الاتحاد

دنيا

خزيمة علواني: الإنسان العربي حصان جريح


دمشق ـ فاطمة شعبان:
منذ فترة طويلة لم يخرج الفنان التشكيلي السوري خزيمة علواني عن عوالمه المعتادة، والتي باتت تشكل بصمته الفنية· فعلواني يتناول في لوحاته الموضوعات والرموز المتداخلة، الحصان العربي الأصيل، طبيعة صامتة، وحرائق مشتعلة، حمامة سلام جريحة، طيور جارحة وشخصيات إنسانية، بحالاتهم الفجائعية وألوانهم وأشكالهم الغرائبية التي يتداخل فيها الشكل الإنساني بالشكل الحيواني في أجواء أسطورية سريالية، برؤية فنية جديدة للتعبير عن الشر والهمجية والقتل والوحشية، والحالة المزرية التي وصل إليها الإنسان والبشرية في هذا العالم المتوحش· حول علاقته مع الفن كان لنا معه الحوار التالي:
؟ من أين تستقي رؤيتك الفنية؟
؟؟ استقيتها من مصادر متنوعة، من الحضارات الشرقية القديمة، بابلية، آشورية، مصرية، ومن التراث العربي الإسلامي، كل أعمالي فيها شيء أو رمز من هذا التراث الحضاري العريق، أختام أسطوانية، اللبوة الجريحة، الحمامة، الحصان العربي، ومن الفنون الغربية أيضاً· أنا ولدت عام 1934 وقد عاصرت فنانين غربيين كبار أمثال بيكاسو، أحببت فنهم وأحببت أعمالهم، واعتبرهم أساتذتي، ولكنني أردت تطوير تقنياتي الفنية، لا يكفي الفنان أن يحصل على شهادات فنية عليا من أكاديميات باريس وروما حتى يصبح في القمة· وخلال بحثي عن تقنيات فنية جديدة في أوروبا اكتشفت أن معظم تراثنا الحضاري والفني، ويمكنني القول أهمه وأغناه، موجود هناك في متاحف أوروبا·
؟ هل يعني هذا أنك مع الدعوة للعودة إلى التراث كمصدر من مصادر الرؤية الفنية لأي فنان عربي؟
؟؟ عودة الفنان إلى تراثه الحضاري والفني والبحث فيه، هو عودة إلى الهوية والأصالة· الفنان العربي يعيش اليوم قلق الهوية، يعيش الغزو الثقافي وصراع الحداثة مع الأصالة، وهو صراع قوي ومستمر· الفن له علاقة بكل شيء في الحياة، له علاقة بالفكر والسياسة ومشكلات الشعوب والهوية، ربما لا يفكر الفنان للوهلة الأولى بهذه الأمور ولكنه يجد نفسه معنياً بها، ويصبح هاجسه وواجبه، ووظيفة فنه البحث عن هويته وأصالته وتراثه للوقوف في وجه الغزو الثقافي·
الحمامة والحصان
؟ هل يعتبر تواجد الحصان العربي في معظم لوحاتك تعبير عن الهوية والأصالة؟
؟؟ نعم، وتعبير عن نفسي أيضاً، عندما أرسم الحصان، أرسم نفسي· ولكنني أحاول دائماً أن يكون هناك شمولية أكبر، بمعنى أن الحصان لا يعبر عني شخصياً وإنما عن الإنسان في كل العالم وعن حالنا كشعوب عربية· أرسم حالات الألم التي يعانيها الحصان العربي الجريح من كثرة وشدة الطعنات التي توجه له، وتنغرز في جسده، وتحاول القضاء عليه دائماً، ولكنها لا تستطيع أن تقتله أو تسقطه أرضاً· الحصان بالنسبة لنا كعرب رمز عظيم من رموز العروبة، وهو جميل بكل أشكاله عند الرسم، وعندما أرسم حركاته أرسمها كحركات الإنسان، عندما يتألم، وعندما يحاول النهوض، الحصان العربي يعبر عن أفكار الإنسان العربي· وأختار الألوان المعبرة حسب الحالة التي يمر بها الحصان، أو حسب التجربة والحالة التي أمر بها أنا، أو حسب الأفكار الجديدة التي أريد أن أعبر عنها في اللوحة·
؟ في مراحل فنية سابقة تواجدت الطيور الجارحة بكثرة في لوحاتك، والحمامة رمز السلام إما قتيلة أو جريحة، اليوم نجد بعض الطيور الجميلة والفرحة تلون لوحاتك، هل هي تعبير عن مرحلة فنية جديدة؟
؟؟ بالنسبة للحمامة، أنا لا أرسمها بالشكل والمعنى التقليدي التي رسمها فيه بيكاسو والكثير من الفنانين غيره، لأن الحمامة عندنا نحن العرب لها علاقة بالثقافة والعروبة والموروث الديني، وكلنا نعرف قصة حمامة غار حراء مع النبي(ص)، وهي بهذا المعنى رمز كبير في تاريخنا مثلها مثل الحصان· أما اللوحات الأخيرة التي تمثل الطيور في حالات تحليق متعددة، فهي تعبير عن الحرية، تعبير عن لحظات أشعر فيها إنني أحلق وأطير بحرية مثل هذه الطيور·
؟ ما الانفعالات التي يثيرها سطح اللوحة الأبيض عندما تراه لأول وهلة؟
؟؟ يثير لدي مشاعر المجابهة والتحدي، أشعر أن سطح اللوحة يتحداني، أضربه ضربة تحد بالفرشاة، وهو بالمقابل يتحداني كأنه يريد أن يرد علي بشيء معين، ويصبح هناك أخذ ورد بيني وبينه، وكأن هناك صراع بين قوى متضادة، يصل في نهايته إلى نقطة الصفر، أي إلى التوازن المطلق في اللوحة·
بين عالمين
؟ منذ سنوات تقضي وقتك بين سوريا وبلجيكا، برأيك ما أهمية انتقال الفنان من إطار المحلية إلى إطار العالمية؟
؟؟ تكمن الأهمية في الاطلاع، هناك فرق بين فنان رأى خلال حياته الفنية مائة أو ألف لوحة لفنانين مهمين ولكن محليين، وفنان رأى أكثر من عشرة آلاف عمل فني من مختلف أنحاء العالم لفنانين عالميين، خبرته البصرية تختلف، ولأن الفن قبل كل شيء خبرة بصرية فإن تراكمها ضروري جداً للفنان، طبيعة اللون تختلف مع ازدياد خبرته البصرية، لا يمكن أن يكون هناك فن بدون اطلاع مستمر على فنون الآخرين· الموهبة الفنية لا تكفي لإنجاز فن مهم، ناهيك عن تراكم الفكر وتطوره، الاحتكاك مع الفنانين والفئات الفكرية والثقافية، والاطلاع على النقاشات الفكرية والثقافية الدائرة هناك، والمشاركة في النشاطات الاجتماعية والسياسية، كل هذه الأمور تطور مدارك الفنان ووعيه وطريقة تفكيره·
؟ وهل تختلف القضايا التي يتناولها الفنان بحيث تصبح القضايا العالمية هاجسه مثل قضاياه الوطنية؟
؟؟ اليوم أصبح هناك تداخل في القضايا، ولا يمكن فصل القضايا المحلية والقومية عن القضايا العالمية، قضايا البشر واحدة، ومصائرهم ومصير الكرة الأرضية واحد إذا تهددها أي خطر· وأي خطر يهدد العالم يهدد المواطن العربي مثلما يهدد أي مواطن في فرنسا أو الهند أو أميركا، مصائبنا ومشكلاتنا أصبحت واحدة وشاملة· التهديد النووي كان وما زال يهدد البشرية والعالم كله· العولمة اليوم تهدد وتستهدف الجميع، لذلك لا يمكنني الفصل بين القضايا العربية والقضايا العالمية التي أتناولها في أعمالي لأنها متشابكة ومتداخلة·
لوحة إرهابية
؟ أضحت قضية الإرهاب قضية عالمية، برأيك كيف يرد الفنان على كل أنواع الإرهاب الذي يمارس اليوم؟
؟؟ يرد بلوحة إرهابية، لا يستطيع الفنان أن يرد على الإرهاب إلا بلوحة إرهابية ترهب أعداء الإنسانية عند رؤيتها· لو أن كل فنان في العالم اشتغل لوحة بالمستوى الفني والفكري والثقافي للوحة بيكاسو 'غيرنيكا'، بالتأكيد سيرهبون كل أعداء الإنسانية· القوة الغاشمة عدوها ما تمتلكه الشعوب من فن وثقافة وحضارة وليس ما تملكه من أسلحة، لأنها تستطيع أن تقضي عليها بأسلحة أكثر تطوراً، ولكنها لن تستطيع القضاء على الحضارة والثقافة والفن·
؟ استطاع بيكاسو تخليد قرية غيرنيكا الإسبانية بلوحة فنية، أظهر فيها فظاعة ووحشية المجزرة التي حدثت فيها، وأدان من خلالها الفاشية وزعماء الحروب، وأرهبهم كما تقول، أين الفنان العربي من كل المجازر التي حدثت وما تزال تحدث في المنطقة العربية؟
؟؟ في تاريخنا العربي الكثير من المجازر التي تعادل بفظاعتها ما حدث في غيرنيكا وربما أشد وحشية، لذلك قمت بإعادة تشكيل غيرنيكا ثمان مرات، لأن كل مجزرة تحدث كانت تذكرني بغيرنيكا، وكل غيرنيكا قمت بإعادة تشكيلها تعبر عن حدث بفظاعة غيرنيكا الإسبانية· لقد تحولت المجازر اليوم إلى ما يشبه الموضة في العالم·

اقرأ أيضا