الاتحاد

النفس بين الغموض والحذر


النفس البشرية·· وما أدراك ما النفس البشرية؟! تلك الكينونة الغامضة والمجهولة في عالمنا الإنساني والتي لا يمكن وصفها في بضع كلمات فهي كالنسمة في سكونها وهدوئها أحياناً وقد تكون كالبحر الهائج يثور ويضطرب أحياناً أخرى، وأن البعض منا قد يبحث في نفسه ويتعمق بداخلها ليفهمها ولكن دون جدوى، ورغم كل التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي في عصرنا الحالي إلا أن العلماء عجزوا عن فهم طبيعة هذه النفس البشرية، فهي لغز محير منذ آلاف السنين وقد اختلف الأدباء والمفكرون في تعريف النفس وتركيبتها فهي علم نسبي ومعياري يختلف وصفها وتعريفها تبعاً لوجهات النظر وبسببها يعجز البعض في الفصل بين كثير من رغباته الوقتية وطموحاته ذات المدى البعيد وقد يفضل أحد الاختيارات على الآخر ويندم لاحقاً ويرى أن السبب في ذلك هي نفسه التي دفعته في الاختيار ولا يعرف لماذا؟ كما أن هناك صعوبة في ايجاد تفسيرات ومبررات لكثير من السلوكيات الناجمة تبعاً لهوى النفس، فيوماً نحب الوردة ونتحمل لأجلها الأشواك ويوماً نرى الوردة وكأنها نبتة عادية كغيرها وسرعان ما نتركها لوجود الأشواك فيها، ويوماً نريد هذا الشيء ويوماً لا نريده وقد نغضب ونثور اذا لم نحصل على كل ما تريده نفوسنا وكثيراً ما يكرر كل منا عبارة أنا لا أعرف ماذا أريد بالضبط؟! أو نقول بأننا غير سعداء ولن يغمض لنا جفن حتى نحصل على ما نريد!!ويمكن القول هنا بأن النفس قد تكون عبارة عن مرآة وهوية يتم التعرف من خلالها على طبيعة كل انسان فالشخص الذي تتحكم به نفسه ويشبع رغباتها دائماً يكون شخصا ضعيفا وماديا ونظرته للحياة محدودة وتقتصر على كماليات لا قيمة لها، والشخص القوي هو ذلك الذي يكبح جماح نفسه ويحسن ترويضها ولا يصغي لمطالب ملذاتها التي لا حدود لها ويعودها على الصبر والتحمل والزهد في هذه الحياة ليسعد دائماً وهذا ما نلمسه في حياة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة وقصص التابعين من بعده ومثال ذلك عمر بن عبدالعزيز فكان خير الزاهدين رغم أنه كان أميراً، أي أنه لا إفراط ولا تفريط في كل أمور الحياة ومتاعها وهذا ما يجب أن تتطبع به كل نفس بشرية وخاصة النفس المؤمنة والتقية·
إن الخوض في الحديث عن النفس البشرية طويل وفيه وقفات عديدة فهي تحمل معاني جمة ومتنوعة ذات الطابع الديني والعلمي والاجتماعي والأخلاقي والبيولوجي والسيكولوجي ولكن ليس هذا مجالا لذكرها وعلى كل منا أن يبحث عن نفسه الصافية ويعمل على تنقيتها من الشوائب التي قد تعلق بها في بعض الأحيان ونحرص دائماً على تهذيبها ورسم ملامح خطواتها واتجاهها ومسارها لكي يستطيع كل منا العيش بسلام وهدوء في هذه الحياة ولا نترك لأنفسنا العنان في اطلاق وتحقيق رغباتها التي لا بداية لها ولا نهاية فالنفس أمارة بالسوء أحياناً وهي ناقوس خطر قد يدق في كل وقت وحين فالحذر الحذر من الاستماع دوماً إلى صوت النفس تلك الكينونة الغامضة·
موزة عبدالله العبدولي - الفجيرة

اقرأ أيضا