أرشيف دنيا

الاتحاد

القرى تتحول إلى مدن والأرياف تسير نحو الاندثار في الجزائر

حتى الفلاحة الريفية غزتها البيوت البلاستيكية الحديثة

حتى الفلاحة الريفية غزتها البيوت البلاستيكية الحديثة

تشهد الجزائر منذ نحو عقدين من الزمن غزواً واسعاً لمظاهر العصرنة والحداثة لأريافها وقراها ومناطقها الجبلية والنائية. وإذا تواصلت الوتيرة على هذا النحو فقد يختفي عالم الريف تماماً بالبلد بعد نحو عقدين أو ثلاثة، وفق مؤشرات إحصائية لتسود المدن والتجمعات السكانية الكبرى وتختفي القرى والأرياف.

بعد خروج الاستعمار الفرنسي من الجزائر في 5 يوليو 1962، كان أغلب الجزائريين يقيمون في الريف والمناطق الجبلية البعيدة عن التجمعات السكنية الكبرى، إذ كانوا يرفضون الاحتكاك بالفرنسيين باستثناء أقلية منهم كانت تقيم مع المستعمرين الأوروبيين في المدن، فضلاً عن اعتماد أغلب الأهالي على الزراعة وتربية المواشي والأنعام كمصدر عيش رئيس لهم، ولذا كانت الأرياف والمناطق الداخلية البيئة المناسبة لمعيشتهم. وأشارت أول إحصائيات بعد الاستقلال إلى أن أغلب سكان الجزائر الذين كان عددُهم آنذاك يبلغ 12 مليون نسمة، يقطنون في الأرياف بنسبة 78 بالمائة مقابل نحو 22 بالمائة فقط يسكنون المدن.
بداية النزوح
الوضع بعد الاستقلال بدأ يشهد انقلاباً محسوساً من خلال بداية النزوح الريفي إلى المدن الكبرى طلباً لعيش أفضل، وكانت البداية بـ”زحف” نحو عشرات الآلاف من المساكن الفارغة التي تركها 400 معمِّر فرنسي وأوروبي وراءهم فور الاستقلال، في الجزائر العاصمة، ثم توالت موجة النزوح الريفي بشكل منتظم نحو المدن الكبرى في الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي بدافع البحث عن العمل بالدرجة الأولى، لاسيما بعد أن أقامت البلاد مجموعة من المناطق الصناعية الواسعة الخاصة بالصناعات الثقيلة بمساعدة من الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي سابقاً، ما أغرى مئات الآلاف من الريفيين الفقراء بالنزوح، فبدأت المدن تتضخم وظهرت حولها أحزمة كبيرة من البنايات الفوضوية.
وحينما تفطنت السلطات إلى الأمر، وأدركت أن سياسة التصنيع قد أثرت سلباً في الفلاحة ودفعت الكثير من أهل الريف إلى هجرها، وبخاصة في المناطق الفقيرة التي تعتمد على الأمطار وحدها، بدأت تعمل على إيقاف هذا النزوح عبر اعتماد سياسة جديدة تقوم على عصرنة القرى والأرياف وفك العزلة عنها عبر شق الطرقات وتزويدها بكل الموافق الضرورية للعيش الكريم كالمؤسسات التربوية والمراكز الصحية والمرافق الرياضية والترفيهية ودعم السكن الريفي بهباتٍ مالية مغرية لأصحابه وبناء عمارات وسكنات حديثة وإيصالها بغاز المدينة وبماء الشرب وقنوات الصرف الصحي، وكذا دعم المشاريع الفلاحية العصرية بهبات وقروض بفوائد شكلية للفلاحين ومربي المواشي والدواجن.
مظاهر زائلة
جعلت المشاريع والمنشآت العصرية سكان الريف، ولاسيما في السنوات الأخيرة، يشعرون بأن مناطقهم التي كانت تعاني العزلة والتهميش ولا تضمن لهم العيش الكريم، قد تغير وجهُها الآن وأصبحت تغريهم بالاستقرار فيها، وأدى ذلك إلى توقف النزوح الريف إلا في حدود ضيقة، واتساع الأرياف وتحول الكثير منها إلى مدن صغيرة لم تعد تحمل من عالم الريف إلا الاسم.
واللافت، الكثير من مظاهر الحياة الريفية البسيطة قد اختفى، فلم تعد هناك مغازل أو مناسج يدوية كثيرة ولا ألبسة تقليدية كثيرة، ولا تربية تقليدية للدواجن، وحتى الفلاحة غزاها الجرَّار والآلة الحاصدة والبيوت البلاستيكية والأسمدة الطبيعية لتحل محل المحراث الخشبي والمنجل.. كما اختفت الكثير من المأكولات التقليدية المحلية وغزت المعلبات والمصبرات والمأكولات الجاهزة مختلف المحال التجارية وانتشرت محال البيتزا، وغزا البرابول أسطح معظم البيوت وانتشر المحمول وقاعات الإنترنت على نطاق واسع.
وأبدى الشيوخ حسرتهم على “أيام زمان” وانتقدوا غزو مظاهر العصرنة للريف وتغير معالمه ونمط معيشة الناس، وقالوا إن ذلك هو السبب الأول لظهور الأمراض التي لم تكن موجودة في الريف قبل عشريتين فقط كالحساسية والسرطان والضغط الدموي، بينما أبدى الشباب ارتياحه لذلك وطالب بالمزيد من المشاريع العصرية لضمان حياة الرفاهية.
وأكدت إحصائيات وزارة الداخلية الجزائرية أن عدد سكان المدن والتجمعات السكنية الكبرى بلغوا 62 بالمائة إلى غاية 31 ديسمبر 2009 مقابل 38 بالمائة فقط من سكان الريف، وهذا من خلال إحصاء شامل جندت له عشرات الآلاف من أعوانها ودام أسابيع عديدة، وهذا ما يعني أن المعادلة قد انقلبت جذرياً حيث أصبح سكان المدن هم الأغلبية، بينما يتراجع سكان الريف باستمرار من سنة إلى أخرى.


ترييف المدن

يعتقد مراقبون أن النسبة ستتجاوز حدود الـ80 % بعد سنوات قليلة بالنظر إلى الوتيرة العالية التي تسير بها مختلف المشاريع في الجزائر والتي رصدت لها السلطات ميزانية ضخمة تقدر بـ286 مليار دولار لإنجاز مشاريع في مختلف مناطق الجزائر وفق خماسية تمتد من 2010 إلى 2014 وتشمل مختلف جوانب الحياة، ما يجعل الريف يسير بوتيرة ثابتة نحو الاختفاء في الجزائر وغزو مظاهر التمدن لكل شبر فيها. ويوعز باحثون اجتماعيون ذلك إلى طبيعة البشر التي تبحث عن حياة الراحة والرفاهية وكذا الطفرة المالية للبلاد والتي استفادت منها الأرياف كما المدن، إلا أن بعضهم لم يُبد قلقاً إزاء اتجاه الأرياف إلى الاختفاء، بل هو قلِق فقط من ظاهرة “ترييف المدن” حيث أن التوسع العمراني العشوائي لعدد من المدن أفقدها جماليتها وجعلها “أريافاً كبيرة” بدل أن تكون مدناً عصرية جميلة.

اقرأ أيضا