أرشيف دنيا

الاتحاد

الزوج المخلوع طريد الفشل الأسري والنبذ الاجتماعي

رغم أن طلب التفريق بسبب الخلع «بضم الخاء» قد اكتسب صفة الشرعية حيث منحت المرأة حق إنهاء الحياة الزوجية بإرادتها مقابل أن ترد المهر المقبوض للزوج وتتنازل عن مهرها المؤجل، بعد أن يتراضيا فيما بينهما على الخلع، فإن لم يتراضيا عليه وأقامت الزوجة دعواها بطلب الخلع مبينة بإقرار صريح منها بأنها تبغض الحياة مع زوجها، وأنه لا سبيل لاستمرار الحياة الزوجية بينهما، وتخشى أن لا تقيم حدود الله بسبب هذا البغض، وافتدت نفسها بالتنازل عن جميع حقوقها الزوجية، وخالعت زوجها وردّت عليه الصداق الذي تسلمته منه، وأمام عجز القضاء في الصلح بين الزوجين، فلا سبيل أمام القضاء إلا بالتفريق بالطلاق.
وأمام منح المرأة هذا الحق وبعد سنين من ممارستها لهذا الحق يتحتم علينا التساؤل عما إذا استطاع الخلع حقيقة إنصاف المرأة، أم أنه جعل الحياة الأسرية رهناً لهذا الحق، وبذلك يتحول الخلع إلى حق هدّام للحياة الزوجية! فلكل طرف من الزوجين راية يرفعها في وجه الآخر، إلا أن الرجل هذه المرة هو الذي يواجه المجتمع، بل هو الذي أصبح الطرف الأضعف الذي تطارده الشائعات، بل إن تجربته والحكم بخلعه يمنعانه من خوض تجربة جديدة في كثير من الأحيان.
لن نناقش هنا شرعية الخلع، أو أحقية الزوجة في تطليق نفسها من عدمه، إنما نناقش الانعكاسات السلبية للخلع على الزوج»الرجل»، فإذا كانت المطلقة تاعني من نظرة المجتمع واتهاماته لها بعد الطلاق، فماذا يكون موقف المجتمع من الرجل «المخلوع» من زوجته؟
يقول س.ع.م:»أكثر من ستة أعوام كاملة قضيتها مع زوجتي، كان حصاد هذه السنوات طفلين، لم تكن حياتنا مستقرة لأسباب عديدة، أهمها تدخل أهلها، ومشاكلنا المالية والديون، ونتيجة لكثرة المشاكل، تحول الحب إلى حرب والمشاعر الرقيقة إلى صراع مرير، وفي النهاية طلبت زوجتي الطلاق، لكننى لم أرغب، وحاولت معها كثيراً، وكانت المفاجأة أن القاضي حكم بـ «خلعي» لاستحالة العشرة بيننا، إنني أنتظر بعض الوقت حتى أعيد أوراقي، ومن الممكن أن أتزوج ثانية، وإن لم أتمكن عن طريق الأهل، فسيكون من خارج الدولة».

الوضع الاجتماعي
يضيف عبد الله حسين»موظف»: «إن إقدام المرأة على خلع زوجها لا يستند إلى عنصر المزاجية، فهي لا تتخذه إلا تحت ضغوط صعبة بسبب النظرة الاجتماعية للمطلقة التي تلعب دوراً في عدم التجرؤ على تلك الخطوة إلا بعد تريّث، وفي رأيي أنه لا يوجد إنصاف في حق الخلع للمرأة لأن الزوجة التي وصلت لهذه المرحلة تكون في حالة من الاستياء دفعتها للتوجه للخلع بعد سنين طويلة قضتها مع زوجها، دفعت ثمنها من عمرها في تحمل الزوج واضطهاده بحيث إن سني عمرها قد ضاعت بكل سهولة، إن إحجام بعض الزوجات عن الإقدام على الخلع رغم معاناتهن ليست مسألة مادية بقدر ما هو وضع اجتماعي تتعرض له المرأة التي تخلع زوجها فعادة ما توصف بالقوة، ناهيك عن أوصاف أخرى يطلقها المجتمع عليها، لكنني أظن أنها تقدم على هذه الخطوة مضطرة، فالتضحية بكل ما لديها ليست أمراً هيناً، إن لحق الخلع سلبيات وإيجابيات، وهناك حالات كان الخلع فيها منصفاً للمرأة بلا شك، ففي حالة المرأة التي تعيش مع زوج يكرهها وهي تكره الحياة معه، وفي نفس الوقت يرفض تطليقها يعتبر الخلع حلاً لتلك الحالة، إلا أن هناك زوجات يتخذن الخلع أسلوباً للخلاص من الزوج، ومما لاشك فيه أن الرجل الشرقي يعاني من تدني نظرة المجتمع إليه، فالمجتمع لايزال يرفض رفض المرأة للرجل مهما كان الأمر، لكن هناك حالات لا مجال فيها إلا للتطليق والتفريق حرصاً على الطرفين، والأبناء، ومهما كان الأمر مؤلماً للرجل».

الدكتاتور المستبد
يقول آخر تمت مقابلته في أحد مكاتب المحاماة، أكدنا له عدم ذكر اسمه: «أعمل في القطاع الخاص، وحالتي المادية ممتازة، وبعد أن كنت الزوج الدكتاتور المستبد، أصبحت «المخلوع»، دخلت نادي الرجال المطاردين بعلامات الاستفهام، وأصبحت سجينًا للإهانة التي لحقت بي من امرأة كانت يوماً زوجتي، واستطاعت أن تواجهني وأن تقول لي: «لا»، وأن تطلب الطلاق استناداً إلى حقها في «الخُلع»، لقد أصبحت الشائعات تطاردني أينما ذهبت: لماذا طلقت زوجتك؟ لعل العيب فيك، ربما الحياة معك لا تطاق، من تقبل أن تتزوج برجل مخلوع؟ ومن التي تضمن ألا يطلقها كما طلق من قبل؟ وهكذا حاصرتني الأسئلة وتراقصت في عيون الناس من حولي، وأصبحت ضحية ظروف أنا الذي كنت سبباً فيها، استهنت ببيتي وبسمعتي وتعددت علاقاتي، واستطاعت زوجتي أن تثبت الضرر، وإنني كرجل مخلوع أكثر الناس عذاباً، أعاني من صراع نفسي كرجل شرقي مقيّد إلى جبال من المفاهيم والتقاليد غير المنطقية، تلك التي تغذي في روحي نيران الإحساس بالذل والمهانة لمجرد أن «امرأة» استخدمت حقها الشرعي وطلبت من المحكمة أن تحررها عن طريق «الخلع».
ويضيف:» لقد أصبحت منكسراً ومسكوناً بمشاعر الغضب، وكأنني فتاة بكر تعرضت لفضيحة أخلاقية، لقد هزت هذه المرأة وجودي كرجل، وقللت من هيبتي وسط الناس، ووسط أهلي، وأصبحت المخلوع، نعم لقد ذقت مرارة التجربة، ويا لها من تجربة!».

مرارة الفشل
من جانب آخر يقول سامر الفرة:»مررت بتجربة قاسية استمرت سنوات، ومع مرور الوقت قلت لنفسي ما المانع في أن أتزوج بأخرى فالفشل مرة لا يعني عدم تكرار التجربة، وكان قرار الزواج هو الخيار الوحيد أمامي إلا أنني كنت أخشى نظرة الناس وعواقبها، ورغم ذلك قررت خوض التجربة وليكن ما يكون، تقدمت لإحداهن، فتاة في العقد الثالث من عمرها، لم يسبق لها الزواج، وقد فضلت أن تكون كبيرة وناضجة حتى تقدر المسؤولية وتستطيع أن تتفهم ظروفي الحياتية، بعد أكثر من لقاء ازدادت مساحة التعارف والصراحة بيننا، وكانت الكارثة، فبعد أن عرفت أنني «مخلوع»، سقط الخبر على رأسها كالصاعقة، ولم تستطع أن تداري، قالت لي: «إنني لم أصبر طوال هذا العمر حتى أرتبط برجل مخلوع، فالرجل المخلوع نموذج غريب لا يمكن الاعتماد عليه في حياة زوجية جديدة»، قلت لها لا تحاسبيني على الماضي وتحرميني من حقي في الزواج مرة أخرى، لكنها لم تقتنع بكلامي».
ويضيف: «رغم الإحباط الذي أصابني، وفقدان الثقة في نفسي وفي رجولتي، لم أفقد الأمل، فالنساء كثيرات، وبدأت رحلة البحث، هذه المرة كانت في إحدى القرى المجاورة لقريتنا التي تركتها ورحلت إلى القاهرة منذ سنوات، قبل أن أتقدم لخطبتها، قررت أن أحكي لها كل ظروفي، ونتيجة لصراحتي الشديدة، تعاطفت معي وزاد إعجابها بي، وقررت أن تجرب حظها معي، فحمدت الله وأحسست بأن ثقتي في نفسي قد عادت، وأنني على وشك استرداد رجولتي، إلا أن المشكلة كانت في والدها الذي رفض أن يزوج ابنته لرجل خلعته امرأة، فالمسألة بالنسبة لهم صعبة، إذ كيف يزوج ابنته لرجل خلعته امرأة، فالعادات والتقاليد قبل العقل والمنطق، بل والشرع أحياناً، والرجل ما هو إلا كرامة، فإن ضاعت كرامته انتهى، وبناءً عليه لا أصلح زوجاً لابنته».


الخلع في القانون الإماراتي

يشير محمد المرزوقي المحامي إلى تناول القانون الإماراتي لقضايا «الخلع»، ويقول:«قال تعالى: «الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به، تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون»، أما في السنة النبوية، فقد روي أن زوجة ثابت بن قيس جاءت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالت: «يا رسول الله إني ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام» فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: أتردين عليه حديقته؟ فقالت: «نعم» فقال عليه الصلاة والسلام لزوجها: «إقبل الحديقة وطلقها تطليقة». وقد أجمع الفقهاء على جواز الخلع ومشروعيته عند الحاجة كخوف الزوجين ألا يقيما حدود الله كالكراهية الشديدة للزوج، وإذا وجد ما يبرره، او إذا كانت الزوجة تسيء عشرة الزوج، أو إن كانت تكرهه لسوء دينه أو خلقه.
ومن ثم فان الخلع وفق ما جاء في المادة 110 من قانون الأحوال الشخصية لدولة الامارات «عقد يتم بالايجاب والقبول بين الزوجين أو من ينوب عنهما، يتراضيان فيه على انهاء الزواج بعوض تبذله الزوجة أو غيرها». ومن المقرر في المذهب المالكي»المذهب المعمول به في الدولة» أن الحكمين اذا عجزا عن الاصلاح بين الزوجين فعليهما أن يتعرفا إلى من تصدر منه الإساءة للآخر، فإن تبين لهما أن الاساءة من جانب الزوج طلقا عليه بغير خلع، وان كانت الإساءة من جانب الزوجة طلقا عليه بخلع «أي مال تدفعه الزوجة إلى الزوج» وان كانت الاساءة من كليهما بأن كان كل واحد منهما يؤذي صاحبه طلقا عليه بغير مال عند أكثر علماء المذهب. ولما كانت الزوجة هي التي تلزم بالغرم المالي وهو بدل الخلع عندما يكون سبب الشقاق من جانبها، والأصل في ذلك ما قررته الآية القرآنية الكريمة التي أباحت للمرأة ان تقدم لزوجها مالاً تفدي به نفسها، وأباحت للرجل قبوله عندما يخاف الطرفان الا يقوما بحقوق الزوجية وألا تكون العشرة بينهما وفقا للمنهج الذي رسمته الشريعة الاسلامية « فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاّ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»، أما الرجل فلم يلزم بغرم مالي اذا كان سبب الشقاق من جانبه وانما الجزاء الذي يقع عليه هو تطليقها عليه، وحيث ان البدل الذي تلزم الزوجة بدفعه إلى الزوج يمكن أن يكون منفعة أو مالاً، واذا كان مالاً يمكن أن يكون هو الصداق أو جزءاً منه ويصح أن يكون أي مقابل مالي غير الصداق. وان كان المشهور في مذهب المالكية يجيز أن يكون مقابل الخلع تنازل الزوجة عن نفقة أولادها، إلا أن الفقرة الثانية من المادة 110 من قانون الأحوال الشخصية للدولة قد منعت جواز أن يتم الخلع مقابل تنازل الزوجة عن نفقة أو حضانة أولادها».

اقرأ أيضا