الاتحاد

دنيا

أحلام منسية مجموعة قصصية أبطالها من ذوي الاحتياجات الخاصة


تأخذنا هذه المجموعة القصصية 'أحلام منسية' للكاتب عمار علي حسن شيئا فشيئا كغاف سافرت به غفوته في لمحة إلى حلم جميل نحو عالم من 'المليودراما' ذات الشجن الدافئ المبتل بالدموع والتنهدات والزفرات والحسرات على حب تقوض أو أمل ولى أو أمنية صارت كهشيم تذروه الرياح، فلقد كذبت وشاية العنوان، ولكن·· أي كذب؟! إنه الكذب الجميل الموظف الذي تختلط المفارقة فيه بالتورية بلاغيا في سيل جميل أسس به 'القاص' إبداعه بدءا من الغلاف·
وتحتضن المجموعة بين دفتيها تشريحا أدبيا ملفتا لشريحة من المجتمع لها وجودها وتعاملها معنا، ولها آلامها ورؤاها وغير ذلك مما نظر إليه الآخرون نظرة غير سوية رغم اعتقادهم الراسخ بأن هذه الشريحة هي غير السوية دون باقي الناس، وذلك لخطأ التشخيص الاجتماعي وليس الطبي، وعقم البحث، وسوء الإدراك، وهذه الشريحة التي أتحدث عنها والتي تناولتها هذه المجموعة تضم المرضى النفسيين والعصبيين، وإن كان الكاتب يطلق عليهم في مقدمته التي أخذت شكل الإهداء 'المضطربين' محاولا إبرام مصالحة بينهم وبين خصومهم من جمهور الناس، وأيضا مصححا لمفاهيم مغلوطة رسخت وضربت جذورها في أعماق الطرف الثاني للمصالحة، مصيبا بذلك هدفين بحجر واحد، وكذلك أصنافا من الذين احتلهم الشقاء لكونهم بشرا وما هيأته لهم هذه الكينونة من نوازل وداهيات، نسميها نحن أمراضا، مثل 'المتوحدين' وكذلك الذين يعانون من أعراض نفسية جسيمة أو 'سيكوسوماتية'، وهؤلاء يقول عنهم المؤلف في نسق شعري جميل وعميق إنهم 'يتصيدون أحلامهم البسيطة خارج هذا العالم القاسي، وينشدون الأمل والاعتراف، وكذلك يرون أن لهم الحق في السعادة، ويرى بعض من يصفون أنفسهم بالأسوياء أنهم معوقون يستحقون الشفقة، ويؤكد المتصالحون مع أنفسهم أن وجودهم معنا يجعلنا نفهم حقائق أكثر عن العالم والبشر، وأن أيا منا معرض لأن ينضم يوما إلى قافلتهم البريئة هاربا إلى كنفهم فوق أجنحة الأحلام، من مطاردة عالم يتوحش'·
عندما نصيد الفراغ
وتبدأ أولى قصص هذه المجموعة بـ 'صائد الفراغ' التي يعلوها نص هو مثل صيني يقول: 'أخبرني سأنسى- أرني فقد أتذكر- أشركني سأعي وأفهم'·· وهذه اللوحة الملونة المتضمنة تتكرر في كل قصص 'أحلام منسية' وقد جاءت مثل كشافات المسرح 'البريجيكتورز' التي تضفي ظلا وألوانا على الشخوص، توظف لخدمة المتلقي وتعميق فكره وإثراء خياله بما يرى أو يقرأ كما في 'أحلام منسية'·
وتصور القصة الأولى حالة شاب مريض بالصرع وذلك من خلال 'منولوج داخلي' يصنعه الكاتب ببراعة تتجلى في كل من السرد والحوار اللذين اختلط كلاهما بالآخر لينتجا الصياغة التي سوف تلمحها عين القارئ المتفحص والموظفة لخدمة النص أولا وأخيرا·
وفي القصة التالية'لوعة الغياب' وبعد 'البريجيكتور' الذي هو أسطر من قصيدة 'شجر الليل' لصلاح عبد الصبور تحتوينا مأساة 'عبير' المعاقة ذهنيا، بفعل خليط ممتزج ومركب من إرادة القدر وزواج الأقارب والإنجاب المتأخر·
أما في قصة 'مات وهو مفتوح العينين' فقد جمع الكاتب بين مسائل أربع هي الشخصية المرحلية للأطفال الذين يولدون وهم معاقون ذهنيا ثم ما ينشأ عن التناقض بين عافيتهم الجسدية الملحوظة وتراجعهم الذهني من مشكلات ومآس، ثم حاجة الأسر في ريف مصر لرجل حتى ولو كان معاقا ذهنيا سيما البنات· ولا انس ذلك التضمين في مستهل القصة من مسرحية 'أوديبوس' لـ 'سوفوكليس' الذي يقول: 'مثل هذا الموت كسب·· أجل كسب بالتأكيد لامرئ غمرته المتاعب على هذا النحو، ومن ثم بوسعي أن أمضي للقاء نهايتي دون مسحة من ألم'·
وفي قصة 'ألحان مجنحة' يعالج القاص في سبيكة درامية ما يسمى طبيا بـ' الهايبر أكتف' أو 'النشاط الحركي المفرط' عن الأطفال، فيسرد أعراضه ومضاعفاته ومزاياه·· نعم مزاياه ولا تتعجبوا، فإنه مع اضطراد الكبر يتحول هذا المرض إلى دقة وحذق تحتاجهما مهن مرموقة ومربحة مثل الأدب والفن والتجارة·
متوحدون
ومن خلال مجموعة من 'السونيتات' القصيرة مهد لها الكاتب بنص من أحد الأبحاث الطبية للدكتور 'فاليانور راما شاندران' مدير مركز الدماغ بجامعة 'سان دييجو' يوغل الكاتب في شخصية الأطفال، أولئك الذين يطلق عليهم طبيا اصطلاح 'المتوحدين' وأيضا في حياتهم، وفي أعراض ما هم مصابون به من تكوين خلقي، ولا أقول- وهذه هي الحقيقة- تكوين مرضي، في صوغ من الحكي يتخلل بعضه حوارات قليلة، وتأتي نهاية 'السونيتا الأخيرة' موحية ذات دلالات رمزية رائعة مثل لحن أخير عزفته أجنحة اليمام وأعينها ومناقيرها، كمختتم لسيمفونية مختلفة هي قصة العالم الرابع·
أما قصة 'همس خفي' فإن القارئ يجد فيها دون عناء معالجة أدبية لسيكولوجية ذوي العاهات من خلال شخص فقد إحدى عينيه، وحقا فكما قال 'أمل دنقل' في رائعته 'لو تصالح' في الأسطر التي صنع منها الكاتب 'بريجيكتور' هذه القصة، فإن هناك أشياء غالية وأثمن بكثير من الياقوت والزمرد واللؤلؤ وكل جواهر الدنيا مما زخرت به بطون الأرض وأعماق البحار ألا وإن ما أعنيه هو العينان!·
ويتوقف بنا الكاتب في محطة واحة ظليلة لكي نستريح وندع جادة التفكير والبحث فينا تلتقط قليلا أنفاسها فيحدثنا في قصة طريفة عن أحاسيس متخيلة لما يذبح أو يرمى بالسهام ثم يؤكل بعد أن يشوى أو يسلق مذكرا إيانا ب 'الباتشاتانترا' الهندية التي أخذ عنها 'ابن المقفع' تحفته كليلة ودمنة'·
عين الحسود
ثم ينحو الكاتب لظاهرة الاعتقاد في الحسد 'والعين التي تصيب فما تخيب' وهو مرض نفسي جمعي أو خرافة سائدة في مجتمع مثل أي مجتمع شرقي نام أو نائم، وذلك في قصة 'عين صفراء' ثم إذا هو ينتقل بنا إلى واحة أخرى كان من الأحرى والأجمل أن تأتي مسكا للختام·
وتأتي قصة 'وجع جميل' لتشكل ترنيمة صوفية تذكرك بـ 'ابن الفارض' و'ابن عربي' و'الخيام' ويكفي أن أشير إلى هذه المقطوعة الرمزية الطللية التي جاءت في ثناياها آخر حوارات هذه القصة 'عيونها كصباح الربيع، رموشها سنابل ترفرف فوق جداول من نبيذ، حاجباها خطان يمتدان من مخدعها إلى نهاية أحلامي وغربتي'·
وفي قصة 'الرقصة الأخيرة' نجد لونا من أدب الحرب المكثف، والذي يتضمن استيطانا جيدا لنفسية الجندي في أشد ظروف القتال وأكثرها تأزما وقتامة·
ثم يختتم الكاتب مجموعته بقصة 'أنفاق طويلة' تفضي بنا إلى التوغل في معالجة شخصية ذات مصابة بـ 'الاكتئاب' وهو أشد أمراض الإنسان فتكا به، وإن كان ثمة اعتراضا لي على الحوار فيها من حيث كمه وكيفه بالنسبة لقصة قصيرة حديثة، فإن ذلك لا يقلل من أن 'أحلام منسية' عمل جيد·
وهذه المجموعة واحدة من أعمال عمار علي حسن الأدبية، وهي 'عرب العطيات' و'حكاية شمردل' و'جدران المدى'··· فضلا عن كتب أخرى في السياسة والدين، مثل 'النص والسلطة والمجتمع: القيم السياسية في الرواية العربية' و'الصوفية والسياسة في مصر' و'ممرات غير آمنة: تهديد الراديكاليين الإسلاميين لوسائط نقل الطاقة'، و'التحديث وتفكيك البنى الاجتماعية التقليدية' و'وزارة العدل المصرية··· سيرة مؤسسية' و'التكافؤ الاقتصادي والديمقراطية' و'الفريضة الواجبة: الإسلاميون والإصلاح في مصر'·

اقرأ أيضا