الاتحاد

عربي ودولي

هل ينجح الداعون لعزل الرئيس؟

نيويورك - أحمد كامل:
تطرح الدعوات المتزايدة التي تتردد في واشنطن الآن بضرورة النظر في قضية اقالة الرئيس جورج بوش سؤالاً مركزياً عما إذا كان يمكن لهذا الاحتمال أن يتحقق بالفعل، أو بالاحرى ما إذا كان يتعين على العالم أن ينظر إلى هذه الدعوات بصورة جادة وان يدرس هذا الاحتمال باعتباره احتمالاً واقعياً·
وواقع الحال أن تأمل المشهد الراهن في العاصمة الأميركية يفضي إلى استنتاج واحد اساسي، ذلك هو أن هذا الاحتمال لم يعد قابلاً للاستبعاد بصورة كاملة· فثمة أسس قانونية كافية لذلك· إلا أن هذه الأسس لا تصلح وحدها لاقالة الرئيس الأميركي، فقضية اقالة الرئيس تخضع لآليات وحسابات تختلف عن المعادلة المبسطة التي تقول إن الرئيس خرق القانون ولم يحترم الدستور ومن ثم فإن عليه أن يغادر منصبه·
بعبارة أخرى هناك أساس قانوني لعزل الرئيس بوش· بيد أن هذا الأساس - في ذاته - ليس كافياً حتى الآن للقيام بخطوة بهذا الحجم رغم أنه قابل للتطور كي يجعل من اتخاذ الكونجرس لقرار العزل خياراً حتمياً·
ويرجع السبب في ذلك إلى أن لحظة اقالة الرئيس لا تأتي كثيرة لاعتبارات قانونية، وانما وفق معادلة مختلفة·
وترتكز هذه المعادلة على 'رقمين' محدودين· الرقم الأول هو مدى التفاف حزب الرئيس حوله، وهو رقم يخضع لنظرة الحزب الى الرئيس، إذا كان الحزب يعتبر البيت الأبيض رصيداً له أم أنه يراه عبئاً عليه· أما الرقم الثاني فإنه يتصل بمدى سبقية الرئيس لدى التابعين بصفة عامة· وهذا الرقم بدوره يتحدد بموقف أجهزة الإعلام ومدى تماسك القوى المعارضة للإدارة وقدرها على اقناع الناخبين بما تقول·
الانتخابات النصفية
وفي حالة موقف أعضاء الحزب الجمهوري من البيت الأبيض فإن العامل المميز في صياغة هذا الموقف يرجع إلى موعد الانتخابات النصفية التي تجرى في نوفمبر المقبل لاختيار نصف أعضاء مجلسي الكونجرس· فإذا رأى مرشح جمهوري سواء كان عضواً في الكونجرس يسعى إلى الحصول على دورة عضوية إضافية أو كان مرشحاً جديداً ينافس أحد الديمقراطيين في دائرته، إذ رأي أن الرئيس يمكن أن يقدم له دعماً ملموساً عن طريق قرار يفيد ابناء الدائرة المعنية او يلبي تطلعات شركاتها ورجال اعمالها، فإن المنطقي أن يحترم هذا المرشح علاقته بالبيت الأبيض باعتبارها رصيداً يعزز من فرصة فوزه·
أما إذا كانت الإدارة غير قادرة على تمرير ما تريد من قرارات - لاسيما إذا كان لها نكهة حزبية - فإن الوزن النسبي للبيت الأبيض في تحديد خيارات المرشح يصبح اقل كثيراً مما يأمله الجانبان· ويزداد ابتعاد المرشح عن السلطة التنفيذية إذا ما كان الرأي العام في دائرته ينتقد هذه السلطة أو يرى انها لم تحقق نجاحاً يذكر على المستوى القومي أو في تلك الدائرة بالذات·
وقد لوحظ منذ بدء تدهور موقف السلطة التنفيذية شعبياً وداخل الكونجرس أن عدداً من المرشحين الجمهوريين المحكمين لانتخابات نوفمبر المقبلة حرص على وضع مسافة واضحة بينه وبين الرئيس بوش· بل ان بعضهم رفض استضافة الرئيس في دائرته للمشاركة في دعم حملته الانتخابية·
تراجع الدعم
ويتوازن هذا مع موقف الاعضاء الجمهوريين في الكونجرس ممن يعتزمون خوض انتخابات نوفمبر للاحتفاظ بمقاعدهم· فقد اضطر الرئيس بوش إلى إعادة نائب الرئيس ديك تشيني من باكستان قبل استكمال جولته التي كانت تتضمن زيارة الرياض والقاهرة لحسم التصويت حول برنامج خفض عجز الميزانية عن طريق اقتطاع 40 مليار دولار من الانفاق الحكومي على امتداد العقد المقبل·
والطريف هنا أن الإدارة كانت تحظى بهامش من التأييد بلغ 14 صوتاً عند بدء مناقشة المشروع في فبراير الماضي· فقد قال 57 عضواً - منهم 3 ديمقراطيين - انهم سيؤيدون مشروع القانون رغم أنه يلغي برامج عديدة تستفيد منها الطبقات محدودة الدخل· وأوضح 41 عضواً أنهم سيعارضون القانون فيما بقي عضوان دون اعلان موقف· وعند عودة تشيني من باكستان على عجل كان الموقف قد تحول إلى 50 عضواً يؤيديون، وعدد مساو يرفضون· وحسم تشيني الموقف بالتصويت مع المؤيدين، ولولا إعادته المتعجلة من جولته الخارجية لما تسنى للإدارة أن تمرر هذا المشروع الذي شكل احدى أهم أولوياتها·
ويوضح هذا المثل مدى الضعف الذي طرأ على موقف البيت الأبيض داخل الكونجرس· ولا يمكن فصل هذه الملاحظة عن مناقشة قضية عزل الرئيس من بحث نصيب ذلك من الجدية، إذ أن مدى قوة - أو ضعف - موقف الإدارة داخل المجلس التشريعي هو محدد أساسي في مسألة عزل الرئيس·
تجسس قانوني
أما موقف اجهزة الإعلام فإنه يتضح - من باب المفارقة ربما - من القصة التي فتحت باب الحوار حول اقالة الرئيس، أي قصة تجسس وكالة الأمن القومي على اتصالات مواطنين أميركيين بأمر من الرئيس بوش ودون الرجوع للمحكمة المخصصة لبحث أسباب التجسس والسماح به أو رفضه· فالقصة وردت في تقرير أعده الصحفي المعروف في نيويورك تايمز جيمس ريزن·
والتقرير قدم للصحيفة قبل 14 شهراً من نشره، ولكنها قررت تجميده رغم أنها تصف نفسها ويصفها الآخرون بأنها التعبير الأكمل عن موضوعية الإعلام الأميركي، أي أنها المؤسسة التي تبلور تقاليد تحري الدقة والموضوعية في ذلك المجال·
ولم يكن تجميد نشر التقرير بسبب خلوه من الدقة، أو لأن الصحيفة قررت أن تجري تحقيقات اضافية حول دقته، بل كان السبب - باختصار ووفقاً لما قالته 'نيويورك تايمز' نفسها - هو أن البيت الأبيض طلب ارجاء نشره أو الغاء هذا النشر كلياً لأن النشر سيرسل تحذيراً لمن يجري التصنت على مكالمتهم·
ولكن اللافت للنظر حقاً هو السبب الذي أدى بالصحيفة إلى نشر التقرير في نهاية المطاف· ذلك أن ريزن وضع كتاباً عن الدور السري لوكالة المخابرات المركزية منذ احداث 11 سبتمبر وأورد فيه معلومات قيام وكالة الأمن القومي بالتجسس على الأميركيين بأمر من الرئيس وحين رأت نيويورك تايمز أن المعلومات ستنشر على أي حال سمحت بنشر التقرير، وبدأ الزلزال·
ويوضح ذلك أن صحيفة تتهم عادة بأنها ذات ميول ديمقراطية مثل 'نيويورك تايمز' كانت تحاول حماية إدارة الرئيس بوش، وفي هذا برهان على دقة التحليلات التي اشارت إلى أن 'هيكل ملكية' أجهزة الإعلام الأميركية وتمركز هذه الملكية في حفنة محدودة من الشركات العملاقة، ثم مواقف تلك الشركات المؤيدة لليمين الجمهوري، كل ذلك اثمر عن اعادة تعريف دور الإعلام الأميركي الذي كان يعد عادة 'السلطة الرابعة' التي تساهم في ضمان مراقبة السلطات الثلاث الأولى التنفيذية، والتشريعية، والقضائية·
إلا أن للحقيقة احياناً منطقاً يستعصي على القيود وفي حالة جيمس ريزن ونيويورك تايمز ظهرت الحقيقة بالذات بعبارة أخرى لا يمكن لتواطؤ اجهزة الإعلام مع الإدارة الجمهورية أن يضمن اجهاض كل الحقائق ومنعها من الظهور· ولإنها حقائق جسيمة فإن ظهور قدر قليل منها يكفي لاحداث زلزال سياسي متكامل·
ولكن ماذا عن الرأي العام؟ حتى الآن فإن ثلث الأميركيين يرى ضرورة بدء اجراءات عزل بوش فوراً، وهناك ثلث آخر يوافق على طرح مبدأ العزل ولكنه يربطه باجراء تحقيق مفصل يسبق اجراء العزل للتحقق من وجود أدلة ادانة كافية·
مواقف دفاعية
ويبدو أن التكتيكات الدفاعية التي يتبعها بوش غير مجدية، حتى الآن على الأقل· فقد قالت الإدارة أنها اضطرت للتصنت دون إذن من المحكمة بسبب الطبيعة الأمنية الحساسة لقضايا الإرهاب، إذ لايمكن الانتظار طويلاً أو قليلاً حتى الحصول على أمر قضائي بالتنصت· إلا أن معارضي الإدارة أبرزوا مادة من القانون المنظم لعمل المحكمة الخاصة بقضايا الارهاب ينعي على أنه في حالة اضطرار الإدارة لفرض المراقبة فوراً ودون انتظار فإن بوسعها أن تفعل ذلك على أن تذهب إلى المحكمة في غضون 72 ساعة للحصول على الإذن المناسب· لا مجال إذن لحجة الحساسية الزمنية·
وقالت الإدارة إنها اشركت الكونجرس في قرارها، ولكن ما تبين بعد ذلك هو أنها احاطت 10 أعضاء علماً بما تفعل، ولم تعر احتجاجات بعضهم أي اهتمام · وقالت الإدارة أموراً كثيرة أخرى كانت تتهاوى تدريجياً تحت ثقل البراهين التي يقدمها معارضوها·
هل يمكن إذن أن تتجاوز الإدارة هذه العاصفة؟ سيحتاج ذلك بطبيعة الحال إلى جهد هائل، إلا أن العنصر الأهم في أي تكتيك دفاعي هو سبقية الرئيس فإذا نجح بوش في اقناع الأميركيين بالعودة إلى الالتفاف حوله مرة أخرى فإن الكونجرس سيهدأ مضطراً·
لقد فشل المجلس التشريعي الأميركي في اقالة الرئيس رونالدو ريجان رغم أنه كذب على الكونجرس وارسل اسلحة لايران للافراج عن رهائن كانوا محتجزين في لبنان وحول حركة الكونتراز المناوئة لحكومة نيكاراجوا آنذاك رغم وجود قانون أميركي يحظر ذلك· ثم فشل المجلس التشريعي في عزل بيل كلينتون رغم الفضائح الاخلاقية التي ارتكبها داخل مكتب رئيس الجمهورية· وكان السبب في الحالتين هو شعبية الرئيس وليس افتقاد الاسس القانونية والدستورية الكافية لاتخاذ قرار العزل·
وهذا هو تحدي الرئيس بوش الراهن، أي مدى قدرته على استعادة مواقعه بين الأميركيين، وعلى اقناع حزبه بمواصلة دعمه·

اقرأ أيضا

الانفصاليون الكاتالانيون يغلقون الطرق في برشلونة