الاتحاد

دنيا

جهاد عقل ساحر الكمان


خورشيد حرفوش:
سبقته شهرته الواسعة قبل أن أراه للمرة الأولى، وهو الفنان الذي 'أقام الدنيا ولم يقعدها على دار الأوبرا المصرية لثلاث سنوات على التوالي'· سبقته ألقابه: ساحر الكمان، وعاشق الكمان، وعاشق الملكة، وغيرها من تسميات، ولم يتجاوز تصوري إلا حدود كونه عازف متمكن· وعندما شاهدت الحشد الهائل من الجمهور المحب للفن الرفيع، في حفل خيري لصالح دعم طلبة جامعة القدس المحتاجين والمتفوقين، في أبوظبي مؤخراً، أيقنت أهمية المشهد· عندما اعتلى الفنان الشاب جهاد عقل المسرح يحتضن آلة الكمان، ويستقبل تحية الجمهور الغفير، وبدأت أنامله تداعب آلته 'بطريقته الخاصة'، لم يختلف الأمر كثيراً في حفل مكشوف بفندق الانتركنتننتال في أبوظبي، عن هدوء، وسكون، حفلات دارالأوبرا بتقاليدها المعروفة· يداعب، ويلعب مع···، ويتكلم إلى···، ويحتضن···، ويهمس إلى···، ويحتد على··، يغضبه، ويصالحه، ويرق بأوتاره، ويضرب بعصاه، وقوفاً، وقعوداً، متمايلاً تارة، ومنحنياً تارة أخرى، يستنطق 'كمانه'·
لم يكن مجرد مؤدٍ، أوعازف، لعله توحد مع أوتار آلته في كل حركة أو جملة موسيقية عاشها وأداها، بما يجعل المستمع أن يتلمس حوار'جهاد عقل' وآلة الكمان التي أحبها، وفهمها، وعلمته كثيراً، فعشقها·
تخيلته يهمس إليها، فترد عليه همسها، ودفئها، ولحنها، وصداها، وأنينها، وشجاها، وأناتها، ودموعها، وضحكاتها أيضاً·
لم يتبق سوى أن تتكلم 'آلة الكمان' بين يديه··· هذا هو اختصار المشهد الذي بهرني كغيري، ولاسيما من يراه للمرة الأولى·
الكمان··· سلاح
سألته عن عشقه، وحبه، وسحره، ونشأته، فقال إنه دأب على فهم 'الكمان' على أنه 'سلاح يداوي القلوب··· ولا يقتلها'، إنني لازلت أتعامل معها على أنني 'هاو'، وإن كان العزف رسالتي'·
موسيقاه 'لغة' خاصة به، وعندما ناديته، 'بتهوفن العرب '، قال: 'لا ، إنني العاشق الذي يسعى إلى جمع حب الشرق والغرب في قالب واحد '·
عندما عزف في حفل حضره عدد كبير من فناني المعهد الموسيقي الأميركي، قال له مدير المعهد: 'نحن تعلمنا، وندرس آلة الكمان لطلابنا منذ أكثر من ثلاثين عاماً، عرفنا كيف يصبح العازف أسيراً لآلة الكمان، ولكن الأمر مختلف تماماً في حالتك، إننا نرى لأول مرة كيف تصبح آلة الكمان 'أسيرة' لك، ولعبة بين يديك·
ويتذكر الفنان جهاد عقل يوم أن مثل أمام اللجنة الموسيقية في امتحان عندما رغب في العمل بالاذاعة اللبنانية، 'اشتكاه' البعض بزعم أنه سارق اللحن من والده، ويضحك قائلاً: 'لعلهم غيروا رأيهم الآن'· ولا ينسى ليلة أن وقف على خشبة مسرح 'دار الأوبرا المصرية' للمرة الأولى، وكيف كانت رهبته وهو يواجه جمهورا من نوع خاص، وكيف استرق اعجابهم وبهرهم بألحانه وأدائه، ونال احترامهم وتشجيعهم بحرارة منقطعة النظير·
ميلاد فنان
ولد الفنان جهاد عقل 'في مخيمات صبرا وشاتيلا' في جنوب لبنان عام 1968 في ظروف حياتية ومعيشية صعبة، ومما زاد من صعوبتها هي الحرب اللبنانية التي بدأت معه وهو طفل لم يتجاوز الخمس سنوات من عمره·
فوالده أحمد سعيد عقل، العازف والأستاذ الموسيقي، لطالما حلم بتأهيل ولده بالعلم الموسيقي عموماً، وبآلة الكمان خصوصاً، والتي كان جهاد يراقبه بكل تفاصيل العزف عليها، ومما زاد رغبة والده في تعليمه هو حصوله على جائزة تقدير في حفل المعهد الموسيقى الغربي لمباراة للأطفال النوابغ في العزف الفطري سنة 1974 في بيروت، وكان حينها 'جهاد' لا يتجاوز الست سنوات من العمر· وبسبب الحرب وتعذر السبل للدراسة الأكاديمية في المعاهد الموسيقية، راح هذا الأب الأستاذ يعلم ولده هذا الفن بطريقة جديدة وقاسية ومكثفة ابتكرها هذا الأستاذ لنفسه، ولتلميذه مستعيناً بكل كتب التدريس العالمية، لعله يجد فيه مستقبلاً أفضل من ظروفه الحالية·
فكان هذا التلميذ 'المجند' يدرس الموسيقى لعشر ساعات على الأقل في اليوم الواحد وعلى مدار الأسبوع في أجواء الحرب والرعب والخوف، وفي أصعب الظروف·
فكانت هذه الآلة لعبته، ورفيقته التي أحبها، واحتمى بها، وونيسته في مشواره المبكر الطويل·
الموسيقى الكلاسيكية
درس جهاد الموسيقى الكلاسيكية دراسة مكثفة لمدة تجاوزت الاثنى عشر عاماً، وعمل عازفاً في الاذاعة اللبنانية، وكان العازف الأصغر سناً '14 سنة' بعد خضوعه لامتحان القبول الصعب من قبل اللجنة، وبوجود عمالقة التلحين والعزف والتأليف الموسيقي أمثال توفيق الباشا وسليم سحاب·
وتابع دراسته للموسيقى، كالموسيقى الشرقية، والتوزيع، والتأليف الموسيقي، والعزف المنفرد، وعمل مع كثير من الفرق الموسيقية في التسجيلات والحفلات، ومع كبار نجوم لبنان والعالم العربي أمثال الفنانين وديع الصافي، وفيروز، وصباح، وهاني شاكر وكاظم الساهر، وعمل أيضاً قائداً للفرق الموسيقية الكبيرة في التسجيلات والحفلات وآخرها مع الفنانة ماجدة الرومي·
ولكي يقدم الجديد بالعزف على هذه الآلة ويبرز تقنياته، قرر الاستقلالية، وقدم نفسه كعازف' صوليست' منفرد مع فرقته الخاصة، فقدم ألبومين بعنوان 'عاشق الكمان'، و'اسمعوني' بأسلوب جديد، دامجاً الموسيقى الشرقية بالتقنيات الغربية في عزفه، فلاقى ترحاباً جماهيرياً وتشجيعاً من الوسط الاعلامي والفني·

اقرأ أيضا