صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

هاربون من الجنسية البريطانية «العظمى»!

«إذا رفض الأوروبيون اتفاقاً أمنياً معنا، سيصبح البريطانيون أقل أمناً» ديفيد ديفيس وزير شؤون الانفصال البريطاني

في واحدة من أشهر أغنيات الأميركي بوب ديلان الحائز على جائزة نوبل للآداب، يقول «الأول الآن سيكون الأخير لاحقاَ»، واسم الأغنية «الأوقات تتغير» يختصر المقصود. تمتع جواز السفر البريطاني عشرات السنين بالريادة، وكان هدفاً لكل من يرغب في التمتع ببعض المزايا، ولا سيما حرية الانتقال بلا شروط أو قيود. أصبح كذلك حتى بالنسبة لأولئك الذين يحملون جوازات سفر صادرة عن بلدان متقدمة. هذا الجواز تصدر سنوياً قائمة وثائق السفر الأكثر قوة في العالم. لكن «الأوقات تتغير»، وتأتي بتحولات ومتغيرات بعضها لم يتوقعها أحد، وبعضها الآخر يدخل في نطاق الصدمة، أو لنقل المفاجأة. عدد أولئك الذين يهربون من جواز السفر البريطاني يتصاعد بصورة مذهلة! لماذا؟ لأن المدة المتبقية لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي لا تزيد على تسعة أشهر.
في العام الماضي، أي بعد عام تقريباً من قرار الانفصال البريطاني، زاد عدد حاملي جوازات السفر البريطانية الذين أصبحوا مواطنين ألماناً بنسبة 162%، وفقاً لمكتب الإحصاء الألماني. في العام 2016 ارتفع عدد هؤلاء بمعدل 361% أو أكثر من مثلي عدد البريطانيين الذين أصبحوا ألماناً في 15 سنة! و«قافلة» هؤلاء تمضي قدماً في هذا المجال، ناهيك عن أولئك الذين حصلوا بالفعل على جنسيات إيرلندية وفرنسية وإسبانية وإيطالية، وبلغت أعدادهم مستويات تاريخية مرتفعة.
الهاربون من جواز سفر المملكة المتحدة لديهم مبررات مقنعة، إنهم يسعون للحفاظ على المزايا التي كانوا يحصلون عليها عبر جوازهم الأصلي، خصوصاً أولئك الذين يعملون في الحقل الاستثماري، وكذلك الأمر بالنسبة للذين يعيشون بصورة دائمة في بعض البلدان الأوروبية كمتقاعدين هاربين نحو الشواطئ والمناخ المعتدل.
لم تجد كل تطمينات الحكومة البريطانية نفعاً مع هؤلاء، فهم يعرفون أن لندن لا تملك مفاتيح «الطلاق» النهائي من الاتحاد الأوروبي، لدرجة أن بعض السياسيين البريطانيين بدأوا يتحدثون عن طلاق بلا اتفاق. وهذا لوحده مصيبة حقيقية، لأنه سينعكس خطراً داهماً على كل شيء تقريباً، من التجارة إلى السياحة والخدمات، وحتى الأمن. وسيتم التعاطي مع المملكة المتحدة كأي دولة أجنبية رغم التصاقها الجغرافي والتاريخي والمصيري بالقارة الأوروبية. ولأن الأمر كذلك، تسعى الحكومة بكل ما تملك (وهي لا تملك الكثير) للوصول إلى اتفاق مقبول من معسكرين متحاربين حتى ضمن الحزب الواحد على الساحة البريطانية. وهذا بحد ذاته يعطي مؤشرات متعاظمة على إمكانية «الطلاق» بلا اتفاق. بل إن الاتحاد الأوروبي نفسه أعلن مراراً، أن الحكومة البريطانية لا تملك في الواقع خطة عملية لإتمام الاتفاق.
سترتفع أعداد البريطانيين الهاربين من جنسيتهم في الفترة المقبلة. فحتى في ظل اتفاق معقول ومقبول، ستظل مزايا حاملي الجنسية البريطانية متناقصة. يكفي أنهم سيخسرون الحرية الكاملة في العيش والتحرك والعمل في 26 دولة تشكل الاتحاد الأوروبي.