الاتحاد

دنيا

نبتة الضمير

كثيراً من نتفاجأ نحن الكبار بأن أحد الأبناء ينبهنا إلى ما هو خطأ في حياتنا، فعندما يريد الأب في ظرف معين ـ مثلاً ـ أن يعبر الشارع من غير مناطق عبور المشاة، نجد الابن يتدخل ويقول «لا»، وقد تقوم معركة بين الأب والابن، فالأول يستكبر أن «يعلمه» الصغير بعض القواعد التي علمه إياها وتناساها عمداً. فما دمنا نحن الكبار مصدر «الحق والواجب» والخير والاثم، وما دمنا نحن الذين نعلم الصغار كيفية التمييز بين الصحيح وغير الصحيح - فكيف يتأتى لنا أن نقبل توجيه الصغير؟
من الأهمية أن ننصح بأن نعترف بالخطأ إذا أُرتكب لأن هذا يسعد الطفل كثيراً، ويقوي في أعماقه القدرة على الضبط الاجتماعي، ويمده بالسعادة لأنه يعرف أننا نحن الكبار لم نعد المصدر الأساسي للتعليمات، وإنما أيضاً يستطيع أن يلقي بالتعليمات إن لزم الأمر. إن ضمير الابن هنا قد نمى باعترافنا له بالخطأ، إنه يبدو كالقاضي الذي لا يقبل أي مخالفة لقانون الضمير، فالعالم عنده أبيض أو أسود.
إن الضمير أساس مهم في عملية نمو الطفل، إنه يحاول بكل وسيلة أن يستقل عن أسرته، ويحاول أن «يسترضي» السماء في أفعاله، ويتقبل وجود الخالق فهو أكبر من الجميع بما فيهم أسرته، بل يجد الطفل في قواعد الدين ما يؤكد له شخصيته، وتبدأ عبادة الله كأساس مهم من أسس تكوين الشخصية المستقلة عن الوالدين. وهكذا نجده خلال رحلة الأعوام الستة التي تبدأ من العام السادس وتنتهي عند العام الثاني عشر، ينمو خلال هذه المرحلة من خلال نمو مشاعر الحب، وتعلم قواعد الأخلاق، وتنمية القدرة على الضبط الاجتماعي بدءاً من تعلقه بالأم وانتمائه إلى الأب، ثم خروجاً من دائرة الأم والأب إلى عالم الاستقلال الشخصي، والقدرة على إدراك العالم الخارجي.
إن نجاح دور الأب هنا يتوقف على كيفية التوازن بين دوره كأب، ودوره كصديق للابن، يثق فيه ويرتاح إليه، ويوجهه دون قسوة أو تسلط عند حاجتة إلى التوجيه، ويوجهه أيضاً في قسوة مغلفة بالحب والحماية، إذا تطلب الأمر ذلك. ويجب أن نتعامل مع الطفل على أنه شخصية مستقلة، ومن أولوياتنا أن نجتهد لصيانة وحماية وتعزيز هذه الاستقلالية التي تأتي كإفراز طبيعي لنموه العقلي والوجداني والعاطفي والانفعالي، ولأن ذلك ينمي في الطفل بذور الإحساس بالرجولة والمسؤولية والكرامة ومعرفة الصواب من الخطأ.
إن الرحلة التي يقطعها الطفل في هذه السنوات تمر في الظاهر بالتمرد على قوانين الأسرة، لكنه تمرد يحوي في داخله احساساً بالمسؤولية الاجتماعية، فهو يتدرب على الدور المطلوب منه في المجتمع، ويبحث عن موهبته، ويبحث عن إيمانه، ويبحث عن الصداقات التي يرتبط بها. وكلما عاملنا الطفل على أنه كائن مستقل، كلما استجاب لما نتمناه منه في نظافته، وقواعد السلوك، والقيام بالواجب، والقدرة على التعامل مع المجتمع. وكلما دخلنا معه في مناقشات لا نسيطر فيها بالرأي، ولكن نشرح له التجربة، فكلما ازدادت صداقته لنا كلما كان بوسعنا أن نساعده في اجتياز رحلة الاستقلال عنا، وكلما نضجت آلة أو جهاز الضبط الداخلي الخاص به، وهو «الضمير».

المحرر | khourshied.harfoush@admedia.ae

اقرأ أيضا