الاتحاد

دنيا

«ضريبة استهلاك الصودا» تجنب الأميركيين 26 ألف وفاة مبكرة

منتجات الصودا هي سكاكر سائلة غنية بالسعرات الحرارية وفقيرة من حيث القيمة الغذائية

منتجات الصودا هي سكاكر سائلة غنية بالسعرات الحرارية وفقيرة من حيث القيمة الغذائية

عادت ضريبة الصودا مرةً أخرى إلى طاولة النقاش في المجتمع الأميركي. يقول المؤيدون هذه المرة، إن فرض سنت واحد عن شرب كل 30 ميليلترا من المشروبات الغازية لن يؤدي فقط إلى توفير 13 مليار دولار سنوياً، بل أيضاً إلى ادخار 17 مليار دولار التي تُصرف سنوياً في علاج مشكلات صحية يُسببها تناول هذه المشروبات، وعلى رأسها أمراض القلب والسكري. وقد وردت هذه الأرقام ضمن محتويات العدد الأخير من مجلة «شؤون صحية» بناءً على بعض الوقائع والعديد من الافتراضات.

وفق بيانات صناعة المشروبات، تناول الأميركيون في سنة 2009 فقط أكثر من 52 مليار لتر من المشروبات الصناعية الموزعة على مشروبات الصودا الغازية ومشروبات الطاقة والعصائر المعلبة والشاي المحلى وبقية المشروبات الغنية بالسعرات الحرارية والفقيرة من حيث القيمة الغذائية. وهذا يعني أن كل مواطن أميركي استهلك حوالي 70 ألف سعرة حرارية. ويعتبر اختصاصيو التغذية أن السكر الموجود في هذه «السكاكر السائلة» يُعد من أكثر العوامل المسببة لأزمة السمنة التي تُؤدي بدورها إلى الإصابة بالسكري نوع 2 وأمراض أخرى.
وبناءً على دراسات سابقة لفاعلين اقتصاديين ودراسة «الشؤون الصحية» التي شارك فيها باحثون من جامعة كولومبيا وفيرجينيا تيك»، فإن من شأن فرض ضريبة بقيمة سنت واحد على كل 30 ميليلترا من الصودا التقليل من استهلاك مشروبات الصودا بنسبة 15%. ويفترض هؤلاء الباحثون أيضاً أن 40% من السعرات الحرارية التي يحصل عليها الجسم عبر التقليل من استهلاك مشروبات الصودا ستكون حافزاً لتعويضها بشرب كميات أكبر من الحليب والعصائر الطازجة والماء.
ويقول هؤلاء الباحثون، إن فرض ضريبة كهذه على شُرب الصودا سيؤدي إلى تقليل الأميركيين البالغين ما بين 25 و64 سنةً من استهلاكها بمعدل 9 سعرات حرارية يومياً. وهو ما يُمكن أن يؤدي مع الوقت إلى إنقاص وزن كاف وتقليل عدد الراشدين البُدناء بحوالي 867 ألف خلال عشر سنوات.
واستخدم الباحثون كذلك نماذج تجريبية افتراضية للتنبؤ بأن التقليل من استهلاك المشروبات الغازية المحلاة يمكنه أن يمنع ظهور 2,6% من إصابات السكري الجديدة. وخلال فترة عشر سنوات، يمكن أن يُترجَم تراجع نسب السمنة والسكري إلى انخفاض حالات الإصابة بداء شريان القلب التاجي بمعدل 95 ألف حالة، وانخفاض الإصابة بالسكتات بمعدل 8 آلاف حالة، وتراجع عدد الوفيات المبكرة بمعدل 26 ألف حالة، بالإضافة إلى ما يصحب ذلك من توفير أكثر من 17 مليار دولار من المصروفات الطبية عن هؤلاء المرضى المحتملين في الولايات المتحدة الأميركية وحدها.
وعند استعراض الفوائد الجمة المحتملة التي يمكن أن يجلبها التقليل من استهلاك مشروبات الصودا، يُصبح من السهل تفهم نداءات الأطباء وخبراء الرعاية الصحية وصناع القرار بفرض ضريبة على استهلاك مشروبات الصودا. غير أن الدعم السياسي لتطبيق إجراء كهذا يبقى ضعيفاً في أحسن حالاته. فدُعاة التحرر من القيود ومدمنو الصودا والمعارضون بشراسة لفرض ضريبة ضد استهلاك الصودا لا يملون من تكرار لازمة ضمان الحرية في الاستهلاك ورفض أي وصاية عليهم فيما يتناولونه، وأنْ لا حق لأي جهة أن تُملي عليهم ما يستهلكون من مأكولات ومشروبات، فذاك يُعد في نظرهم اختياراً خاصاً وقراراً شخصياً لا يقبلون أن يتخذه غيرهم.
وإذا قاربنا الأمر من زاوية جدلية، فإن المدافعين عن حق تقرير الاستهلاك هم من سيفوزون في نهاية المطاف. ويكفيهم في ذلك أن يسوقوا الحجة التي تفيد بأن الصودا قد تكون «أول الغيث» في سلسلة المنتجات الاستهلاكية التي تستهدفها الضرائب بدعوى تشجيع المواطنين الأميركيين على اتباع أنظمة غذائية صحية والحفاظ على لياقتهم والإكثار من ممارسة الرياضة. لكن الأرقام والإحصاءات تشير بالمقابل إلى أن الأميركيين بشكل عام لا يهتمون بما يكفي بمسألة وقاية أنفسهم من الأمراض المحدقة بصحتهم نتيجة اتباعهم عادات غذائية سيئة، لا عاجلاً ولا آجلاً.
وهناك تكاليف مرتبطة بهذه القرارات لا تجد لها ترجمةً حقيقيةً وواقعية مع السعر الذي يدفعه كل شخص للحصول على مشروب غازي، بل العكس هو الصحيح، إذ إن إرفاق كل وجبة بمشروب صودا في معظم مطاعم الوجبات السريعة بسعر زهيد أو مجاناً يجعل غالبية المستهلكين لا يُفرطون في شربه حتى لو كانوا يعلمون أضراره. وهو الأمر الذي يقول منجزو دراسة «شؤون صحية»، إنه وضع غير سوي يجدُر تغييره عبر فرض سنت واحد مقابل استهلاك كل 30 ميليلتر صودا على الأقل، مشيرين إلى أن إجراءً كهذا من شأنه أن يُعيد الأمور إلى نصابها ويُرَشد استهلاك هذه المشروبات أو يُقلل منها.
ولكن الباحثين يعترفون والحال هذه بأن ما ينقصهم هو الدليل القاطع الذي يمكنه الحسم والجزم بأن رفع أسعار المشروبات الغازية سيُشجع الناس على تبني اختيارات غذائية صحية أكثر. فالدراسات السابقة توصلت فعلاً إلى أن فرض ضرائب عالية على مشروبات الصودا من خلال رفع أسعارها يؤدي إلى تقليل استهلاكها، لكن ليس بالشكل الكافي الذي يُؤدي إلى إنقاص مُعتبَر في مؤشر الكتلة الجسمية. ويرى البعض أن قيمة الضرائب المقترحة ضئيلة، بحيث يصعب التعويل عليها في إحداث تغيير حقيقي وخلخلة العادات الاستهلاكية السيئة. ويرى آخرون أن فرض الضريبة لن يُغير من الأمر شيئاً ما لم يكن هناك وعي حقيقي بأضرار هذه المشروبات متبوعاً بإرادة صلبة، ويضربون على ذلك مثال الضرائب العالية المفروضة على منتجات التبغ والتي اعتُمدت بهدف تقليل معدلات التدخين، لكنها لم تُحقق إلى الآن الهدف من فرضها، ولا هي دفعت المدخنين إلى الإقلاع عن التدخين! ولذلك فإن فكرة فرض ضريبة على استهلاك الصودا قد لا تذهب بعيداً في الولايات المتحدة الأميركية، ولو أنه بدأ تطبيقها في بعض الدول. ويبقى الرهان قائماً على أن تتجرأ الجهات المختصة يوماً ما في تطبيق إجراءات وتدابير أكبر جرأةً وأوسع نطاقاً لاختبار مدى إمكانية تطبيقها في الواقع اليومي المعيش، ولكن بعد إقناع جُدران المقاومة المجتمعية واللوبيات العملاقة الأخطبوطية لصناعة مشروبات الصودا.

هشام أحناش
عن «لوس أنجلوس تايمز»

اقرأ أيضا