الاتحاد

دنيا

هوجو لوتشر: محفوظ وراء عالمية الأدب العربي

القاهرة- حمدي أبوجليل:
زار القاهرة مؤخرا الروائي السويسري هوجو لوتشر بدعوة من المؤسسة الثقافية السويسرية 'بروهلفتسيا' للمشاركة في مشروعها الثقافي 'قنطرة' الذي يسعى لإحياء دور الادب والادباء في التواصل بين الشعوب والثقافات، وهوجو لوتشر، المولود في زيورخ عام ،1929 يعد الكاتب السويسري الاوسع انتشارا والأكثر ذيوعا في العالم بعد دورنمات وماكس فريش، واعماله القصصية والروائية تتميز بروح السخرية والدعابة ونزعة كونية تسعى للغة مستديرة يفهمها الانسان في كل زمان ومكان، والى جانب الادب يعمل هوجو لوتشر في الصحافة، وله تحقيقات ساخنة في انتقاد السياسات الغربية وهو من ابرز الكتاب الغربيين المهتمين بالثقافة العربية، واطلع على جانب من التراث العربي من خلال ترجمة 'الف ليلة وليلة وكليلة ودمنة'، وقرأ ترجمات أعمال أدباء عرب معاصرين، كما انه من المتابعين والمحللين لقضية رواج الادب العربي في اوروبا، وزيارته للقاهرة قوبلت بحفاوة كبيرة من الادباء المصريين وعلى رأسهم نجيب محفوظ الذي استضافه في بيته، وازدحمت الزيارة ببرنامج ثقافي حافل بالحوارات والزيارات واللقاءات·
زيارة هوجو لتوتشر مرت بالرحلة التي أصبحت تقليدا معروفا لزيارات مشاهير الأدباء للقاهرة، وبدأت بجلسة ودودة مع نجيب محفوظ، ثم مرت على الآثار السلامية، ثم صعدت للآثار الفرعونية عند الاهرامات وأبوالهول، وانتهت بمدينة الأقصر حيث اكبر متحف للآثار في العالم، وحيث اللقاء مع أدباء الأقصر والصعيد في صحبة الروائي جمال الغيطاني· وقبله اصطحبه جمال الغيطاني و د0 هبة شريف مديرة المؤسسة الثقافية السويسرية 'بروهلفتسيا' في لقائين أدبيين، الأول في صحيفة 'إخبار الأدب' القاهرية وحضره عدد من الأدباء المصريين منهم القاص د· محمد المخزنجي والروائي محمود الورداني، والثاني استضافه النادي اليوناني بالقاهرة وحضره العديد من المثقفين المصريين، وفي اللقائين تحدث هوجو لوتشر عن تجربته والهوية السويسرية وخبرته بالأدب والثقافة العربية·
الهوية
هوجو لوتشر بدأ بنفسه وقال: انا سويسري الماني، ونشأت في اسرة غير ادبية، وفي الرابعة عشرة من عمري قررت ان اكون كاتبا، وبدأت اسعى للتعرف على كل شيء تتم كتابته في العالم، وأعجبت بأعمال سارتر وكامي وكافكا وبورخيس وتأثرت بها، وسافرت الى فرنسا والمانيا لمعرفة انسان وثقافات ما وراء الحدود فأنا مهموم بالانسان في أي مكان، ولا يشغلني الانتماء او البحث عن هوية محددة، فالهوية في الأصل لفظة انجليزية تعني 'التطابق'، ومعناها ان يتطابق كل الناس في نسخ مكررة، وهذا ليس جيدا إطلاقا، وأنا انفر منه، فأنا لا احب الانغلاق والتعصب لهوية محددة، واحب ان تكون الامور في نطاق تجريبي، لا آخذ الافكار على اطلاقها، ولكني ابحث دائما عن منظور ذاتي يمكن من خلاله تناول الأفكار·
واضاف: انا من الادباء الذين ظهروا بعد الحرب العالمية الثانية، واعتبر من عشاق التنقل والسفر، واكتشفت نفسي من خلال الأسفار، ولكني دائما كنت أضع فكرة أنني من زيورخ في دماغي، أثناء الكتابة، وأثناء السفر، وأسعى لاكتشاف الأماكن من عيون الآخرين، وأكتب بلغة تمزج بين النخبة والعامة، وكنت اعتبر ذلك يخص فقط الكتاب السويسريين الألمان حيث ان هناك لغة للتعامل الرسمي ولهجة عامية للتواصل المباشر بين الناس، وحينما زرت القاهرة لأول مرة قبل حوالي خمسة عشر عاما أوضحت في لقاء ثقافي الموقف اللغوي في سويسرا الألمانية، وقلت إننا نكتب لغة نخبة، لكننا نتخاطب فيما بيننا بعدد من اللهجات، رد علي أحد الأدباء الشباب وقال إن العالم العربي يعاني هذه المشكلة أيضاً، ودائما أقول لمن ينتقدني انه إذا ظل المرء في سويسرا فسيرى في هذا مشكلة لغوية عويصة تخصنا وحدنا، أما إذا احتك بثقافات العالم فسيدرك أنها تتفرع من شيء عام وعالمي·
الأدب السويسري
هوجو لوتشر انتقل الى سويسرا والأدب السويسري وقال: الأدب السويسري ينطلق من قاعدة راسخة هي استخدام الحكاية الشعبية، حيث تنطلق رغبة الكاتب في أن يصبح بطلا شعبيا الى معالجة قضايا المجتمع ، وحتى القرن التاسع عشر كان الالتزام مفروضا على الأدب السويسري، حيث لا بد ان يكون العمل الأدبي ملتزما بالقضايا السياسية والاخلاقية في المجتمع، ولكني ابتعدت عن الالتزام بمعناه الاخلاقي والسياسي في اعمالي الادبية، والعمل بالصحافة سهل لي الامر، فقد جعلت تحقيقاتي ومقالاتي الصحفية مجالا للالتزام وايضا النضال من اجل قضايا سياسية واخلاقية، وفي المقابل نقيت او قل طهرت اعمالي الادبية من أي نوع من الالتزام، وهذا يتناسب مع قناعاتي وتكويني وتعاملي مع اللغة·
وأضاف: المجتمع السويسري بعد الحرب العالمية الثانية آمن باسطورة اجتماعية تقول ان رسالتنا، نحن السويسريين، تحقيق السلام وحل المشكلات الاجتماعية، غير ان الادب السويسري تصدى لهذه الاسطورة وحطمها، وقال من خلال العديد من الاعمال ان الامور ليست بهذه المثالية، وبدأ اظهار عيوب المجتمع السويسري وأيقظه من وهم التميز والافضلية، واطلعهم على حقائق جديدة تكشف عن ان المجتمع السويسري ليس الجنة التي يروج لها فهو يعاني مشكلات عديدة مثل أي مجتمع·
وعن وضعية الكاتب في المجتمع السويسري وهل يعيش من اعماله قال لوتشر: نحن لا نكسب من بيع كتبنا، فالنشر محدود، والوضع لدينا يشبه الوضع في العالم العربي، الكاتب حتى لو كان شهيرا يطبع له الفان او ثلاثة الاف نسخة، وفي افضل الاحوال عشرة ولا يمكن اطلاقا ان يؤمن الكاتب حياته من كتاباته الادبية، ولكن لدينا مثل بعض البلدان العربية منح تفرغ للأدباء، بالاضافة الى العائد الذي نتلقاه عن المحاضرات التي نلقيها في الجامعات والمقالات والتحقيقات التي ننشرها في الصحافة·
الثقافة العربية
هوجو لوتشر تحدث عن خبرته بالثقافة والمجتمع العربي، وقال انه زار من قبل مصر وتونس والمغرب، والقى محاضرات في جامعات القاهرة والازهر والجامعة الاميركية، واطلع على الادب العربي المعاصر من خلال دور النشر الالمانية والسويسرية التي زاد اهتمامها هي وغيرها من دور النشر الاوروبية بالادب العربي بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل وتضاعف بعد احداث 11 سبتمبر، لذا يمكن القول ان نجيب محفوظ واسامة بن لادن ساعدا على انتشار الادب العربي في العالم، ومن خلال الادب العربي المترجم عرفت بعض العادات والتقاليد العربية، وصححت معلوماتي عن جعرافيا العالم العربي حيث كنت اعتقد الى وقت قريب ان السنغال دولة عربية·
واضاف: في زيارتي الاخيرة للقاهرة لاحظت تغيرا كبير طرأ على المجتمع المصري وربما العربي بشكل عام، جعله يختلف عما كان عليه قبل ربع قرن بل قبل زيارتي الاولى للقاهرة، حيث ان هناك تأثرا واضحا بالاصولية الاسلامية التي زادت في السنوات الاخيرة من نشاطها في كل انحاء العالم، واعلم بالطبع ان هناك اصولية مسيحية ويهودية، ولكني اود ان افهم أين توجد بالتحديد جذور وظروف الاصولية الاسلامية، هذا ما يشغلني في هذه الفترة والسؤال الاهم بالنسبة لي كيف تحيا الثقافات الاسلامية والمسيحية واليهودية جنبا الى جنب؟ وهو يقودنا الى سؤال اخر هو كيف تتواصل الثقافة الغربية بنظيرتها الشرقية؟ انا لا أوافق على الاتحاد وازالة الاختلافات، لقد ولى منذ زمن المشهد العالمي المدرج بشكل رأسي، واليوم ننطلق بشكل أفقي للتواجد بجانب بعضنا البعض، بحيث تنتمي لهويتي هويات وثقافات اخرى، وهذه المسألة بالذات تهمني كمؤلف اكثر من أي مشكلة اخرى·

اقرأ أيضا