الاتحاد

دنيا

أرانب خضراء وبطاطس تشكو العطش

إعداد ـ محمد الحلواجي:
لا يكف عالم اليوم أبدا عن مفاجآتنا بكل الأشكال والصور، فبعد الحروب الرقمية المعاصرة التي أزاحت الصناديد والأبطال من الجنود ذوي القامات الطويلة والعضلات المفتولة، وأحلت محلهم خبراء الحاسوب والأجهزة التقنية المعقدة، يأتي اليوم دور الباحثين و'الفنانين العلماء' ليطرحوا ألعابهم الجديدة في عصر التلاعب بالوراثة والجينات، عبر جيل جديد من الفنانين العابثين بأوراق الدهشة التقنية، وعطاء الآلات المتقدمة التي بهرتهم هم أنفسهم، قبل أن يبهروا عموم الناس على سطح الكوكب، فإلى أين يتجه نزق العلم وتعاليه المتعاظم على محددات المعتقدات والتقاليد والأعراف؟
سؤال تبدو مجرد محاولة الإجابة عليه مربكة بحد ذاتها، وفي السطور التالية نافذة صغيرة للتعرف على هذا العالم الغريب والمقلق والساحر في آن معا·
رغم الجدل والخلاف العميق الذي أثارته البحوث الجديدة في حقل الهندسة الوراثية وما يمكن أن يجلبه معه من صرعات طائشة وسخط أخلاقي كبير، إلا أن هناك شريحة أخرى لا يستهان بها من العلماء تؤكد أهمية مثل هذه البحوث، فهناك أشياء أكثر أهمية من هذا العبث يمكن استحداثها بمثل هذه الجينات، فقد اقتحمت الهندسة الوراثية حياة البشر وفرضت نفسها على هذه الحياة باعتبارها 'المنقذ' الذي فتح آفاقًا غير محدودة لإنقاذ البشرية من الجوع والأمراض الفتاكة، فالهندسة الوراثية جاءت لتبقى، وحتى كبار المتحفِّظين عليها يصفون القرن القادم 'بقرن التقنيات الحيوية' أو 'عصر الجينات'، وهي تقنية ستمكن العلماء من 'اقتفاء الأثر الجيني' وستمدهم بسلاح هام يسمح لهم بمراقبة تأثير العقاقير الجديدة ومعرفة تأثيرها فورا دون اللجوء للجراحة، كما يمكن استغلالها في أساليب العلاج الجيني الحديثة بلصق الجينات المشعة مع جينات معالجة للسرطان على سبيل المثال واقتفاء آثارها في الحال باستخدام أجهزة حساسة للضوء، مما يساعد في سرعة العلاج ودقة تحديد الأورام السرطانية خلال الجراحة·
لوحة فنية حية!
لكن في ظل هذا المشهد الثوري أثار فريق آخر من العلماء أثار زوبعة كبيرة، في أعقاب إنتاج أرنبة معدلة وراثيا أطلق عليها اسم 'ألبا' بعد تحوير جيناتها لتشع لونًا أخضر تحت الظروف المعملية، لتتسبب في نشوب خلاف حاد حول استمرار التلاعب بجينات الكائنات الحية، مما دفع علماء المعهد الوطني للبحوث الزراعية الفرنسي، 'آي إن آر آي INRI ' إلى رفض إهداء الأرنبة التي أنتجوها معمليًّا إلى فنان أميركي من شيكاغو يدعى 'إدواردو كاك' أراد القيام بعرض الحيوان 'كقطعة فنية حية' في معرض بالولايات المتحدة الأميركية! وقرروا أن تظل 'ألبا' في المختبر كأي حيوان معملي آخر، ونفى المعهد بذلك ما أعلن من قبل عن أن 'المعهد أنتج هذه الأرنبة خصيصًا تلبية لطلب الفنان الأميركي' والذي ادعى أن هذا الأرنب 'سيستغل كرمز للتقارب الفكري بين العلماء والمجتمع! ولتأكيد دور بحوث الهندسة الوراثية الجديدة في تغيير الواقع والثوابت الحياتية'، وهو الأمر الذي دفع بعض العلماء في أنحاء مختلفة من العالم للتصريح بأن مثل هذا المشروع الطائش أشعل المناقشة حول جدية مثل هذه المشاريع، وحول حرية ممارسة مثل هذا التحوير الوراثي الجيني للكائنات الحية، وحول الهدف من مثل هذا العبث، فقد سلط هذا النبأ الضوء على ما يحدث خفية في مختبرات ذلك المعهد، حيث أكد نشطاء في مجال حقوق الحيوان أن 'المشروع معالجة غير ضرورية وشيء سخيف غير مبرر، وأن إنتاج مثل هذا الحيوان قد يسلِّط الضوء على الفوضى المقبلة في تبديل طبيعة المخلوقات خلال البحوث الوراثية'·
قناديل البحر الملهمة
بدأت فصول هذه الحكاية المثيرة عندما قام علماء المعهد الفرنسي بنقل جينات تحدث وهجًا عند تعرضها لبعض المؤثرات الخارجية من قنديل البحر، إلى الأرنبة 'ألبا' في مرحلة الجنين، حيث تنتج هذه النوعية من الجينات، البروتين المشع الأخضر المعرف باسم 'جي إف بي'، ونتيجة لذلك تتوهّج خلاياها مثل قنديل البحر تحت المجهر في الضوء الأزرق· وعلى الرغم من ذلك تبدو الأرنبة 'ألبا' طبيعية كأي أرنب عادي في الضوء الأبيض، ولكن تتوهج عيونها وشواربها وفراؤها في الظلام تحت الضوء الأزرق· فقد استخدم العلماء أسلوب 'الحقن المجهري للأجنة'، لجين بروتين مشع معزول من فصيلة قنديل البحر المشع يُدعى 'أيكوري فيكتوريا' بعد أن قاموا بتعديل الجين وتكراره ومضاعفته عدة مرات، ليصبح أكثر تأثيرًا بحيث يظهر توهجًا ملحوظًا عند نقله إلى خلية بويضة أرنب مُخَصَّبة، والتي تم تنميتها في النهاية لتنتج الأرنبة المحورة وراثيا 'ألبا'·
لكن 'ألبا' ليست أول كائن يُحوّر ليشع في الظلام، بل سبقتها محاولات عدة لإنتاج كائنات تتوهج في الظلام، وكان أول حيوان مفضل بطبيعة الحال هو الفأر الذي تم بالفعل إنتاجه وراثيّا ليتوهج في الظلام لأول مرة في عام 1997م في اليابان، وتم استغلال الفأر المحوّر في الأغراض البحثية، ليزود العلماء بمعلومات عن بعض العمليات الحيوية البيولوجية، ولدراسة طبيعة بعض الأمراض، وطبيعة 'التعبير الجيني' عن طريق استخدام جينات قنديل البحر المتوهجة في اقتفاء أثر بعض الجينات الهامة بطريقة سريعة، حيث يتوهج البروتين المشع في الظلام في حالة تنشيطه معمليا·
خَضْرَوات المستقبل ليست خضراء!
على صعيد آخر تستمر حالة التجريب والعبث في مجال النباتات المعدلة وراثيا، التي لم يعد معها البطيخ المربع الشكل أمرا يبعث على الدهشة، فقد ظهرت إلى الأسواق في السنوات الأخيرة بطاطس حمراء وباذنجان ملون وبطاطا حلوة قرمزية اللون وأشكال وألوان من الثمار والنباتات والحبوب والأزهار التي لم تعرف البشرية في تاريخها الطويل مثيلا لها، وباختصار شديد قد نجد في الأسواق في المستقبل القريب خضروات بكل الألوان فيما عدا الأخضر الذي اشتقت الخضروات اسمها منه أصلا! فالعلماء المعاصرون مفتونون بالتجارب، وأصحاب المتاجر والشركات يلهثون خلف عرض كل ما هو جديد وغريب يمكن له أن يجتذب الأجيال الجديدة من الناس، دون مراعاة الحدود الأخلاقية أو المخاطر الصحية·
لقد أصبحت الهندسة الوراثية أحد أهم الأسلحة التقنية الحديثة التي تستخدم بشكل متنام في زيادة الإنتاج الزراعي، وتعلق عليها آمال كبيرة لغزو المستقبل باكرا، وبالفعل تحققت نتائج علمية باهرة في السنوات الأخيرة·
وآخر تلك الصيحات تمثلت في الإعلان عن إنتاج بطاطس تتوهج في الظلام وتطلب السقاية والارتواء عند العطش، لتعمل كناقوس ينذر المزارعين عند احتياج النبات للماء، وعند إحساسه بالخطر! وقد قاد هذا المشروع الغريب، البروفيسور 'أنتوني تريوافاس' الباحث بجامعة أدنبرة بالمملكة المتحدة، والذي علق على البحث بقوله: 'هذه هي زراعةُ المستقبل، لقد حاولنا أن نصمّم طريقة لمراقبة الحقول أثناء الزراعة، ولم نجد حارسًا أحسن من النبات نفسه الذي من الممكن أن يخبرنا بما يشعر به، وبما نريده من المعلومات التي نحتاجها عن المحاصيل أثناء زراعتها'!· وبذلك يكون 'البطاطس المضيئة' أو المتوهجة في الظلام، أول نبات محصولي ذي أهمية اقتصادية· ولكن الجيل الأول من البطاطس المتوهجة غير معد بعد للاستهلاك الآدمي، فمن المحتمل أن ينتج هذا الجين بعض التأثيرات الجانبية، كبعض السموم أو مسببات الحساسية· ومن المتوقع أن يتم إنتاج نباتات أخرى من هذا النوع المضيء المتوهج، لتقوم بدور الحراس وتنذر المزارعين بالأخطار التي تحيق بالمزروعات· فقد أكدت تجارب سابقة نجاح التحوير الوراثي في إنتاج نباتات تتوهج في الظلام حال تعرضها للعديد من المؤثرات الخارجية، مثل الجروح والإصابة بالأمراض· ومما يثير الدهشة حقًّا، أن بعض النباتات التي تم اختبارها، بدأت بالتوهجّ قبل إصابتها بمرض فطري بحوالي أسبوع كامل·
سباق مع المستقبل
الكائنات المضيئة المتوهجة في الظلام كانت حلمًا يداعب خيال الكثير من العلماء منذ فترة ليست بالقصيرة، وذلك لأسباب علمية محسوبة ومتعددة، فلهذا الجين المعزول من قنديل البحر تطبيقات عديدة في المجالات البحثية والطبية والصناعية، ومن الممكن حقنه في أي نوع من الكائنات الحية ليعمل بنفس الكفاءة كما في حالة الأرنبة 'ألبا'· وقد دلّلت الاختبارات الحقلية للنباتات المحوّرة وراثيا على إمكانية نقل الجين لأي نوع آخر من النباتات؛ ليعمل بنفس الكفاءة ولينذر المزارعين بقرب الإصابة بمرض معين، أو بنقص عنصر ما في التربة· وتقدم هذه التقنية وسيلة مُثْلى لريّ النباتات في الوقت المناسب بالكم الأمثل من الماء المطلوب، لتساهم في الحد من مشكلة نقص المياه الحادة في القرن الحادي والعشرين، الذي يعتبره العلماء قرن ندرة المياه·
حلويات مضيئة!
عالم الأحياء الياباني 'أوسامو شيمومرا' الذي يُعَدُّ أول من اكتشف جين التَّوَهُّج في 'أيكوري فيكتوريا' وصف مشروع الأرنب المتوهج بأنه 'مثير ولكنه ليس مهمًا'! ويحاول العديد من العلماء اليوم توظيف استخدام مثل هذه الجينات المتوهجة في الصناعة، فقد طرحت شركة 'برولوم' في الأسواق مسدسات مائية يتدفق منها ماء محمل بنسخ متكررة من الجينات، لتضيء سوائلها في حالة تلامسها مع شخص ما، أو أي جسم يحتوي على الكالسيوم· ويعمل باحثون آخرون الآن على تطوير أزهار وحلويات وأحبار تضيء وتتوهج في الظلام!

اقرأ أيضا