الاتحاد

الاقتصادي

سيناريو من أربعة محاور للحد من اعتماد الغرب على النفط والغاز


اعداد- أيمن جمعة:
قبل نحو عام شارك روبرت ماكفرلين مستشار الأمن القومي الأميركي في عهد الرئيس الأميركي رونالد ريجان في حملة دعائية شملت كل أرجاء الولايات المتحدة لإقناع الرأي العام بضرورة الاستعداد الجدي تحسباً لاحتمال حدوث أمرين قد يقوضان النمو الاقتصادي العالمي وذلك من خلال التأثير في سعر واستقرار أسواق الطاقة·· الاحتمال الأول·· تنامي الطلب بشكل غير متوقع على النفط في الصين والهند وغيرهما من الدول الناشئة·· والثاني·· احتمال حدوث اضطرابات في إمدادات النفط الواردة من منطقة الخليج التي تزود العالم بالجانب الأكبر من احتياجاته بسبب التوترات الإقليمية أو وقوع هجمات إرهابية·
وعادت هذه التحذيرات لتطل برأسها بقوة على الساحة الأميركية مع ارتفاع أسعار النفط فوق 60 دولاراً للبرميل في وقت لا يتوقع فيه أحد تقريباً ان تتراجع الأسعار الى ما دون 50 دولاراً· ويرى الأن راسمو استراتيجيات الطاقة الأميركية ان الوضع لا يحتمل أي تأخير أو تهاون في ظل الأحاديث المتواترة عن حجم الاحتياطيات الدولية المثبتة من النفط ونفقات الانتاج المتوقعة عندما يصل الطلب الى أقصى مستوياته· ويتوقع أغلب الخبراء أن نصل الى هذه الذروة خلال فترة تتراوح بين 25 و30 عاماً·
ويقول ماكفرلين في مقال نشرته صحيفة 'فاينانشال تايمز' إن حدوث أي هجوم على منشأة نفطية ضخمة من شأنه أن يقلص الإمدادات المتدفقة على السوق بما إجماليه أربعة ملايين برميل يومياً وبالتالي رفع الأسعار وبشكل مباشر لتتجاوز حاجز 100 دولار· ويتوقع ماكفرلين أن مثل هذا الاضطراب قد يستمر لنحو عام وقد يؤدي خلال أسابيع فقط الى تداعي الاقتصاد الياباني الذي يستورد كل احتياجاته من الطاقة·· وأن يؤدي خلال فترة أخرى ليست بالطويلة الى تقوض اقتصاديات غربية أخرى رئيسية·
ويرى المسؤول الأميركي السابق أن هذا السيناريو لم يعد مجرد تكهن نظري بل حقيقة يدركها كثيرون من خبراء صناعة النفط والحكومات الغربية· وهو ينطلق من هذه النقطة ليسأل الإدارة الأميركية عن السبب الذي لا يجعلها تقوم بإجراء دراماتيكي من نوعية 'لماذا لا نعمل لإنهاء اعتمادنا على النفط؟'·
ورغم ان الرئيس الأميركي جورج بوش تحدث مراراً وبشكل صريح عن مخاطر الاعتماد بشكل مبالغ فيه على النفط الأجنبي واقترح عدة إجراءات لمواجهة هذه المعضلة وفي مقدمتها زيادة الانتاج الأميركي في بعض المناطق التي لم تدخلها الاستكشافات بشكل كبير بما في ذلك الاسكا نفسها·· رغم هذا فإن ماكفرلين لا يعتقد أن هذه الإجراءات تكفي لنزع فتيل الأزمة، وهو يرى أن الأنباء الطيبة تكمن في التكنولوجيا الحديثة التي يمكنها أن تنهي وللأبد الاعتماد الأميركي على النفط الأجنبي خلال فترة 20 عاماً·
سيناريو الخلاص
ويضع ماكفرلين سيناريو من أربع خطوات لتحقيق استقلال قطاع الطاقة الأميركي··
الأول: إنهاء الاعتماد على البنزين لصالح استخدام مزيج من الايثانول والميثانول والبنزين· وقد أظهرت البرازيل بالفعل أن الايثانول المستخرج من قصب السكر يمكن ان يكون مصدراً تنافسياً عندما يقفز سعر النفط فوق مستوى 45 دولاراً للبرميل· وغالبية السيارات البرازيلية تسير الأن باستخدام مزيج من الايثانول والبنزين والذي يتكلف انتاجه 1,75 دولار للجالون الواحد· ويمكن انتاج الميثانول من الفحم (والولايات المتحدة تملك من الفحم مثل ما تملكه السعودية من النفط والثروة الكربوهيدراتية) وذلك بتكلفة 50 سنتاً للجالون· ولتحقيق هذا الأمر يتعين وضع خطة للمحركات التي تعمل بالديزل لكي تعمل باستخدام الديزيل المنتج من مصادر متجددة والفحم·
الثاني: البدء في إنتاج السيارات والشاحنات القادرة على العمل باستخدام طائفة متنوعة من الوقود· ونصف السيارات التي تباع في البرازيل حالياً تستطيع التحرك بأنواع مختلفة من الوقود· ويقول خبراء السيارات إن بالإمكان توفير هذه الخاصية مقابل 150 دولاراً فقط للسيارة الواحدة·
ثالثاً: التحول نحو استخدام السيارات التي تعمل بالطاقة الكهربائية وذلك بتطوير بطاريات فائقة التقدم يتم شحنها طوال الليل لتكون قادرة على تسيير السيارة طوال اليوم بتكلفة تعادل 25 سنتاً لجالون البنزين·
رابعاً : إعادة صياغة خريطة ديترويت 'قلعة صناعة السيارات في الولايات المتحدة' لانتاج سيارات باستخدام مكونات أخف وزناً وبما يعني تحويل كل السيارات الأميركية خلال العشرين عاماً المقبلة نحو هذه المكونات· ويقول خبراء إن مثل هذا التحرك قد يقلص فاتورة الوقود بنحو 25 % ويقدم سيارات أخف وزناً وأكثر أماناً· ومن المعروف أن هذه السياسات تواجه معارضة قوية من داخل أوساط صناعة السيارات وايضاً الطاقة، لكن أنصار التكنولوجيا الجديدة يؤكدون أن بالإمكان الإجابة على كل الأسئلة المتعلقة بالأمن وسلامة البيئة إضافة الى أن تجارب البرازيل واليابان وما تقدمه شركات السيارات المتقدمة مثل تويوتا تفتح آفاقاً واعدة للتكنولوجيا النظيفة· ويشدد ماكفرلين على انه رغم أن التحول بعيداً عن الوقود الاحفوري سيتطلب جهداً ونفقات واسعة جداً فإن المخاطرة بعدم اتخاذ إجراء يعني ايضاً نتائج كارثية·
وهناك مصادر أميركية ذات ثقة تقف وراء هذا المنحى وفي مقدمتهم كولين باول وزير الخارجية الأميركي السابق الذي يرى أن 'تضافر الأسواق المفتوحة والتكنولوجيات الجديدة سوف تساعدنا وتساعد البلدان الأخرى على مواجهة تحديات الطاقة'· وتقول الإدارة الأميركية انها وضعت بالفعل خطة شاملة بعيدة الأمد لجعل البلاد أكثر أماناً من ناحية الطاقة التي تقوم بعمل قاطرة الاقتصاد وذلك من خلال استكشاف الموارد المحلية، وتوسعة وتنويع إمداداتنا من الطاقة بطرق تدعم النمو العالمي·
الوقود التقليدي
ويشدد المسؤولون الأميركيون على ان إنجاح هذه الاستراتيجية يتطلب البحث عن أساليب جديدة لاستخدام الوقود التقليدي، مثل الفحم الحجري، بطرق مستدامة بيئياً أو تطوير تكنولوجيات جديدة، مثل خلايا الوقود الهيدروجينية لتحسين فعالية الطاقة وكذلك البيئة· كما تدعو هذه الاستراتيجية إلى إقامة حوار مع الشركاء التجاريين الرئيسيين لواشنطن، وكبار منتجي الطاقة، والمؤسسات الدولية، حول دور أمن الطاقة في الرخاء العالمي المشترك وتشجيع التجارة الدولية والاستثمار عبر سلسلة إمداد الطاقة· وتستند استراتيجية الطاقة الأميركية على زيادة الانتاج الداخلي للطاقة والبحث عن موارد جديدة، من أفريقيا الى منطقة بحر قزوين، إضافة الى التعاون مع البلدان الأخرى حول التقنيات الجديدة والأكثر فعالية للطاقة·
وجاء في تقرير لوزارة الطاقة الأميركية أن الرئيس بوش، الذي يدرك الضغوطات المتزايدة على أنظمة الطاقة منذ أن تسلم مهام الرئاسة، يسعى إلى تطوير سياسة شاملة للطاقة من شأنها أن تساعد القطاع الخاص والدولة والحكومات المحلية على تعزيز إنتاج وتوزيع للطاقة بشكل يمكن الاعتماد عليه وتحمل تكاليفه، وسليم بيئياً للمستقبل·
وترسم التوقعات الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA) صورة واضحة لتحديات الطاقة المستقبلية، فعلى الرغم من التقدم المستمر للتكنولوجيا، من المتوقع ان يرتفع مجموع استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة من 98 كوادريليون وحدة حرارية بريطانية (Btus) سنة 2002 إلى 136 كوادريليون وحدة سنة ·2025 ومن المتوقع ان ينمو الاستيراد الصافي الأميركي للطاقة من نسبة الربع إلى نسبة الثلث من مجموع الطلب الأميركي سنة ،2025 وذلك نتيجة النمو البطيء للإنتاج المحلي للطاقة· وهناك توقعات بأن تقفز الواردات الصافية للولايات المتحدة من النفط من 53 % إلى 70 % خلال العشرين سنة القادمة، أغلبه من منطقة الخليج· وإذا أضفنا الى ذلك ان مشكلة القدرة الانتاجية لمصافي التكرير لا تبدو انها في طريقها الى الحل فإن نسبة الواردات من المنتجات التكريرية ستقفز الى حوالي 20 % من مجموع كميات النفط المستوردة سنة ·2025
صحيح انه من الممكن تأمين معظم الغاز الطبيعي للولايات المتحدة حالياً من إنتاج أميركا الشمالية، لكن أن هناك ميلاً أيضاً نحو حصة أكبر للغاز المستورد من خارج نصف القارة الغربي· وستظل الولايات المتحدة، حتى مع تسارع الزيادة في فاعلية الطاقة، تعتمد إلى درجة عالية على واردات النفط لتلبية حاجات الاستهلاك·
تحديات البيئة
ورغم أن الولايات المتحدة لديها مثل العديد من الدول الأخرى، موارد ضخمة من الفحم الحجري، غير ان استخدامه يخلق عدة تحديات بيئية· وهناك ايضاً مبادرة أميركية لتصميم وبناء وتشغيل أول معمل للطاقة في العالم باستخدام وقود الفحم الحجري دون انبعاثات· وسوف يستخدم هذا المشروع الذي يعمل بالتعاون مع القطاع الخاص، والبالغة كلفته مليار دولار أحدث التكنولوجيات لتوليد الكهربائية ولإنتاج الهيدروجين ولاحتجاز الكربون المنبعث من الفحم الحجري·
كما تتطلع الولايات المتحدة أيضاً لتوسعة وتنويع مصادر الطاقة التي تستوردها وتشجيع الموارد الجديدة في نصف القارة الغربي، وروسيا، ومنطقة بحر قزوين، وأفريقيا، إضافة الى تحسين مجالات الحوار مع البلدان المنتجة والمستهلكة الرئيسية لضبط الانقطاعات في الطاقة قبل أن تتحول إلى أزمات· وهناك نماذج مثل الخطوات الأميركية لزيادة التكامل مع كندا والمكسيك لزيادة درجة التكامل فيما بينها، وتقوية سوق الطاقة في أميركا الشمالية عن طريق تخطي العقبات السياسية والتقنية التي تعيق زيادة إنتاج الطاقة وتوزيعها· وقد لا يعرف كثيرون أن نصف القارة الغربي يؤمن الآن نصف الواردات الأميركية من النفط، وان ترينيداد وتوباجو هي أكبر مورد للغاز الطبيعي المسال إلى الولايات المتحدة·
النفط الروسي
كما تواصل أميركا تعزيز علاقاتها النفطية مع روسيا، وهي ثاني أكبر منتج ومصدر للنفط الخام في العالم· وتدفع واشنطن جهود تنمية صناعة النفط والغاز في بحر قزوين الذي تفيد تقديرات بأنه قد يقدم ما يتراوح بين 3,5 و4 ملايين برميل يومياً بحلول سنة ·2010
وتعمل أميركا ايضاً عن كثب مع كبريات الدول المستهلكة لمواجهة تحديات الطاقة بما في ذلك تطوير تجارة الغاز الطبيعي المسال وتعزيز الاحتياطات النفطية الاستراتيجية ومشاريع تمويل الطاقة النظيفة، وتطوير إطار عمل للاقتصاد القائم على الهيدروجين· وفي هذا الإطار قادت أميركا الجهود الرامية إلى تأسيس الشراكة الدولية لاقتصاد الهيدروجين لأجل تنسيق وزيادة قدرة البرامج المتعددة الأطراف لأبحاث الهيدروجين· وتختص هذه الشراكة بالتأكد من إزالة الحواجز التكنولوجية والمالية والمؤسساتية التي تعترض مسيرة الهيدروجين وتسريع دخول التكنولوجيات الجديدة إلى الأسواق·
وكل هذه الخطوات تستهدف بشكل مباشر تأمين إمدادات للطاقة موثوقة ويمكن تحمل كلفتها، لكن أميركا أكدت ايضاً ضرورة إيجاد احتياطيات استراتيجية لمواجهة أي انقطاع مفاجئ لإمدادات الطاقة· ويأتي على رأس هذه الجهود الاحتياطي الاستراتيجي الاميركي الذي يحتوي اليوم على حوالي 700 مليون مليون برميل من النفط· وتقول بيانات وكالة الاعلام الاميركي ان الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة تخزن ما مجموعه حوالي 4 مليارات برميل من النفط، من ضمنها 1,4 مليار برميل تحت الإشراف المباشر للحكومات الأعضاء بينما يوجد القسم المتبقي في مخزونات تجارية·
الأمن العالمي للطاقة
ويقول سبنسر أبراهام، وزير الطاقة الأميركي السابق 'تحديات الطاقة التي نواجهها ليست وليدة اليوم كما أن إيجاد الحلول لها ستتطلب جهوداً عالمية حازمة ومستدامة لعقود من الزمن· وتبقى الولايات المتحدة ملتزمة بالسير قدماً لتوفير أمن الطاقة في الداخل والخارج، إضافة الى تطوير استراتيجية طويلة الأجل للاستفادة من العلوم والتكنولوجيا لكونها عناصر مركزية ضمن سياسة متكاملة، وبيئية، واقتصادية للطاقة·'

اقرأ أيضا

الإمارات تتصدر دول المنطقة في سرعة اتصال النطاق العريض الثابت