الاتحاد

دنيا

القطة السوداء شيطان والنقر على الخشب يمنع الحسد!

وفاء محمود العلي:
يجمع الكثير من المؤرخين الذين تخصصوا في حياة نابليون على أن نابليون كان يخاف من القطط السوداء، ويذهب آخرون إلى أن سقراط رغم حكمته العميقة وقدرته الفلسفية كان يخشى العين الشريرة، وان يوليوس قيصر بكل سلطانه وهيلمانه كان يخاف من الأحلام، أما هنري الثامن فكان يعزو وقوعه في شرك الزواج من آن بولين إلى السحر، ولعل من المثير أن نعرف أن قيصر روسيا بكل جبروته كان يشعر برعب مرضي عندما يعبر جسراً ما، وهناك الكثير مما في حياة المشاهير والبشر العاديين مما يشبه هذا أو غيره، ونحن في هذا العصر، ورغم التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل، ما زلنا نمارس بعض هذه المعتقدات والطقوس الغريبة كأن نقوم بالنقر على الخشب عندما نسمع عن فوز ما حققه شخص أو أتى بشيء غريب يدهشنا وذلك خشية من أن نحسده، وبعضنا يتشاءم من الرقم ،13 وبعضنا الآخر يتفاءل به، وهناك من يرى أن كسر المرآة أو أية قطعة زجاجية من أواني المطبخ نذير شؤم في حين ينظر إلى دلق القهوة على أنها بشارة خير·
لكن هل تساءل أي منا عن السر وراء هذه الطقوس؟ من أين جاءت؟ وما هي جذورها وكيف وصلت إلينا؟
هذه السطور تحاول الإجابة على بعض الممارسات والمعتقدات الغريبة التي قامت على الخرافة واستمرت مع البشرية رغم كل التطور العلمي والتقني الهائل الذي نشهده في هذا العصر·
يبدو أن هذه المعتقدات لها ما يبررها، وهناك الكثير مما تحويه كتب التاريخ الاجتماعي في شأن عادات الشعوب وتقاليدها ما يفسر الكثير مما يحدث حولنا في هذا العالم، وقد دفع هذا الأمر بالباحثين إلى تتبع قصة العادات والتقاليد وأصل الأشياء فخرجوا بنتائج مذهلة وبحوث جميلة في الوقت نفسه، لأنها تضع لنا سياقاً منظماً للتقدم الاجتماعي الذي شهدته البشرية في عصورها المختلفة، وضمنوها تفسيراتهم للكثير من الغرائب والعادات والتقاليد التي نراها حولنا·
النقر على الخشب
ما زالت هذه العادة التي تعود في جذورها إلى العام 2000 قبل الميلاد تجد قبولاً لدى شعوب كثيرة منها الشعوب العربية، حيث نجد الناس يلجأون الى النقر على الخشب بمجرد أن يروا فعلاً يثير الدهشة من شخص ما وذلك حتى يجنبوه الحسد·
لكن هذه العادة على ما تذكر المراجع تعود الى الأزمنة القديمة وتتعلق بعبادة شجرة السنديان التي نشأت عند الهنود الذين قطنوا أميركا، ولدى الإغريق فيما بعد، فقد لاحظ القدماء تكرر إصابة شجرة السنديان بالصواعق والبرق، فاعتقدوا أن الشجر موئل ينزل فيه رب السماء الذي عبده الهنود وهو إله البرق لدى قدماء الإغريق·
وتقدم هنود أميركا بمعتقداتهم خطوة إلى الأمام عندما اعتقدوا أن التفاخر بإنجاز مستقبلي بنصر في معركة، أو بحصاد يرتبط بما تسقطه الرياح من ثمار هو حظ سيئ، وأن المتفاخر يستطيع أن يتفادى كل تلك الحوادث وتجنب الفأل السيئ بالنقر على قاعدة شجرة السنديان لاعتقادهم بتواصل الشخص القابع في الشجرة مع آلهة السماء يسألها الغفران·
ويظهر أن شعوب العالم قدست أنواعاً مختلفة من الأشجار، ففي الوقت الذي فضل هنود أميركا والإغريق الأوائل شجرة السنديان، قام المصريون القدماء بقداسة شجرة الجميز، في حين تعلقت القبائل الجرمانية بشجرة الدردار، أما الهولنديون فلم يكن مهماً أكان الخشب سندياناً أو سواه، مزخرفاً ومطلياً أم لم يكن· لقد شاعت الخرافات المتعلقة بالأشجار على مر التاريخ، وشكلت نقطة الأصل لعدد من التقاليد الخرافية الحديثة ومنها عادة نقر الخشب لرد الحسد·
ويرى قسم من المؤرخين أن عادة نقر الخشب لرد الكيد إلى نحر صاحبه والسائدة اليوم، لا ترجع إلى هنود أميركا بل إلى اعتقادات الإغريق الأوائل التي انتقلت إلى الرومان ومنهم إلى البريطونيين (واحد من الشعوب التي قطنت بريطانيا قبل الغزوات الإنجلوسكسونية)، وتطورت العادة في يومنا هذا لكن مع استخدام أي نوع من الخشب في متناول اليد وليس بالضرورة خشب السنديان·
كسر المرآة نذير شؤم
يقال إن المرآة صديقة المرأة لكن يصح أن نعمم هذه الصداقة لتصبح صديقة الإنسان وليس المرأة فقط، ذلك لأن المرآة أحدثت انقلاباً في حياة الناس والمجتمعات إثر اكتشافها، وكانت سبباً في خير كبير على المستويين الاقتصادي والاجتماعي يجدر بنا أن نعرف تفاصيله·
بدأت حكاية المرايا عند قدماء المصريين والإغريق حيث صنعت المرايا الأولى التي استخدموها من معادن مصقولة ملمعة كالنحاس والبرونز والفضة والذهب، ولم تكن في ذلك الوقت قابلة للكسر· وبحلول القرن السادس قبل الميلاد بدأ الإغريق يمارسون تقليد 'التنبؤ' عن طريق استخدام زجاج مقعر قليلاً أو أوعية فخارية مليئة بالماء وفق طقس سمي (كاتو بترومانسي)· لقد كان الإغريقيون يؤمنون بأن الوعاء الزجاجي المملوء بالماء الذي يشبه كرة الكريستال والتي يستخدمها الغجر يمكنه أن يطلعهم على حظهم سواء كان جيداً أو سيئاً· أما الرومان فأطلقوا على هذا الوعاء اسم (ميراتوريوم) واستغلوه لمعرفة مستقبل الشخص الذي تنعكس صورته عن سطحه، حيث كان العراف يقرأ التنبؤات ويفسر انزلاق إحدى المرايا وانكسارها بأن الشخص الذي يحمل الوعاء لا مستقبل له وسيموت قريباً أو بأن المستقبل يحمل له حوادث غير سارة·
وأخذ هذا المعتقد الخرافي استخداماً عملياً واقتصادياً في القرن الخامس عشر في ايطاليا، حيث صنعت أول المرايا في فينيسيا من قطع الزجاج القابلة للكسر والمطلية بالفضة، وكانت غالية الثمن ولا يقتنيها إلا الأثرياء، ما يعني ضرورة المحافظة عليها وحمايتها من الكسر، من هنا كانت المرآة تحمل بعناية فائقة ويحذر الخدم الذين يقومون بتنظيفها من أن كسرها يعني حلول سبع سنوات من الحظ الأشد سوءاً من الموت· وربما نجح استخدام الخرافة بتلك الصيغة في تحقيق المطلوب والمحافظة على المرايا من الكسر لكنه أدى في الوقت نفسه إلى زيادة الإيمان بالحظ السيئ واستمراره لعدة أجيال في أوروبا· ذلك أن المرايا الثمينة صنعت في انجلترا وفرنسا في منتصف القرن السابع عشر وهو قرن عمت فيه الخرافات ومنها خرافة المرآة التي باتت شائعة وتأصلت في التقاليد·
القطط السوداء
لم تكن القطة السوداء مصدر شؤم إطلاقاً عندما تم استئناسها لأول مرة في مصر عام 3000 قبل الميلاد، بل كانت على العكس من ذلك تماماً، تحتل منزلة رفيعة، حتى إنهم سنوا القوانين التي تحميها من الأذى والموت، وكان القط هو الحيوان المدلل الذي يحظى بإعجاب الناس وعنايتهم، وتدفنه العائلة كأحد أفرادها· وتبرز الآثار أن العائلات الغنية والفقيرة على السواء أولت جثمان القط عناية كبيرة، حيث كانت تكفنه بقماش كتاني وتضعه في صندوق لحفظ المومياء مصنوع من مواد عالية مثل البرونز والخشب النادر حتى أن العلماء اكتشفوا مقابر كاملة لقطط محنطة في مصر·
ويميل الباحثون الى تفسير هذا الاهتمام بالقطط الى أن المصريين القدماء رأوا القطط تقاوم العديد من السقطات المميتة فاعتقدوا بأن لها تسعة أرواح ( نحن اليوم نقول إن القطط بسبعة أرواح)·
ولم يقتصر حب القطط على المصريين فقط بل شاركتهم فيه الشعوب القديمة مثل الهنود والصينيون وغيرهم·
إذن متى انقلبت الآية وباتت القطط - خاصة السوداء منها - مصدر خوف؟
حدث ذلك في العصور الوسطى في أوروبا وخاصة في بريطانيا، حيث تضافرت صفات القطط من عناد وقدرة على التسلل والسرقة مع تزايد أعدادها المفاجئ بتغير منزلتها، وتراجع الناس عن حبهم لها، وزاد الطين بلة، انتشار موجة السحرة ولجوء العجائز مع قططهن السوداء لممارسة السحر الأسود·
وجاء في أحد السجلات البريطانية قصة تقليدية توضح الاعتقاد الذي ساد آنذاك في لينكولن شاير في ستينات القرن السادس عشر، تقول القصة إن اب وابنه كانا يسيران في احدى الليالي غير المقمرة عندما اندفع أمامهما مخلوق صغير الى فجوة في الجدار مسبباً لهما رعباً كبيراً، فما كان منهما الا أن قذفا الحجارة في الفجوة فخرج منها قط أسود كالسهم واتجه صوب منزل امرأة كان الناس يعتقدون أنها ساحرة· وفي اليوم التالي التقى الرجل وابنه المرأة نفسها في الشارع، كان وجهها مليئاً بالخدوش، وذراعها مضمداً بالأربطة، وتعرج في سيرها، ومنذ ذلك الحين عد سكان لينكولن شاير كل القطط السوداء ساحرات متنكرات بزي ليلي، واستمر الاعتقاد، وانتشرت فكرة الساحرات اللواتي يحولن انفسهن الى قطط سوداء بغية التجول بحرية في الشوارع، وهكذا قلب الناس للقطط ظهر المجن، وبعد ان كانت محبوبة مدللة باتت محتقرة وتبعث على الخوف·

اقرأ أيضا