الاتحاد

دنيا

ضمير الطفل يوقظ إحساسه بالمسؤولية

الطفل دائما يسعى إلى الاستقلال

الطفل دائما يسعى إلى الاستقلال

يعلو الأسى وجوه الآباء والأمهات الذين ليس لديهم خبرة كافية في مهام ودور الأبوة، عندما يجدون أن الطفل يخرج عن حدود الأدب واللياقة وأن كل وسائل تعديل السلوك لم تعد تنفع معه، ويعتبرون المسافة الواقعة بين العام السادس وحتى العام الثاني عشر هي مسافة التعب المضني. إنه يتصرف بوقاحة، ويرد على الأم بعنف، أو لا يمتنع عن الكذب لينقذ نفسه، أو يقلب المنزل من النظام إلى الفوضى، فهو لا يهتم بنظافته الشخصية، ويدخل في مناقشات طويلة حول الاهتمام بتمشيط شعره والاعتناء بهندامه، ودائماً ما يماطل في تنفيذ ما يطلب منه من أعمال، بل يحاول دائماً أن يثير أعصاب أبويه بتصرفاته وسلوكياته المزعجة، وعندما يتلقى العقاب فإنه سرعان ما ينسى ما عوقب من أجله ويكرر أخطاءه. لكن في نفس الوقت يندهش الأب والأم عندما يعلمان أن الابن يتصرف في المدرسة بشكل حسن وأنه نشيط، ويحافظ على النظام. لا يستطيع الوالدان تفسير ما يحدث بالضبط! كيف يتصرف ابنهم في المنزل بأسلوب، ويتصرف في المدرسة بأسلوب آخر؟
إن الصغار يحاولون أن تكون لهم “أخلاق من صنع أفكارهم”، وألا تكون هذه الأخلاق من صناعة الكبار. وقد يتساءل الكبار: لماذا يحاول الأبناء أن ينخرطوا في جماعات هي أشبه ما تكون بالتنظيم السري غير العلني؟ إنهم يحاولون أن يبتعدوا بأنفسهم عن عالم الكبار، لأن الكبار ليس لديهم سوى النصائح والتعليمات والتوجيهات. وهذا يعني أن الأولاد لن يستطيعوا أن يضعوا لأنفسهم القواعد اللازمة التي يعتبرونها دستوراً أخلاقياً لهم، دون أن يتركوا للأولاد حرية التعبير عن أنفسهم، وعدم التدخل في كل صغيرة وكبيرة من شؤونهم.
بين العام السادس والعام الثاني عشر نجد تغيراً كبيراً قد حدث. فالأولاد يحاولون الانتباه إلى ضرورة النظام في حياتهم.
فالواحد منهم يحس أن من واجبه تنظيم نفسه، ويعيد ترتيب خزانة ملابسه، وكتبه وألعابه. ومن المؤكد أن الآباء والأمهات أو بعضهم يرون في هذه العملية نوعاً من الفوضى الضاربة في المنزل، لذلك يتدخلون بالأوامر في منع هذه المسألة. لكن.. لماذا لا يسأل الآباء والأمهات أنفسهم سؤالاً محدداً.. وهو:
لماذا لا تترك الفرصة للأبناء في أن يعيدوا ترتيب أشيائهم؟
لماذا إذن لا نشجع نحن الفتى أو الفتاة على ممارسة هواية أو اثنتين؟. إن التشجيع الهادئ يُنمّي حب الإبن لهذه الهواية. ومن يدري قد يحمل لنا المستقبل موهبة ما في أعماق هذا الابن سببها هذه الهواية.
ونفاجأ نحن الكبار بأن الابن ينبهنا إلى كل ما هو خطأ في حياتنا.
لنراقب نحن الكبار بعض عاداتنا.. إننا نجد في بعض ألوان سلوكنا ما يمكن أن تكون له علاقة بالخرافة، وفي جزء آخر من تاريخه له علاقة بالخوف. وجزء من حاضره أن يتمنع عن “تخيل” الشر. وجزء من واقعه أنه يندفع دائماً نحو الخير. وهكذا ينمو الإنسان ليواجه الخرافة ويدحضها ويستبقي من العادات ما له علاقة بتطوره ونموه. والضمير أساس هام في عملية نمو الطفل. إنه يحاول بكل وسيلة أن يستقل عن أسرته. ويحاول أن “يسترضي” السماء في أفعاله. ويتقبل وجود الخالق ككائن أكبر من الجميع بمن فيهم أسرته. ويبدو أمام الذين في هذه المرحلة ملجأ حميم للاستقلال عن الأسرة. ويجد الطفل في قواعد الدين ما يؤكد له شخصيته وتبدأ عبادة الله كأساس هام من أسس تكوين الشخصية المستقلة عن الوالدين. وهكذا نجد أن الطفل خلال رحلة الأعوام الستة التي تبدأ من العام السادس وتنتهي عند العام الثاني عشر، ينمو خلال هذه المرحلة من خلال نمو مشاعر الحب وتعلم قواعد الأخلاق وتنمية القدرة على الضبط الاجتماعي بدءاً من تعلقه بالأم وانتمائه إلى الأب. ثم خروجاً من دائرة الأم والأب إلى عالم الاستقلال الشخصي، والقدرة على إدراك العالم الخارجي.
إن دور الأب هنا أن يكون صديقاً للإبن يوجهه دون قسوة عند الحاجة إلى التوجيه ويوجهه في قسوة إذا تطلب الأمر ذلك. ويجب أن نتعامل مع الطفل خلال هذه الأعوام الستة على أنه شخصية مستقلة. لأن ذلك ينمي في الطفل الإحساس بالمسؤولية والكرامة ومعرفة الصواب من الخطأ. إن الرحلة التي يقطعها الطفل في هذه السنوات الست تمر في الظاهر بالتمرد على قوانين الأسرة. لكنه تمرد يحوي في داخله إحساساً بالمسؤولية الاجتماعية. إنه يتدرب على الدور المطلوب منه في المجتمع.. يبحث عن موهبته ويبحث عن إيمانه ويبحث عن الصداقات التي يرتبط بها. وكلما عاملنا الطفل على أنه كائن مستقل. كلما استجاب لما نتمناه مع المجتمع. وكلما دخلنا معه في مناقشات لا نسيطر فيها بالرأي، لكنه نشرح له التجربة، كلما ازدادت صداقته لنا وكلما ساعدناه في رحلة الاستقلال عنا. لأن الهدف طوال هذه السنوات الست هو أن يكون مستقلاً عنا له آلة أو جهاز للضبط الداخلي خاص به وهو الضمير.

اقرأ أيضا