الاتحاد

عربي ودولي

العالم إمرأة مريم فرحات احتفالات وقرابين


السعد عمر المنهالي:
ذاتها·· أم نضال·· ونفس مهنئيها، بل ونفس قطع الحلوى والزغاريد، غير أن المناسبة اختلفت هذه المرة· فقد اعتادت 'مريم فرحات' بعد ثلاث مناسبات متتالية على استقبال المباركين باستشهاد أبنائها -والتي كانت دائما ما تصر على عدم قبولها أخذ العزاء فيهم لأن موتهم بمثابة قربان إلى الله- أما هذه المرة، فالتهاني كانت لفوزها في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في منزلها الكائن بمدينة غزة في السادس والعشرين من يناير الجاري ،2006 بعد فوز حركة حماس الكاسح··
ولدت 'مريم محمد يوسف فرحات' عام 1949 اي بعد عام واحد فقط من إعلان الدولة الإسرائيلية، لإحدى الأسر المتوسطة الحال بحي 'الشجاعية' -يقع في الجزء الشرقي خارج حدود المدينة القديمة- في مدينة غزة الفلسطينية، عمل والدها شرطيا· وبين إخوانها العشرة لم تعرف 'مريم' -كما تذكر في أحد حواراتها- للطفولة معنى، وكل ما تذكره عن تلك الفترة 'مزيجا من الانهيارات والقصف والغارات والاستشهاد'·
وفي ظل تلك الظروف البائسة لم تعرف من الدين سوى الصلاة، غير أنه وبعد زواجها تأثرت 'مريم' كثيرا بالدروس الدينية في المسجد الذي عرفت طريقه، فتحجبت رغم معارضة من حولها وأولهم زوجها 'فتحي فرحات' والذي هددها كثيرا بالطلاق في حال إصرارها على التزامها الديني· وأمام إصرارها انهارت معارضة الجميع لتوجهها الديني والذي غلب فيما بعد على طابع تربيتها لأبنائها·
وكما كان عدد إخوتها، جاءت 'مريم' لهذا العالم بعشرة أبناء - ستة صبية وأربع فتيات-، وحاولت بما نهلته من المسجد أن تبثه فيهم، ساعدها في ذلك الحياة التي عاشتها كباقي الفلسطينيات، حيث الصدمات والمحن كل يوم، فلا يمر يوم على المرأة الفلسطينية ليس فيه إطلاق نار أو اجتياح أو نقص في الماء أو الطعام· ومن المسجد أيضا انطلقت متخذة من الدعوة وسيلة تتقرب بها إلى الله·
غصة وحلوى
لا يذكر تماما بداية توجه 'مريم فرحات' للعمل النضالي، غير أنها عملت ككثير من الفلسطينيات في مساعدة ومواساة أسر الشهداء، وخدمة المجاهدين في مواقعهم، لدرجة أن اتخذ أحد اكبر رموز المقاومة الفلسطينية 'عماد عقل' القائد العسكري لحركة المقاومة الإسلامية -كان على رأس قائمة المطلوبين لسلطات الاحتلال الإسرائيلي- من منزلها مأوى له، وترحيبها بذلك رغم كل المخاطرة المحيطة بها وبأسرتها، بل وما تبعه بعد ذلك عندما تحول دارها إلى جبهة قتال بعدما حاصره جنود الاحتلال وقتلهم إياه في نوفمبر عام ،1993 وفي حي الشجاعية وانطلاقا من منزلها الذي جمعت أشلاءه منه، خرجت مسيرة شارك فيها أكثر من خمسة آلاف شخص يرفعون نعشه·
كان للشهيد 'عماد عقل' جملة عرف بها تقول: 'إن قتل الإسرائيليين عبادة أتقرب بها إلى الله'، ويبدو أن روحه التي زهقت في دار 'مريم' خلفت جملته وراءها، فحلقت على الدار وأبناءه منذ ذلك الحين· وهو ما توافق مع تربية 'مريم' لأبنائها بتشجيعهم على المقاومة ودفعهم ليكونوا أعضاء في كتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس في سنوات مبكرة من أعمارهم، ولذا كثيرا ما تجمع أبناءها برفاقهم تحت رعايتها وفي منزلها·
ففي مارس عام 2002 التقت كاميرا تصوير لقطة لـ 'محمد' ووالدته - بطلب منها-وهي تودعه وتشد أزره وتوصيه بالثبات، وقبلته وأوصته بالتركيز، وذلك قبل توجهه إلى مستوطنة 'عتصمونا' الإسرائيلية في غزة، قاصدا الأكاديمية العسكرية ليقتل - كما أعلن- سبعة عسكريين اسرائيلين وجرح 23 آخرين قبل أن يقتل، وما أن وصل خبر استشهاده حتى علت الزغاريد ووزعت الحلوى ورفضت قبول التعازي·
تناقلت وسائل الإعلام شريط الفيديو فيما بعد، فعرفت 'مريم فرحات' على نطاق واسع، ازداد اتساعا بعد أقل من سنة بعدما استشهد ولدها 'نضال' المهندس الأول لصواريخ القسام، وهو في أول عقده الثالث بعبوة ناسفة أثناء فحصه للسلاح - مورد من المناطق المحتلة- مع بعض رفاقه في فبراير عام ·2003 لا تزال الوالدة حتى اليوم تتذكر كلمته الأخيرة لها 'والله يا أما أكلت كل شيء وما بقي شيء إلا أكلته' بعدما عاتبته لقلة طعامه·· ورغم هذه العاطفة نحو ابنها البكر والغصة التي تحملها، استمرت مريم في طريقها، وظلت الحلوى تقدم في منزلها فخرا واعتزازا بالشهيد، في حين ترقد جثامينهم بجانب بعضهم على امتداد مقبرة 'الشهداء' شرق مدينة غزة·
كذلك كان حالها مع ولدها 'رواد' - سبعة عشر عاما- الذي استشهد في سيارته بغارة إسرائيلية في مدينة غزة في سبتمبر عام ،2005 فقد رددت بصوت ثابت 'أنا مستعدة لتقديم كل أبنائي للمقاومة'· لم يكن أبناؤها الثلاثة (محمد ونضال ورواد) هي حالات الحرقة الوحيدة التي عاشتها أم نضال' أو أم كفاح كما يناديها العامة، بل أصابها أيضا اغتيال زوج ابنتها 'عماد عباس' على يد قوات الاحتلال، وإصابة ولدها 'مؤمن' في ظهره بسبب قذيفة إسرائيلية، في حين قطعت أصابع يد ولدها 'حسام' في غارة، أما 'وسام' فقد ظل لسنوات طويلة - ثلاثة عشر عاما- خلف قضبان الاحتلال، كما حاول الاحتلال مرارا تدمير منزلها في الشجاعية إلا أنه لم يفلح·
لم تخلق هذه الحرقات المتتالية في قلب 'مريم' سوى جمود وصلابة أثارت حفيظة الكثيرين ليس في إسرائيل وحدها إنما في العالم أجمعه، فالتفت حولها وسائل الإعلام العالمية في محاولة يائسة لفهم نفسية هذه السيدة التي تقدم الحلوى في وفاة أبنائها وتتوعد بتقديم المزيد· فعرف عنها قولها 'من كانت تحب ولدها فلتعطه أغلى ما تستطيع·· وأغلى ما يمكن الجنة ··· ولا تجزع عند فوزه بها، ولا تشمت الأعداء بشعبنا بدموعها على شاشات التلفزة'·
حماس إلى القمة
منذ إعلان 'حماس' في ابريل عام 2005 المشاركة في الحياة السياسية الفلسطينية وخوضها الانتخابات البلدية في ديسمبر من نفس العام، والنتائج الكبيرة التي حققتها، وعلامات الاستفهام تطفح في أي مساحة تحاول تفسير هذا التحول الدراماتيكي للحركة، سيما وأن مقاطعتها السابقة لانتخابات عام 1996 المنطلق من رفضها أساسا لمؤسسات السلطة الفلسطينية المنبثقة أساسا من اتفاقيات اوسلو مع الإسرائيليين، وهو ما لم يتغير للآن، ورغم مشروعية هذه الاستفسارات وكثرتها إلا أنها لم تمنع الفلسطينيين من دفع الحركة للسيطرة على أغلب مقاعد المجلس التشريعي في انتخابات شارك فيها نحو مليون وثلاثمائة ناخب فلسطيني، لاختيار 132 نائبا من بين 414 مرشحا عن الدوائر و11 قائمة انتخابية·
ومن أجل هذه الانعطافة التاريخية في فكر الحركة، سعت في حماس إلى جذب كل السبل لتحقيق النصر في مواجهة القوى الأخرى على الساحة السياسية الفلسطينية وأهمها فتح، بطريقة لا تظهر خلالها متراجعة عن فكرها، فأعلنت عن 'عدم تخليها عن خيار المقاومة'، وسعت في ذلك إلى اختيار رموز تؤكد على استمرار نهجها، فكانت 'مريم فرحات' احد أقوى مرشحيها في القائمة التي ضمت احدى عشرة امرأة بجانبها· وبالرغم من أنها لم تكن لديها رغبة الانضمام في الانتخابات أو دخول المعترك السياسي، ولكنها اقتنعت أن هذا -كما تقول- فخر جهادي، وأنه عليها أن تكمل واجبها الاجتماعي والسياسي·
صحيح أن 'مريم' بما تطرحه من نموذج المرأة الفلسطينية القوية والناشطة الاجتماعية المتدينة قدمت دفعة لنجاح حماس في الانتخابات، كونها من الشخصيات المعروفة سابقا على نطاق واسع، غير أنها قدمت كذلك امتدادا - وهذا الأهم- لفكر حماس ومشروعه الجهادي المتمثل بمقاومة الاحتلال، بل أنها وكما كانت تصر في كل المقابلات التي أجرتها، أن مفهوم السلام لديها يعني 'تحرير كل فلسطين من الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط'، وأن من يريد أن يعيش من اليهود في فلسطين يجب أن يخضع تحت راية الدولة الإسلامية، وهو المبدأ الرئيسي والأول في ما تطلق عليه حماس برنامجا سياسيا، كما أنها لم تتردد في الإعلان خلال حملتها الانتخابية -كما ذكرت وسائل الإعلام- عن سعيها والحركة 'بسن قانون لفرض الحجاب على المرأة بما في ذلك طالبات الجامعات لأنه سيعطيهن مظهرا أفضل'!
لهذا التوجه كثفت الحركة من تواجد 'مريم فرحات' على الساحة ومشاركتها في الندوات والمؤتمرات وورش العمل، وإبرازها كوجه نسائي يستحق أن يمثل أغلب الفلسطينيات، وهو ما نجحت المرشحة في تنفيذه وبمهارة قد تفوقت على مثيلاتها من المرشحات الأخريات -ثمانين امرأة- سواء داخل الحركة أو في باقي الأطياف السياسية الفلسطينية، سيما بعد أن الزم القانون الانتخابي مشاركة فاعلة للمرأة في كل القوائم الانتخابية للانتخابات التشريعية ليصل عدد النسوة المشاركات في المجلس المقبل إلى ثلاث عشرة امرأة مقابل خمس فقط في المجلس السابق·
قد تكون حركة المقاومة الإسلامية 'حماس' قد نجحت في تجاوز نقطة تمثيل النساء في قوائمها، بل قد تكون أكثر التنظيمات المشاركة في الانتخابات تقديما للوجوه النسائية، وذلك في رد على متهميها بتهميش المرأة في برنامجها السياسي، غير أن ما عليها تجاوزه أكبر بكثير، فشعار 'التغيير والإصلاح' الذي رفعته حماس وسمت به قائمتها، لا يعني فقط نقلة نوعية في تعاملها مع المرأة، بل وتعاملها مع ملفات أكثر خطورة يعتبرها الأغلب بمثابة شرايين رئيسية في جسد السلطة الفلسطينية الذي ستمثله، فهل ستقدم حماس شرايين سلطتها المقبلة قربانا لفكرها المعلن كما قدمت 'مريم' أبنائها الثلاثة؟! أم أن طرح الشراكة السياسية واليد الممدودة المعلنة من قادة حماس دليلا زمن قرابين الأفراد قد انتهى، وأن وقت قرابين الأفكار قد حان؟!
Als_almenhaly@emi.ae

اقرأ أيضا

التغيرات المناخية تهيمن على انتخابات سويسرا