الاتحاد

عربي ودولي

تل أبيب ترحب بانتصار حماس


أحمد إبراهيم :
هل من الممكن أن تتفاوض الحكومة الإسرائيلية مع أعضاء حركة حماس بعد فوزهم في الانتخابات الفلسطينية ؟ كان هذا هو التساؤل المطروح بقوة في الأوساط السياسية الإسرائيلية عقب الانتصار الكبير الذي حققته الحركة في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة، وهو الانتصار الذي أهلها للفوز بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني وتشكيل الحكومة المقبلة خاصة مع اكتساحها للكثير من الدوائر الانتخابية لتفوز بكافة المقاعد بها بلا منازع·
وبعيداً عن حالة الترقب والتوجس الإسرائيلية من هذا الفوز والقلق الذي أعترى عددا من كبار المسؤولين سواء في تل أبيب أو العالم من هذا الانتصار إلا أن المتابع لمسيرة العلاقات بين إسرائيل من جهة والحركات الإسلامية سواء في المناطق الفلسطينية المحتلة أو إسرائيل نفسها من جهة أخرى سيجد أن فوز حماس لن يثير أي قلق 'فعلي' لتل أبيب التي ترتبط بعلاقات تاريخية وثيقة مع القوى الإسلامية في المناطق الفلسطينية وعلاقات متميزة إلى الآن مع الحركة الإسلامية في إسرائيل·
المناطق الفلسطينية
فبالنسبة للشق الأول الخاص بالعلاقات الإسرائيلية مع الحركة الإسلامية في المناطق الفلسطينية المحتلة سنجد أن العلاقات بين الجانبين مرت بأطوار متعددة بداية من نشأة الحركة الإسلامية في الأساس والتي خرجت من رحمها حركة حماس بعد ذلك عام 1988حتى الآن ·
الكاتب الفلسطيني مهيب أحمد النواتي في كتابه الشهير 'حماس من الداخل' ، يقول : إن حركة الإخوان المسلمين في فلسطين لم تكن ترغب في الإعلان عن الكفاح المسلح بأي شكل من أشكاله ولكن كان قادة الحركة يرغبون وفي الأساس ومنذ نشأتهم في إنشاء مجتمع إسلامي قوي في فلسطين يستطيع مواجهة سلطة حركة فتح والتصدي لما أسموه بـ' التواجد اليهودي أو الصهيوني ' في أرض فلسطين·
وكان الإخوان المسلمون في فلسطين يرون ضرورة الابتعاد عن أي شكل من أشكال المقاومة العسكرية ضد إسرائيل لأن هذا يعتبر بمثابة انتحار وإنهاء لوجودهم خاصة في ظل قوة البطش الإسرائيلي المفرطة في التعامل مع مختلف الفصائل الفلسطينية التي انتهجت طريق العنف ·
وحظرت حركة الإخوان المسلمين الفلسطينية في بداية نشأتها على شبابها اللجوء إلى العنف في مواجهة قوات الاحتلال مثلما كانت تفعل العشرات من الفصائل الأخرى المدرجة تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية ، وبدا واضحاً أن فكرة المقاومة ومواجهة الاحتلال لا تجد أذناً صاغية لدى كبار قادة الحركة الإسلامية على الرغم من دعم عدد كبير من أبناء الحركة لها، الأمر الذي دفع بالحركة الإسلامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لإصدار البيانات السياسية التي تؤكد فيه رفضها لاستخدام مصطلح 'الجهاد' ضد إسرائيل زاعمة أنها ترى أن الأمور لم تنضج بعد وليس من الضروري أن تحذو الحركة الإسلامية حذو الفصائل الأخرى في المقاومة·
المثير أن قادة الحركة الإسلامية في فلسطين ارتبطوا بعلاقات تاريخية متميزة مع كبار المسؤولين الإسرائيليين الذين كانوا يدعمون الحركة لمواجهة قوة الفصائل الفلسطينية المختلفة التي اختارت نهج العمل المسلح في مواجهة إسرائيل، وكانت إسرائيل توفر لهؤلاء القادة الدعم اللازم والأموال لبناء مراكز الشباب الإسلامية وتنظيم الرحلات والأنشطة للابتعاد عن العمل المسلح ولإلهائهم عنه ·
غير أن تفجر الانتفاضة الأولى والسياسة الحديدية التي انتهجتها إسرائيل في التعامل مع الفلسطينيين واستمرار قادة الحركة الإسلامية في معارضة التوجه للعمل العسكري المسلح أدى لنشأة حركة حماس على يد الشيخ 'أحمد ياسين' والتي أطلق عليها البعض بأنها الجناح العسكري للحركة الإسلامية، وكان ذلك بمثابة خروج واضح على الخط العام للإخوان المسلمين الذي كان يتسم بالحذر والمحافظة ·
حتى أن قادة الحركة الإسلامية رفضوا تكوين حركة حماس ، الأمر الذي أدى لانفصال الشيخ أحمد ياسين وأبتعاده عنها وانتهاج سياسة الكفاح المسلح بعد ذلك، وهي السياسة التي استمرت إلى الآن ·
وعلى الرغم من تطور عمل حماس التي باتت أقوى من حركة الإخوان المسلمين ذاتها التي انحدرت منها إلا أن العديد من قادة الإخوان ظلوا على موقفهم رافضين نهج الحركة، وباتت أصوات هؤلاء القادة بارزة هذه الأيام مع فوز الحركة بالانتخابات زاعمين أنه قد أن الأوان لترك البندقية وحمل الحقائب السياسية للتفاوض·
الأخطر من ذلك كله هو أن إسرائيل تركت حماس لتفوز في هذه الانتخابات، وهو ما بات واضحاً مع الحرية التي كان أعضاء الحركة يتحركون بها في مختلف المناطق الفلسطينية باستثناء القدس، حيث كانت إسرائيل تستطيع التخلص من أي مسؤول في الحركة بسهولة سواء عن طريق عملائها المنتشرين في المناطق المحتلة أو قوتها العسكرية التي تستطيع الوصول لأي قائد في أي فصيل بأي وقت كما فعلت مع الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس والدكتور عبد العزيز الرنتيسي زعيم الحركة السياسي وعشرات الشهداء الآخرين ، بل أن إسرائيل كانت تستطيع من الأصل إلغاء الانتخابات وعدم السماح بتنظيمها إلا أن ما حدث هو عكس ذلك ، الأمر الذي يفرض بدوره تساؤلات حول مغزى التعامل الإسرائيلي مع الحركة خاصة، وأن تل أبيب توقعت ومنذ بدأ الحملة الانتخابية اكتساح حماس لهذه الانتخابات، وهو ما ظهر أما من خلال الكتابات الصحفية أو تصريحات المسؤولين الإسرائيليين·
الداخل الإسرائيلي
ولا يتغير الوضع بالنسبة للداخل الإسرائيلي حيث سنجد أن حكومة تل أبيب تعاونت بصورة وثيقة مع الحركة الإسلامية بها، وعلى سبيل المثال ترتبط هذه الحركة بجناحيها 'الشمالي ' الذي يعلن عن مقاطعته للأنشطة السياسية ورفض التعامل مع إسرائيل أو 'الجنوبي' الذي يدعم الاشتراك في العملية السلمية بعلاقات ودودة للغاية مع حكومة تل أبيب· وعلى سبيل المثال تسمح إسرائيل سنوياً للعشرات من أعضاء الجناح الشمالي ببناء المنشات والمرافق الإسلامية والاجتماعية المتعلقة بالأنشطة التي يقومون بها، بجانب السماح لهم بالحج إلى المملكة العربية السعودية بدون قيد أو شرط على الإطلاق· بالإضافة إلى سماح إسرائيل لأعضاء الحركة بالتواصل مع الجماعات الإسلامية في أوروبا والولايات المتحدة بل وتنظيم المهرجانات الشعبية في حرية، وعلى سبيل المثال تنظم الحركة سنوياً مهرجان الأقصى في خطر الذي يحضره العشرات من أبناء عرب إسرائيل أو الدول العربية ممن ترتبط بعلاقات مع تل أبيب· الأهم من هذا هو ارتباط أعضاء هذا الجناح بصفقات سرية مع الأمن الإسرائيلي، وعلى سبيل المثال لا الحصر أفرجت إسرائيل عن الشيخ 'رائد صلاح' رئيس هذا الجناح بعد مدة اعتقال وصلت لأكثر من ثلاثة أعوام بصفقة سرية كشفتها وسائل الإعلام الإسرائيلية والتي تقضي بأن يتم الإفراج عن الشيخ رائد صلاح مقابل عدم تواصله أو تعاونه مع أي من الحركات الإسلامية سواء في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو الدول العربية بدون الرجوع إلى إسرائيل، وهي الصفقة التي كشفت عن قبول صلاح نسبياً التعاون مع إسرائيل بل والجلوس مع قادة المخابرات والأجهزة الأمنية بها للاتفاق على أطر عامة لعمل الحركة الإسلامية ·
الجناح الجنوبي
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل يتعداه ليصل إلى تعاون أعضاء الجناح الجنوبي مع إسرائيل حيث يوجد للحركة أعضاء في الكنيست مثال الشيخ عبد الملك دهامشة (أبو يحيى) الذي كان سلوكه في الكنيست أبرز دليل على التعاون العربي مع الحكومة الإسرائيلية السابقة بزعامة رئيس الوزراء المريض إرئيل شارون، ومن ابرز أشكال هذا التعاون دعم (أبو يحيى) ترشيح الرئيس الحالي وعضو حزب الليكود المتشدد موشيه كتساف للفوز بمعركة الرئاسة حيث كان كتساف يتنافس مع عضو حزب كديما الحالي شمعون بيريس المعروف نسبياً بالاعتدال مقارنة بمواقف كتساف أو الليكود ،غير أن أبو يحيى دعم كتساف ليرجح فوزه بمعركة الرئاسة وسط ذهول العديد من الإسرائيليين أنفسهم·
ويرى أعضاء الجناح الجنوبي المؤيد للتعامل مع إسرائيل أن المعركة مع تل أبيب يجب أن تكون سياسية في الأساس ولا يجب التطرق فيها للقوة العسكرية إطلاقاً ·
ويعترف الشيخ 'إبراهيم صرصور' رئيس الجناح الجنوبي للحركة في حواره مع 'الاتحاد' بأهمية هذه النقطة زاعماً أن الإسلاميين في الكنيست على سبيل المثال يحصلون على حقوقهم السياسية أفضل من أي برلمان عربي أخر· ويضيف صرصور أن الجهاد ضد إسرائيل يجب أن يكون سياسياً في الأساس وليس عسكرياً لأن العمليات العسكرية التي تقوم بها المنظمات الإسلامية المسلحة في العالم أثبتت فشلها وقصر نظرها· ومهما كانت كلمات صرصور أو المعطيات التي تتناقلها وسائل الإعلام أو الكتابات سواء في فلسطين أو إسرائيل فإن فوز حماس فرض على الحركة ضرورة التعامل سياسياً مع إسرائيل وفرض الجلوس مع حكام تل أبيب للتوصل للحلول المختلفة إزاء الكثير من القضايا المصيرية المختلفة للشعب الفلسطيني خاصة وأن الانتصار الساحق الذي حققته الحركة يظهر أن عهد حركة فتح ولى ولن يعود خاصة في ظل الفساد الذي سيطر على المناطق الفلسطينية في ظل عهدها، الأمر الذي سيجعل ' الوجه الحمساوي' هو الوجه البارز في التعامل السياسي الفلسطيني خلال الفترة المقبلة، وهو التعامل الذي لن يقلل من التاريخ النضالي المتميز الذي كتبته الحركة وأعضاؤها بدمائهم التي غذت الأراضي الفلسطينية وسببت قلقا بالغا لإسرائيل·
وبالتالي باتت حركة حماس وبفوزها في الانتخابات الفلسطينية الحالية أمام عدد من التحديات، وهي التحديات التي ستفرض عليها ضرورة التعامل ' السياسي' مع العالم الأمر الذي سيدخل حماس في مرحلة جديدة من الصراع الواجب أن تستعد له وتحشد له القوى من الآن·

اقرأ أيضا

استشهاد فلسطيني متأثراً بإصابته برصاص الاحتلال شمال غزة