الاتحاد

رمضان

حزب الوفد يدخل نفق التجميد


القاهرة ـ 'الاتحاد': هناك حالة ارتياح في الشارع المصري للتطورات التي شهدها حزب 'الوفد' المعارض مؤخرا· ومصدر الارتياح ليس إقصاء الدكتور نعمان جمعة عن رئاسة هذا الحزب العريق ولا اعتلاء محمود أباظة مقعد الرئاسة حتى تختار الجمعية العمومية رئيس الحزب بالانتخاب يوم العاشر من فبراير القادم·
مصدر الارتياح هو ما حدث في حزب 'الوفد' ولا علاقة له بالأشخاص أو الأسماء وهناك ما يشبه الأمل لدى الناس بان تحذو كل الأحزاب حذو الوفد وتجري عمليات إصلاح وغربلة وفرز ومنها الحزب الوطني نفسه ومصدر الارتياح أيضا سببه الشعور بالملل والرتابة وجمود الحراك السياسي الذي كان صاخبا طوال عام 2005 وما لبث ان دخل مرحلة البيات الشتوي مع انتهاء انتخابات البرلمان والتغيير الوزاري وبدء العام الجديد·
حزب 'الوفد' ألقى حجرا في المياه الراكدة وهو حجر كبير للغاية بعد ان فقد الناس الأمل في أحزاب المعارضة التي سقطت عنها ورقة التوت في الانتخابات البرلمانية الأخيرة وجاء صعود الإخوان المسلمين المدوي واحتلالهم ثمانية وثمانين مقعدا في البرلمان بمثابة شهادة الوفاة للتجربة الحزبية المصرية· حيث اختار الناس جماعة خارج عباءة الشرعية ليقولوا لا لكل الأحزاب بما فيها الحزب الوطني نفسه·
وقد كان هناك شبه يقين لدى الناس حتى لدى قيادات كبيرة في حزب 'الوفد' بأن الدكتور نعمان جمعة سيقدم استقالته من رئاسة الحزب عقب النتيجة المخزية التي حققها في انتخابات رئاسة الجمهورية لا لأنه لم ينافس بقوة الرئيس مبارك الذي كان فوزه محسوما قبل الانتخابات ولكن لأن نعمان لم يقو حتى على منافسة تلميذه الدكتور أيمن نور ليأتي نور وصيفا ونعمان ثالثا بفارق كبير في الأصوات رغم ان نعمان كان قد أصدر قرارا بفصل أيمن نور من حزب 'الوفد' ليشكل نور حزب 'الغد' ويرد بضربة قوية على نعمان ويقهره في انتخابات الرئاسة·
وأكد كبار حزب 'الوفد' ان، نتيجة انتخابات الرئاسة لم تسيء إلى نعمان بقدر ما أساءت لحزب الوفد وتاريخه العريق· وقالوا إن أداء الدكتور نعمان في الانتخابات الرئاسية كان سيئا ومتدنيا للغاية وزاد نعمان الطين بلة بعد الانتخابات الرئاسية بإقدامه على قرارات انفعالية غير مدروسة أهمها قرار فصل منير فخري عبدالنور من عضوية الحزب وكل تشكيلاته، وكان عبدالنور قد خرج لتوه خاسرا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة·
وكان قرار فصل عبدالنور هو القشة التي قصمت ظهر البعير وعجلت بنهاية الدكتور نعمان جمعة لأن حزب 'الوفد' على مدى تاريخه هو حزب العائلات العريقة التي قام الحزب على أكتافها قبل أن يكون هناك أي وجود سياسي أو حياتي للدكتور نعمان جمعة وأهم عائلات الوفد العريقة على الإطلاق عائلات بدراوي وأباظة وعبدالنور وسراج الدين وفخري عبدالنور الجد الأكبر لمنير والذي كان رفيقا لزعيم الوفد الأول سعد زغلول في كفاحه ومنفاه·
ومشكلة نعمان جمعة انه ظهر لأول مرة على الخريطة السياسية عام 1977 عند إعادة الحياة الحزبية في مصر واختار أن يكون ظلا لزعيم الوفد الراحل فؤاد باشا سراج الدين·
إقصاء العائلات
وعندما رحل الباشا تصدى الدكتور نعمان لرئاسة الحزب وجاءت به الانتخابات بعد أن وعد بتداول الرئاسة في الحزب وتغيير اللائحة الداخلية والنظام الأساسي لكي لا يسمح بأن يتولى احد رئاسة الحزب أكثر من فترتين متتاليتين·· ومضت السنوات تباعا ونسي الدكتور نعمان وعوده وظل على مقعد رئيس الحزب والمشكلة الأكبر التي وقع فيها انه راح ينفرد بالسلطة المطلقة في الحزب والصحيفة وهذا كله مقدور عليه ويمكن تجاوزه ولكن الأدهى أنه بدأ مخططا غير مدروس وغير حكيم لإقصاء عائلات الوفد العريقة وتهميشها وفعل ذلك مع عائلة أباظة ممثلة في الراحل إبراهيم الدسوقي أباظة وعائلة بدراوي ممثلة في فؤاد بدراوي وأخيرا عائلة عبدالنور ممثلة في منير فخري عبدالنور·
وجاءت سلوكيات جمعة في توقيت غير جيد أيضا فقد بدأ استبعاد العائلات العريقة من الوفد في الوقت الذي بدأ فيه الحزب الوطني وحكومته الاستعانة بالعائلات العريقة حيث دخل الحكومة الجديدة وزراء من ثماني عائلات كبرى منها عائلة أباظة ممثلة في ابنها أمين أباظة شقيق محمود أباظة الذي قاد الانقلاب ضد نعمان جمعة واحتل مقعد رئيس حزب الوفد·
والمعركة بين أباظة ونعمان ليست متكافئة على الإطلاق وتميل كفة الميزان فيها لصالح محمود أباظة فبينما سقط نعمان سقوطا مدويا في انتخابات الرئاسة نجح محمود أباظة نجاحا مدويا في الانتخابات البرلمانية واسقط يحيى عزمي شقيق الدكتور زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية·
وقد ظهرت بشائر الانقلاب على نعمان جمعة مبكرا عندما خسر منير فخري عبدالنور مقعده البرلماني في دائرة 'الوايلي' بالقاهرة وفصله نعمان جمعة من 'الوفد' فذهب عبدالنور إلى الشرقية وهو مفصول وظل طوال اليوم في دائرة محمود أباظة يسانده حتى فاز في الانتخابات البرلمانية·
والأهم في الموضوع أن طرفي النزاع على رئاسة حزب الوفد محمود أباظة ونعمان جمعة أرسلا الأوراق والمستندات والحيثيات التي تدعم موقف كل منهما إلى لجنة شؤون الأحزاب التي اجتمعت واتخذت قرارا هلل له أنصار محمود أباظة حيث قالت إن ما حدث في الوفد شأن داخلي لا علاقة للجنة به وبذلك غسلت لجنة الأحزاب يديها تماما من أزمة حزب الوفد وتركت نعمان جمعة يواجه مصيره وهو في كل الأحوال مصير لا يرضيه·
بداية أم نهاية؟
ولم تفلح محاولات نعمان جمعة في استرداد عرشه ليلة الانقلاب عليه· فقد قرر الاعتصام في مكتبه وطلب من منزله بطانية وملابس وطعاما وبذل أحمد ناصر المحامي وعضو الحزب البارز محاولات وساطة بين الفريقين المتصارعين لكن محاولاته لم تفلح واستعان ببعض أنصار محمود أباظة ومنهم محمد سرحان نائب رئيس الحزب والسيد البدوي السكرتير العام بابنة الدكتور نعمان جمعة لإقناعه بفض اعتصامه والامتثال لقرارات الهيئة العليا للوفد ومنها قرار اقصائه عن الرئاسة وأرسلت ابنة نعمان زوجها الدكتور سامي عبدالعزيز أستاذ الإعلام الذي دخل غرفة مكتب الدكتور نعمان وأقنعه بعد جهد جهيد بفض اعتصامه وخرج نعمان من مكتبه وسط حراسة مشددة خوفا على حياته من شباب حزب 'الوفد' الساخطين عليه· اما الدكتور نعمان جمعة فأكد انه الرئيس الشرعي لحزب الوفد وسوف يتصرف كأن شيئا لم يقع· وقال إن قرارات أباظة ليست لها قيمة وانه مجرد طامع في الاستيلاء على الحزب وانه استعان بالمفصولين وغير الأعضاء لقيادة الحملة ضد الرئيس الشرعي· وأكد أنه لم يكن ديكتاتورا ولم يستأثر بالسلطة المطلقة في الحزب لكن الأمور ينبغي أن تدار بحزم وهذا ما حدث· وقال انه لا مصالحة مع محمود أباظة· ورد محمود أباظة مؤكدا أن رئاسة نعمان لحزب الوفد انتهت وأن إقالته لم تستغرق أكثر من عشر دقائق لأن كل تشكيلات الحزب تقف ضده وكانت تطالب دائما برفع قبضته الحديدية عن الحزب وصحيفته فقد انشأ نعمان جمعية عمومية وهمية لردع حركة الإصلاح بالحزب وتعامل مع صحيفة الحزب كأنها ملكية خاصة·
ويبدو أن مصير حزب 'الوفد' سيبقى معلقا لفترة ليست بالقصيرة وربما يواجه مصير أحزاب أخرى قادها صراع السلطة والتنافس على المناصب إلى التجميد والخروج من الخدمة والحياة السياسية·
ولا شك أن الحروب القضائية هي النفق المظلم الذي تنجرف إليه الأحزاب في طريقها الى التجميد· وقد دخل حزب 'الوفد' هذا النفق عندما لجأ الدكتور نعمان جمعة إلى النيابة التي أصدرت قرارا بتمكينه من دخول مقر حزب الوفد ومزاولة عمله كرئيس للحزب وكأن شيئا لم يكن· وسارع محمود أباظة إلى عرض الأمر على القضاء المستعجل ولكن محاولته باءت بالفشل وأكدت النيابة أن قرارها نهائي ولا رجعة فيه، وهو ما يصب في صالح الدكتور نعمان جمعة، ومرة أخرى لجأ محمود أباظة إلى النائب العام المستشار ماهر عبدالواحد في محاولة لإقناعه بأن قرار النيابة العامة بتمكين جمعة غير ذي سند لأنه تعد على سلطات الهيئة العليا للوفد التي أصدرت قرارها بفصل جمعة وحتى الآن مازال قرار النيابة بتمكين نعمان جمعة من دخول مقر الحزب حبرا على ورق· وبعد أن وصلت جهود الوساطة لحل الأزمة وديا إلى طريق مسدود قررت الهيئة العليا للحزب دعوة الجمعية العمومية لاجتماع طارئ في العاشر من فبراير لانتخاب رئيس جديد للحزب حتى الأول من يونيو 2007 · وقال أباظة انه لن يسمح لنعمان بخوض الانتخابات لأنه عضو مفصول من الوفد وانه سيسير في الطريق القضائي إلى نهايته·

اقرأ أيضا