الاتحاد

الاقتصادي

من فكك النظام الاقتصادي العالمي الجديد؟

قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد تسك مؤخراً، إن سياسات ترامب فيما يخص التجارة والتغير المناخي والاتفاق النووي مع إيران تضعضع «النظام الدولي المبني على قواعد». هذا ضرب من السخف. فقد بدأ النظام العالمي يتفكك قبل ظهور ترامب على الساحة الدولية بوقت طويل.
البداية كانت في عام 1989. في هذا العام المهم سقط جدار برلين وسقط معه النموذج الاشتراكي مفسحاً المجال أمام صعود العولمة. وبحلول بداية التسعينيات كانت الصين والهند وأوروبا الشرقية ومجموعة دول أخرى منتجة للسلع قد انضمت كلها للنادي الرأسمالي العالمي.
شكّل هذا ميلاد ما أطلق عليه توافق واشنطن - وهو نظام عالمي جديد قام على تحرير الوصول للأسواق وإطلاق تدفق رأس المال والتجارة وتشجيع المنافسة المحلية وتعزيز حكم القانون وتخفيض الضرائب وتقليص الدعم. ولم تأت سنة 1995 إلا وكان زعماء هذا النظام العالمي الجديد قد أسسوا منظمة التجارة العالمية التي انضمت الصين إليها بعد ست سنوات من ذلك التاريخ.
وفي البداية تحمست دول كثيرة لتوافق واشنطن فصارت أغزر إنتاجيةً وهو ما قلص تكلفة الأجور الفعلية على مستوى العالم. ونمت التجارة العالمية بمعدل فاق بمرتين معدل نمو الإنتاج الاقتصادي العالمي. وسرعان ما تدفق محيط من المدخرات راحت ماؤه تموج في دهاليز النظام المالي الدولي الجديد المحرّر. وانتهى المطاف بالكثير من تلك المدخرات في أصول أميركية. وبالتالي انخفضت أسعار الفائدة الأميركية طويلة المدى لمعدلات دنيا غير طبيعية. وتراجع حساب المجازفة المالية بأقل من اللازم، بينما انتعشت أسواق الأسهم.
ولم تفلح حتى الأزمة الآسيوية في نهاية التسعينيات في إسدال الستار على الحفل، بل على العكس تعلمت دول كثيرة مما حدث وطورت سياساتها إثر الأزمة، وقامت تلك الدول بربط عملاتها بالدولار الأميركي وقلصت الاستهلاك وأعادت تصميم اقتصاداتها من جديد لتجعل منها منصات تصدير كبرى. وكان من شأن كل ذلك أن ازداد حجم محيط المدخرات الذي تموج ماؤه العالم.
لكن عند تلك النقطة بدأت الأمور تسوء، فقد أخفقت دول كثيرة منها الصين في الإيفاء بالتزاماتها وفق النظام العالمي الجديد، فعمدت تلك الدول إلى وضع عراقيل واختلاق سيناريوهات عن مصاعب تمر بها وطورت ثغرات تمكنها من التهرب من التزاماتها، وفي بعض الحالات انخرطت تلك الدول في سرقات مباشرة لحقوق ملكية فكرية وفي عمليات تلاعب ممنهجة في العملات وفي حروب قرصنة إلكترونية. وفجأة باتت الرؤية العظمى ضبابية.
وبحلول عام 2007 مهد تقليص تقدير المجازفات المالية وهي الممارسة التي انتشرت على نطاق العالم ككل، مهّد الحلبة للأزمة المالية. وفي عام 2009 أعلن رئيس الوزراء البريطاني غوردن بروان أن «توافق واشنطن القديم قد انتهى».
ورغم ذلك كان هذا النظام العالمي قد خلق ثروات غير مسبوقة وسمح بانتشال مليار شخص من براثن الفقر. لكنه في ذات الوقت أفضى إلى تباين في توزيع الثروة وغياب للمساواة وإلى ثبات الأجور الفعلية وولّد نظاماً مالياً دولياً غير متوازن على الإطلاق. وقامت البنوك المركزية بضخ عشرات التريليونات من الدولارات لحماية أسعار الأصول المحددة وفق نظام لم يعد له وجود.
وفي نهاية المطاف اتضح أن الرؤية الأصلية للنظام العالمي الاقتصادي الجديد كانت مجرد حلم رومانسي، كثير من الدول اشتركت في النظام العالمي ولكن ليس بهدف تحرير اقتصاداتها أو جعلها أكثر شفافية، لقد قامت تلك الدول بالتلاعب بالنظام.
وعلى سبيل الرد اقترحت إدارة ترامب تعرفات جمركية لمرة واحدة فقط، ولكن هذا يشبه طبيباً يصف دواءً قوياً له مضاعفات جانبية سلبية دون خطة علاج طويلة الأمد تفضي فعلاً إلى تحسن صحة المريض.
والمريض - وهو الاقتصاد الأميركي - لديه قدرة مذهلة على التجديد وإعادة إنتاج ذاته، ويجب وضع خطة طويلة الأمد للحفاظ على تلك الميزات الفريدة وحمايتها، لاسيما في عالم اليوم الذي يفتقر لحكم القانون بشكل متزايد، وخاصة أن قيماً كالاقتصادات الحرة المفتوحة واللعب النظيف وحكم القانون لا تبدو رائجة اليوم.
وتعد التعرفات بديلا سيئاً للتخطيط الاستراتيجي لمستقبل الاقتصاد العالمي، وعوضاً عن التعرفات يجدر بالولايات المتحدة أن تشكل ائتلافاً من مجموعة دول توافق على نظام أكثر صرامة يتطلب شفافية ومساءلة أكبر، كما يستند إلى قواعد اللعب النظيف وحكم القانون ويشمل تعرفات أقل وبشكل عام عراقيل أقل أمام دخول السوق.
ولن تتمكن كل الاقتصادات من دخول ائتلاف كهذا، فأوروبا ليست موحدة في أوضاع بلدانها، فقد انتابت صناع السياسات الألمان مخاوف بعيد «البريكسيت» من أن تعاني برلين من العزلة عقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وكانت هناك خشية في برلين من أن تواجه بمفردها الحمائيين في بروكسل والموظفين التكنوقراط من مناهضي السوق الحرة ودون أي دعم من دولة أخرى كبيرة وهامة كبريطانيا.
وفي حالة الصين لا يرتبط الإنتاج بأي شكل باحتياجات السوق، وتعريف كلمة «عقد» هو بداية التفاوض، وتعد حروب القرصنة الإلكترونية مجرد جزء من أجزاء العمل. ولهذا يجب النظر إلى تلك البلدان كلٍ على حدة.
لقد تغير العالم منذ عام 1989 وتبدد النظام العالمي، وحان الوقت لتأسيس نظام جديد.

* الكاتب: ديفيد سميك

اقرأ أيضا

النفط يبلغ أعلى مستوى في 2019 بدعم من خفض إمدادات "أوبك"