الاتحاد

عربي ودولي

الإسلاميون والانتخابات العربية والقوى المنافسة

محمد أبوالفضل:
كلما فتحت صناديق الاقتراع أمام الناخبين تقدم الاسلاميون ، أصبحت هذه العبارة قاسما مشتركا في كل الجولات الانتخابية التي جرت في كثير من الدول العربية في السنوات الأخيرة وبمستوياتها المختلفة ،ولعل أحدث تجليات هذه النتيجة ظهرت في فلسطين قبل أيام وفي مصر قبل أسابيع، وهو ما طرح تساؤلات وتوقعات وتخمينات متعددة، فما هي الأسباب الحقيقية التي أفضت لذلك؟، وما هي دوافع حرص التيارات الاسلامية على المشاركة في العملية الانتخابية بفاعلية؟، ولماذا تتراجع أدوار القوى الليبرالية واليسارية ؟، وكيف تساهم التوجهات الخارجية وحساباتها حيال التطورات الداخلية في خلق اشكاليات صعبة للاصلاح السياسى وتوابعه؟، وهل يمكن أن يتكيف الاسلاميون مع المعادلات السياسية التي تفرض عليهم توازنات محددة وواضحة ؟،والى أي درجة يمكن تحقيق نجاحات في صفوف الحكم أو المعارضة ، في ظل أجواء اقليمية وعالمية متقلبة ؟، وما هى انعكاسات وتداعيات صعود الظاهرة الاسلامية في بعض الدول العربية على عدد من القضايا السياسية فى المنطقة، على ضوء التعقيدات الراهنة في جملة من الملفات المطروحة ؟·
الحاصل أن هناك عوامل مختلفة لعبت دورا رئيسيا فى النجاحات المتفاوتة التى حققها الاسلاميون، فى فلسطين ومصر والأدرن والبحرين والمغرب ، فضلا عن تركيا وباكستان، فى مقدمتها ضرورة النظر الى تنامي التيارات الاسلامية وانتشارها بأطيافها ضمن السياق العام الدولى لصعود الظاهر الدينية بعقائدها المتباينة ، فقد شهدت كثير من الدول الغربية تركيزا عليها وبدأت الاتجاهات الرئيسية تتبنى بعضا من مفرداتها في خطابها السياسي ، لأسباب اجتماعية ونفسية وثقافية، وكان لابد أن تكون لهذه التوجهات انعكاسات فى المنطقة العربية، كما أن اخفاق كثير من الحكومات في تلبية رغبات مواطنيها ساهم في زيادة التأييد لمعارضيها الذين اقتربوا من آداء المهام التى عجزت الدول عن الوفاء بها، خاصة أن الاتهامات بالفساد والانفلات الوظيفي ساعدا على زيادة جرعات الغضب من الحكومات،التى فشلت غالبيتها فى الوفاء بالاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية، فكان الاسلام ومن رفعوا شعاراته ملاذا أساسيا وتحول التصويت الانتخابي الى استفتاء عقابي ·
دوافع ··ومبررات
جـاء حرص التيارات الاسلامية على المشاركة السياسية باهتمام وفاعلية مدفوعا بمجموعة من المبررات ، أولها تهميشها فى دول كثيرة ولفترات طويلة ، بل واستهداف رموزها من جانب بعض الحكومات ، من خلال حملات الاعتقال والتطويق والتضييق والحصار السياسى والثقافي والاجتماعي، وثانيها الرياح التي حملها المناخ العام المتزايد للاصلاح السياسي الداخلى والميل نحو الأخذ بمبادئ التعددية والأدبيات الديمقراطية ، جعلت من الصعوبة تجاهلها في وقت تم السماح فيه لتيارات أخرى كانت محرومة من ممارسة حقوقها السياسية،وتعتبر المشاركة المدخل الشرعي الوحيد للانتشار والمنافسة والتفوق للوصول الى أهدافها الحقيقية فى الحكم أو الاقتراب من السلطة عبر منافذها المختلفة، ورابعها محاولة النأى أو التفرقة بينها والقوى الاسلامية المتشددة التي أثارت تصرفاتها غضب كثير من الدوائر السياسية الاقليمية والدولية والمحلية، عقب وصول عملياتها الى المدنيين والمواطنين، وهذا الابتعاد يوفر فرصة للتأكيد ان هناك معتدلين ذوي وجوه حضارية يلفظون العنف وأساليبه التي لا تستند لمبررات وطنية،ومن هذه الزاوية يمكن الاشارة لامكانية التأقلم مع الحداثة وامكانياتها ·
واللافت للانتباه أن أحد أهم عوامل الصعود الاسلامي يكمن فى ضعف القوى الليبرالية واليسارية التي من المفترض أن تكون منافسا كبيرا في الحلبة السياسية ، وقد شغلت بعض الحكومات العربية باضعاف معارضيها لقطع الطريق عليها والحد من سقف تطلعاتها ، باستخدام أدوات الاستقطاب والاغراء والاقصاء والتهميش، لذلك لم تظهر قوى جديدة تتواءم مع المستجدات ولديها مكونات صامدة تجعلها أرقاما مهمة فى التوازنات السياسية ، وحتى النخب القديمة آثر معظمها الانزواء ، فبدت الساحة مفتوحة أمام الاسلاميين وجرى استغلال ما يملكونه من أدوات تنظيمية محكمة ، وفي الوقت الذي تنامت فيه حركات يسارية وليبرالية من أقصى الشرق والغرب بدت المنطقة العربية متخلفة عن اللحاق بهذا الركب ، وتم تطبيق أو الأخذ بالمناهج السياسية والاقتصادية الليبرالية بطريقة عشوائية ،فبدلا عن اقناع المواطنين بجدواها تأكد عدد كبير من عشوائيتها ، بسبب بعض التصرفات الخاطئة · والمفارقة أن التركيز الغربي على الاصلاح السياسي في المنطقة العربية استفادت منه التيارات الاسلامية أكثر من غيرها ، بعد أن دفعت ضغوطه عدة حكومات لفتح نوافذ وأبواب سياسية للقوى الوطنية، دون الاستعداد لتهيئة التربة للتعددية واطلاق حرية على أسس وقواعد منظمة أو محكمة، حتى لا تضر بالأحزاب المهيمنة على السلطة ، واكتشف المواطنون درجة عالية من درجات الازدواجية فى الضغوط الخارجية والدفاع عن المصالح الاستراتيجية ، مما أظهر عمق التناقضات الغربية،فصوت الناخبون للمعارضة اعتقادا منهم فى أن الازدواجية أتت جراء التقاطع بين المصالح والرغبات الانسانية ، وفي حالة حركة حماس لايمكن تجاهل أن الضغوط الامريكية والأوروبية ( علاوة على الاسرائيلية) عززت بقوة فوز حماس الكاسح ، من هنا ذهب بعض المراقبين الى أن هناك أهدافا كبيرة من وراء هذه النتيجـة، فالدوائر الغربية مارست ضغوطها على حماس وهي مدركة أن هذا الاتجاه يعمل لصالح تثبيت حضورها ،وبالتالي ثمة خلفيات غامضة في المشهد الاسلامي والموقف الغربي من صعوده بانتظار أن تفك الأحداث والتطوارت جزءا من شفراتها السياسية ·
اختبارات·· وتحديات
الواقع أن هناك اعتقادا جازما بأن التيارات الاسلامية سوف تفشل عند أول اختبار أو محك جاد في السلطة ، ودلل البعض على حالة السودان، لكن هذا التحليل يتجاهل بعض العوامل، أبرزها حدوث تطور ظاهر في الخطاب الاسلامي نحو التكيف مع العصر والتزاماته، وقد انخرطت كثير من الحركات الاسلامية في العملية السياسية بكل مراحلها، وتخلت قوى مختلفة عن بعض الثوابت المزعجة للآخر أو محاولة عدم التعرض لها، منها خلو برنامج حماس الانتخابى من عبارة 'تدمير اسرائيل 'الأمر الذى اعتبره البعض إشارة لعدم استبعاد ادخال تعديلات على ثوابتها بالاضافة الى مرونة اسماعيل هنية إزاء بعض القضايا السياسية، ناهيك عن ديناميكية تقويم بعض القضايا الخلافية، مثل موقف مهدي عاكف مرشد الاخوان المسلمين فى مصر من ملفات الأقباط والمرأة، وهما من القضايا التي يسعى الاخوان لتقديم مقاربات جديدة حولها أقل صخبا ·
ويحـلو لكثير من المراقبين خلع ثوب أو نقل تجربة حزب العدالة والتمية في تركيا الى المنطقة العربية ، غير أن الامعان فيها يكشف عن وجود نقاط خلافية ، سياسية وثقافية واجتماعية وتاريخية ، تجعل من انسحابها إلينا مسألة غاية في الصعوبة والحساسية ، ومع ذلك أصبحت دوائر كثيرة على درجة من المرونة للتفاهم حول آليات التعامل مع التيارات الاسلامية ، ففي المعارضة نلاحظ أن كل او غالبية القوى المصرية لا تنكر حق الاخوان المسلمين فى النشاط السياسي المعلن وتحض على الاعتراف بها رسميا ، كما دخلت الجماعة ضمن تحالف حزبي واسع تحت مسمى ' الجبهة الوطنية للتغيير ' ، وفي الحكم لم يتم اختبار التيارات الاسلامية عمليا، باستثناء تجربة السودان التى لها خصوصية ، حيث صعدت الحركة الاسلامية على أسنة الرماح، لذلك تواجه عثرات ، بل يمكن القول إن مشروعها فشل فى السودان ، لأسباب ليس هنا مجال للحديث عنها، وبرأي بعض الخبراء أن تجارب الاسلاميين في العمل الدعوي والمؤسساتي والاجتماعي الناجحة يصعب القياس عليها في ادارة الدولة، لكن الأخيرة لها التزامات وواجبات واستحقاقات قد تضطر القائمين عليها وضع تصورات واتخاذ سياسات تبدو مخالفة للثوابت ، ومن ثم ستكون مشاركة حماس في السلطة اختبارا لها أولا ، وامتحانا لكل الاسلاميين القريبين منها ثانيا · وعلى ضوء المعطيات والاستنتاجات السابقة، هناك حزمة من التداعيات الايجابية على بعض القضايا السياسية، سوف يقود إليها الصعود الواضح للظاهرة الاسلامية وأحدث صورها تتمثل في حماس، فربما تكون الحركة التي حظيت بثقة غالبية الشعب الفلسطيني حافزا لتحريك قطار التسوية السياسية، لأن استمرار تجمدها يفضي لمزيد من تدعيم وجود حماس وتمسكها بخيار المقاومة المسلحة، ويؤدي فتح طاقة لأفق سياسي موات الى ابتعادها عن هذا الخيار ، كما أن المشاركة ونتائجها الايجابية تعتبر منطلقا لتوسيع نطاقها لتشمل قوى محسوبة على تيار المتشددين الاسلاميين ، والنتيجة الأهم دفع الحكومات للاصلاح الشامل باعتباره الخيار الأكثر ضمانة لظهور أحزاب قادرة على منافسة التيارات الاسلامية التي استفادت من التجريف السياسي الذي حدث طوال عقود طويلة ·

اقرأ أيضا

اتفاق بين الأكراد ودمشق يقضي بانتشار الجيش السوري على الحدود مع تركيا