يروي الحكاية رغم أنه لم يرغب بأن يكون راوياً يوماً فيسترسل في سرد حياة وتحولات ذاك الطفل لسنوات بل لعقود تالية، قال الراوي: منذ تلك اللحظة وأنا أستلبسَ هذا الآدمي (الطفل) الذي كان يدبُّ بقدميه غير مبال بتحذيرات أهله الطيبين المسالمين الذين كانت تسير أمامهم البسملات والآيات التي ترعد جلودنا وتجعلنا نتقافز في الفراغات وبين هوامش الأشياء· ومن ثم قال عنه: منذ تلك اللحظة سكنتُ تحت جلد هذا الصبي المشاغب· وهذا مؤشر على أن العلاقة بين الراوي والمروي عنه هي علاقة متنافذة، فالرجل / الراوي استلبسَ هذا الطفل، والمروي عنه / الطفل، بحسب الراوي، سكنَ تحت جلد الرجل / الراوي· وكانت الأحداث التي يرويها الرجل عن انتقاماته المتعدِّدة من هذا الطفل في المدينة التي كانا يسكنانها معاً، تعبيراً عن هذا التنافذ، بل والتوحُّد المشترك في مواجهة آلام الحياة أحياناً، قال الراوي: لقد كانت حياة مليئة، بكل القساوة التي فيها، هي حياتي وحياته!
فالحكاية هنا، هي حكاية طفل مشاكس كان يبحثُ عن شمس الدنيا وأضواء الحياة فيها من دون أن يستسلم لإغواء الانطفاء، ذاك الانطفاء الذي أغوى مدينة الطفل ذاتها، التي ولد فيها (مدينة العين)، عندما كانت ترزح في كل اليالي تحت ظلمة موحشة· ذاك الطفل الذي قال الراوي عنه: لا أجد غير الصمت الذي يلفه، وتلك الطيبة الخادعة التي كان يظهرها، لا أجد غير تردُّده وغير عزمه المفاجئ؛ غير حساباته الخاطئة معظم الوقت، تجريبه الذي هو بلاء آخر، وذاك الزهو الذي يذهب به لآخر مدىً، وهذا الطيران خارج الوقت والناس، وبجناح أبعد منه، لم أجد منه غير البخل العاطفي، وهذا الحب المراوغ! لكن الراوي / الند كان يعود إلى ما عاشه الطفل الخارج إلى سنوات الحياة المطردة، كان أبا وهو في سن السابعة عشرة من عمره، أباً لأبناء أربعة دونه في العمر، وهو جرب أن يكون أخاً وعماً وخالاً، وكان يخشى أن يكون أباً·
سماء ومدن ونساء
تمضي سنوات العمر، ويصير ذاك الطفل عاشقاً، بشغب لذيذ، للسفر والمدن والترحال، كانت موسكو من تلك المدن التي كان يتهيب أن يلامس جلدتها، ومن ثم كانت لينينجراد، ومدن أخرى: بغداد، القاهرة، مكة والمدينة، نابولي، ميلانو، بلغراد، سراييفو، جنيف، ديجون، باريس، مدن أفريقية، إنها بعض المدن التي سافر إليها كبحّار متمرِّس، يقول الراوي، يقطع في زمن سحري كل هذه المتاهات، وحين يبلغ العياء بالطائر، ويبلغ به التعب نراه يقول: ستظل الرياح تشدُّك أنتَ أيها المسافر دوماً باتجاه مرافئ أو نحو غببٍ من الزرقة، ولن تستقر!
وبقدر ما يتوغَّل الراوي في الحديث عن حكاية الطائر أو المروي عنه (ناصر الظاهري)، نراه يكشف رسم ملامح شخصية ذاك الطائر وفق ثنائيات وصفية تبدو متناقضة لكنها تجتمع في حال الشخصية لتحقيق الثالث المرفوع كما هي لغة المنطق، فالطائر يحب أن يتغرَّب، لكنه يخاف مغادرة عشه، ورغم ضراوة الخداع في الحياة اليومية نراه يحتمي ببراءة القيم القبلية، يعشقُ المدن ومآثرها، يعشق جبل لبنان وكأنه نُحت من أضلعه، يعشق ريف المغرب وكأنه قُدَّ من جدائل سعده، يفهمونه كأبيض شفاف، يبدو لهم متشرنقاً بالعقد النفطية، غير أنه لا يرجو من العالم إلا الحب· أعمى، ذاك الطائر، يطير ولا جناح يرفعه، ولا قلب يرده، يحول مساراته وكأن السماء مرتع له وحده· يسافر ويتحرَّك عبر محطات هنا وهناك، يلتقي بنساء عابرات هنا، وماكثات هناك في مدن الثلج الباردة والشموس الحارقة والدافئة، وفي كل هذا الترحال الوجودي تمضي عنه السنون لأكثر من أربعة عقود؛ فأربعة وأربعون بلداً ولا يقسم بهذا البلد، أربع وأربعون امرأة ومرآة ولا واحدة تحمل عنه كل هذا التعب، بل ولا واحدة تلصق هذا الطائر على كتفها أو هذا الولد، أربعة وأربعون صديقاً ولا جسد يضاهي هذا الجسد·
زرقة الأمكنة
الطيران في الحياة، لطائر لا يتمُّ إلا بجناحين متعادلين من حيث الطول والقصر والسمك والقوة، فكيف وطائرنا آثر الطيران بجناح أبعد منه؟ أنها الرحلة في دروب الحياة بكل ما فيها من طعون من الظهر، ومن بكاء على بشر فقدوا أجنحتهم ليكونوا مثل طائرنا، تتكرر صور الصديقات القديمات اللواتي يلتقيهن طائرنا في مدن الأرض، وتتكرر صور الأصدقاء المتعبين في غير عاصمة حطّ عليها الطائر الجريح، وتعرف إلى مآس فيها، في لندن، تلك المدينة / التابوت، ماتت الأميرة ديانا، فغرق الطائر في صيف من الدموع، وبيروت الجريحة التي أفقدت الحروب المقيتة امرأة جميلة رجلها فصار لها وشماً غير مرغوب فيه·
وبعد كل ذلك الطيران / الهيام، تحدو الطائر الرغبة في العود إلى ما بدأ، يعود به تعبه إلى الماضي في كل تجلياته، اليوم، يقول الراوي: يتمنى أن يجلس وحدهُ تحت ظل نخلته القديمة، تلك التي كانت جذورها الأولى ملتفة بزغب شعره الأول، والتي تسمت منذ ذلك الحين باسمه، والتي ظلت تكبر معه، وحين وقف على رجليه، وتعلم المشي، سقاها أكثر من مرة·
والآن، وحين تضيق به الأمكنة، أو حين يعيا من التجوال في مدن الله، يتذكرها كجدة جميلة، ما زالت في مكانها العتيق· والطائر الذي جرب المشي تحت شعاع الشموس وغيمات مدن الثلج يجد اليوم أنه ليس هناك فيء أجمل من تدلي سعفها، وهو يظلل الرأس المثقل بالكثير· بل هو اليوم، وبعد طيرانه ذاك، وحيداً في المدينة، يسير على غير هدىً، كيفما هو الفرح عنده في خاتمته، شعور باليتم والانطفاء· ومع ذلك لا تبدو تلك خاتمة المطاف، فالطائر يشتعل إنْ طال به المكوث، ويحنُّ للطيران، ولنشيد البحر وصفير الريح دوماً، فهو طائر لا تنتهي مواعيده، ولا خواتم أبدية تتقدَّم على جموحه، فالأشياء تبحر به نحو أماكن أكثر زرقة ونحو ليال بأقمار لا تنام·
وفي الورقة ما قبل الأخيرة من نص هذه الحكاية كتب الراوي قائلا: اليوم هو ختام السفر الطويل، وهذا الطيران الخرافي، بكل هذه الأجنحة البعيدة عنه، اعتراف خالٍ من أنانية العمر·

اقرأ أيضا