الاتحاد

ثقافة

ماريا سانتوس- سنز: البير كامو صحافي مستقيم ومتمرِّد

البير كامو

البير كامو

إعداد وترجمة - أحمد عثمان

في كتابها «آلبير كامو صحافياً» الصادر قبل أيام قليلة عن مطبوعات آبوجيه الباريسية، ترسم الأكاديمية الفرنسية ماريا سانتوس- سنز بورتريهاً نقدياً عن كاتب اختصر كثيرون عمداً نتاجه في روايته «الغريب». «كتاب أتى في موعده»، حسب كلمات مؤلفته وآراء القراء، الذين تسكنهم نوستالجيا صحافة الأفكار. تلقي مؤلفته، المدير الأسبق لمعهد الصحافة ببوردو، الضوء على هوى كامو لمهنة الصحافة.
مبكراً، منذ مقالاته القصيرة الأولى في «آلجيه روبيبليكان» (الجزائر الجمهورية) إلى تحقيقاته عن «البؤس في منطقة القبائل»، مروراً بمعاركه ضد الرقابة، كان صحافياً ملتزماً مدافعاً عن النقد والأفعال في آن واحد، لم ينس يوماً ما كونه «الطفل الفقير»، كما كتب إلى معلمه لوي جيرمان بعد حصوله على جائزة نوبل.
كامو.. لكن جديد
* ما الذي تعلمته من الغوص في قلب مقالات آلبير كامو المنشورة في «آلجيه روبيبليكان»، «باريس-سوار» (باريس-المساء)، «كومبا» و«لكسبريس»؟
** اكتشفت كامو جديداً. حينما يكون المرء صحافياً، يعرف كامو المحرر، محرر صحيفة «كومبا»، التي تعتبر مرجعه. ولكن نعرف نوعاً ما كامو المخبر الصحافي، الكاتب القانوني، المحقق، حتى وإن لم تكن هذه الكلمات عصرذاك مستعملة. المرحلة الأولى من مسيرته الصحافية تتبدى أكثر راهنيّة، أكثر شغفاً. وهي تلك التي كتب فيها تحقيقاته عن أماكن لا يعرفها أحد. حينما زار منطقة القبائل في عام 1939 لعشرة أيام، لم يكن أحد يتكلم عنها، ولا يهتم أحد بها. اهتم كامو بما لا يرى. حقق مسعاه أصداء واسعة (...) قرر كامو التحقيق ميدانياً بطريقته. جمع معلومات كثيرة : أجور الفلاحين، عدد المدارس، نسبة الأطباء إلى مجموع السكان. وحينما يخطئ، يصوب الخطأ، وهذا لا يقوم أحد به في الصحافة.
* ذكرت أنه كان يعمل محرراً صغيراً في «آلجيه روبيبليكان» في سن كان معظم الصحافيين يعملون متدربين. هذه الصحيفة خدمت هواه الصحافي. أليست الصحافة أيضا لدى كامو نشيدا للتدريب والتجربة المهنية
** نعم، ولكنه كان يمتلك خلفية كبيرة. كان يبلغ 25 عاماً، ولديه نضج مبكر، ولهذا السبب تولاه لوي جيرمان، معلمه الأول، برعايته وساعده على الخروج من طبقته الاجتماعية. كان ينتمي إلى عائلة أمية تتحدث خليطاً من الفرنسية ولهجة المينورك. أمه صماء وأمية، تعمل خادمة. خلال الصيف كان يعمل، وحينما كان طالباً أعطي دروساً خصوصية. بدأ العمل مبكراً. وبفضل منحة، تمكن من متابعة دراسته في ليسيه الجزائر.
* إذن، مهنته تحية لمدرسة الجمهورية.
** نعم، يقال آنذاك إن المصعد الاجتماعي معطل، ولذا من المثير النظر إلى تعليم وارتقاء كامو. في بيته، لم يكن هناك كتاب واحد، بيد أنه نمّى ذوقه للقراءة بالذهاب إلى المكتبة. وبمساعدة معلمه الأول وآخرين، من ضمنهم جون غرونييه الذي درسه الفلسفة، تكوَّن واكتسب رأس مال ثقافي. وجهه لوي جيرمان نحو تعليم لغوي وكتابي صارم. راقب تراكيبه اللغوية، مفرداته، ولم يترك شيئاً يمر من دون ملاحظة. كان يعطي دروساً خصوصية مجانية لكامو وثلاثة تلامذة آخرين لكي يساعدهم في اجتياز امتحان المنحة للدخول إلى الليسيه. ودوما حيا كامو هؤلاء الأشخاص الذين كونوه.
مستقيم وذو بصيرة
* بقراءة كتابك، يثير دهشتنا استقامته وبصيرته.
** حين شعر بصعود الفاشية، بدأ من توه معاركه من أجل الديمقراطية. في 1935، انتسب إلى الحزب الشيوعي، وبعد عامين تم فصله. في هذه اللحظة، رفض الدوغمائيات والنزعة المانوية. ظل موسوماً كثيراً بموت والده في معركة المارن في 1914. ترك الموت له إرثاً: السلمية. ولهذا ظل الصحافي الغربي الوحيد الذي استنكر قصف هيروشيما وناجازاكي،بدلاً من رفض البربرية، هلل زملاؤه للانتصار التقني.
* استللت جملة لكامو: «أستعمل كلمات قليلة لكي أصف ما أراه». كيف تصفين الأسلوب الصحافي لكامو؟
** إنه نفسه أسلوب كامو الأدبي. حينما نقرأ «الغريب»، تصيبنا الدهشة من الحيادية في الكتابة.
* هناك شيء ثانوي، وهو طريقته في العمل بروح الفريق. قلت إنه «زميل عمال المطابع».
** كان يؤمن بروح الفريق. يحب كرة القدم والمسرح، والبسطاء، لا يشعر بالراحة مع القادمين من السرايات. كان محتقراً من «النخبة»، ومن ضمنهم سارتر الذي رآه عصامياً وغير مبرز مثله. يشعر بالراحة مع المصححين، عمال المطابع الذي يعملون طوال الليل في تجهيز الصحيفة. وعندما توفي، نشرت نقابات عمال المطابع والمصححين كتاباً عنه «آلبير كامو، أصدقاؤه في الكتاب».

درس للصحافيين
* ما هو دور الصحافي بالنسبة له؟
** دافع عن حق الإعلام كحق مواطنة، وليس كمزية مهنية. الصحافة مدرسة الحياة والأخلاق، ولذا رأى ضرورة عمل صحافة أخلاقية، فكرية نقدية. صحافة شريفة تقيم روابط مع المصداقية المفقودة. كان رائد المطالبات الأدبية للصحافيين. تكلم أيضاً عن المسؤولية الاجتماعية للصحافيين: الاهتمام باللغة، إقصاء الادهاشية، لمساعدة القارئ على تنمية عقله النقدي. في الواقع، الصحافة بالنسبة له شيء من العودة إلى الجذور والاقتراب من الناس الحقيقيين. كان صحافياً متمرداً.

 

 

اقرأ أيضا

أمل المهيري: كتابي الجديد عن الثمانينيات في الإمارات