الاتحاد

دنيا

سعدي الكعبي: أحرقت أوراقي كي لا أصاب بالعجز الفني

القاهرة ـ ياسر سلطان:
في عام 1987 جمع الفنان العراقي سعدي الكعبي كل ما لديه من أوراق وكتابات تخص فنه وأحرقها لأنه خاف -كما يقول- من الاحساس الزائف بالتميز والعبقرية الذي تكرسه الكتابات والمقالات التي كادت تصيبه بالعجز والشلل الفني لانه كان يخاف من الفشل أو الخطأ حتى لا يشوه هذه الصورة المثالية التي رسمتها له الكتابات وشعر بانه فقد عفويته وتلقائيته·
وحين أقدم على حرق هذه الكتابات والمقالات التي تجمعت لديه طوال ثلاثين عاما شعر بانه أحرق الصورة المثالية التي رسمت له وعادت له طزاجته وعفويته من جديد ووجد نفسه جالسا امام مساحة اللوحة كما كان في بداياته الأولى حرا طليقا·
يضم معرض الكعبي المقام حالياً في القاهرة ثلاثين لوحة من أعماله التي أبدعها في السنوات القليلة الماضية تحت عنوان 'حوار الصمت' وهو عنوان يفسح المجال للمتلقي كي يسأل ويتحاور ويحاول الولوج إلى أسرار العمل الذي لا يعطي اسراره الا للذين يريدون الفهم وادراك الرؤى التي تختبئ خلف مساحات الألوان وطبقات العجائن والخطوط·
ويقول الفنان سعدي الكعبي ان الموروث الحضاري والثقافي لأي شعب يسري في دمائه ويوقظ كوامن الإبداع الذي تصقله الرؤية والثقافة البصرية· ولقد مرت بالعراق ما يزيد على ست حضارات اشهرها سومر وبابل والحضارة الاكادية وآشور ثم الاسلام· وتتخلل هذه الحضارات موجات استيقاظ تركت تأثيرا على الانسان، ولا يمكن لمن قرأ هذا التاريخ الطويل إلا أن يعتز بانتمائه الى هذا الوطن· والفن العراقي القديم يتميز بالمواجهة حيث نجد الاشخاص يتجهون دائما الى الامام سواء كانوا ملوكا أو افرادا عاديين وهناك عنصر يميز المنحوتات العراقية خاصة في حضارة بابل وهو الحالة السحرية التي تسيطر على ملامح الوجه وخاصة العيون الواسعة التي تنظر الى ما وراء الافق وهذه الحالة من الصعب مشاهدتها في الاعمال الفنية الحديثة التي يسمونها ما بعد الحداثة برغم كونها من المفاهيم الاساسية التي تدور حولها تلك الاعمال· وحاولت في اعمالي ان اتمثل تلك الحالة دون ان اقع في شرك التقليد لذا لم ارسم العيون وهي ابرز ما يميز هذه المفردات بل حاولت ان اتمثل هذه الحالة السحرية في اشياء اخرى ربما تراها في التركيبات أو الدرجات اللونية أو علاقة المفردات ببعضها داخل اللوحة·
ويضيف: المتأمل لاعمالي يلاحظ ان هناك سمات نحتية تبدو واضحة وهو منحى لا استطيع ان افصله عن الفن الاشوري وما كان يتميز به من نحت العملات، مرورا بتأثيرات الحضارة الاسلامية من خزف وسيراميك وخط ثم المؤثرات الحديثة والمشاركات المتعددة في المهرجانات المحلية والدولية وكل هذا الزخم الحضاري والبصري أثر عليَّ·
أثر الصحراء
وقال سعدي: لقد نشأت في مدينة النجف وهي مدينة صحراوية وفي مثل هذه المدن الصحراوية يقل التباين في الالوان الى حد ما· فلون الرمال يكون طاغيا على الملابس والادوات والبشرة والادوات المستخدمة من نحاس وفخار وغيرها التي اشتهرت بصناعتها مدينة النجف وكل هذه الاشياء تركت في نفسي اثرا بصريا لا يمكن أن يمحى من الذاكرة ولابد له أن يقفز امامي على سطح اللوحة بلا وعي متمثلا في هذا الحياد والالوان الرمادية·
والفنان سعدي الكعبي يعتبر نفسه ورغم اقترابه من السبعين هاويا وبهذا المعنى نجح في تحقيق بعض ما يريد من نتائج يراها مرضية الى حد ما في ظل ظروف ثقافية واجتماعية غير مشجعة ولا تبعث على التواصل والاستمرار·
ويرى ان الفن التشكيلي موجه لخاصة الخاصة من الناس في ظل ظروف عربية لا تفهم الفن ولا تقدره حتى على مستوى الذين نالوا قسطا عاليا من التعليم أو الثقافة وكثير منهم لا يفهمون الفن لان الفن لا يقرأ وانما يشاهد حتى يتكون تراكم داخلي لدى المتلقي يدفعه الى التأثر والمحبة واقامة علاقة وجدانية مع العمل الفني·
ويقول: في ظل هذه الاوضاع لا يمكن الاعتماد على الفن من الناحية المادية لان من يفعل ذلك يكون مدفوعا لارضاء أذواق الناس وميولهم ويكون عمله اقرب الى الصنعة منه الى الابداع· وهناك الكثيرون ممن يقعون في ذلك الفخ ويقلدون المدارس والاتجاهات الجاهزة دون محاولة لايجاد خصوصية ويهدفون لارضاء الجمهور أو مغازلة الغرب في بعض الاحيان إلا أن ما لا يدركونه حين يتجهون الى تقليد مدارس وفناني الغرب ان هؤلاء يريدون ان يروا شيئا جديدا لدى الفنان الاتي من الشرق·
الشمال والجنوب
وقال ان من يرون ان فنون ما بعد الحداثة ازالت الحواجز بين الثقافات مخطئون ويفتقرون الى النظرة الصائبة واهرامات الجيزة على سبيل المثال هي تجسيد حي لفنون ما بعد الحداثة وهي غير مكتشفة حتى الان وهناك جدل يدور الان بين الجنوب والشمال، هم يريدون ان نتعولم لكننا لا يجب ان ننساق وراء رغباتهم· نعم هناك الكثير من المفردات التي نتعامل بها في حياتنا العادية جاءت من الغرب ولا نستطيع الاستغناء عنها إلا اننا حين نتعامل مع هذه الاشياء لا يجب ان ندعها تتملكنا بل يجب ان نملكها نحن ونضفي عليها شيئا من حضارتنا وثقافتنا وهويتنا· وهم يقولون ان العالم اصبح قرية صغيرة وليس هناك مجال او ضرورة للتمسك بالهوية والثقافة المحلية واقول ان العالم كبير ونحن تائهون فيه ولا يدري بنا احد· وقد يرى البعض ان هذه نظرة متخلفة أو قصيرة ازاء الثقافة ولكني مؤمن بانها ضرورة ملحة خاصة في ايامنا هذه· فانا انسان شرقي أؤمن بالعائلة والارض والعشيرة ولي سماتي الخاصة التي تميزني والتي لا يمكن ان اتنصل منها·
واضاف: على مستوى الفن احرص على متابعة المعارض والاتجاهات الفنية في كافة انحاء العالم الا انني احرص في نفس الوقت على عدم الذوبان في الاخر وتلمح ذلك في اعمالي التي لا اقلد فيها احدا أو اتمسح في ثقافة اخرى غير ثقافتي الشرقية التي انتمي اليها·
وقال الحركة التشكيلية العربية في حاجة الى مخاض وهذا لا يأتي إلا بالاستقرار الاقتصادي المرتبط بالحالة السياسية ففي ظل الاستقرار المادي يكون لدى الفنان القدرة على التوسع والانتشار، فالضغوط تؤثر على ابداع الفنان بالسلب خاصة الضغوط المادية التي تعد عائقا امام الكثير من المبدعين· والحركة التشكيلية العربية اكثر تقدما من الحركة النقدية فما يقدم في الصحف لا يتعدى المقالات أو التقارير الصحفية ولا نستطيع ان نطلق عليه نقدا· وهناك الكثير ممن يكتبون عن الفن لا يرون فيه غير المساوئ والسلبيات ولا خير في ان يشير الكاتب أو الناقد إلى هذه المساوئ والسلبيات لكنه يجب ان يقدم الصورة الايجابية حتى يعرف الفنان أين يقف بالضبط الفنان الناضج الذي وصل إلى درجة من الاستقرار في تكوينه لا تؤثر عليه هذه الأشياء ولا يلتفت اليها·
واضاف: لقد تأثرت في البداية بأساتذتي بكلية الفنون الجميلة ثم تأثرت بابداعات الفنانين العالميين إلى ان وصلت إلى درجة من الاستقرار والخصوصية وهناك فنان من أكثر الفنانين الذين تركوا بصمة لدي وهو الفنان العراقي اسماعيل فتاح الترك وهو الأقرب إلى قلبي من الفنانين العراقيين واعتبره من أعظم الفنانين العراقيين على الاطلاق لما كان يتميز به من عبقرية وخصوصية فريدة في تناوله لأعماله المتعددة· وأنا أؤمن بالفنانين العرب والشباب العربي ولدي قناعة بانه حين يرفع الغطاء عن هؤلاء الشباب سوف يغيرون العالم ويغيرون الواقع المرير الذي نعيشه فنحن لم نهزم حضاريا فحضارتنا عريقة لا تهزم ابدا لكننا مهزومون مدنيا وتكنولوجيا وعلى كل منا ان يبدأ ويثق بما يستند إليه من ثقافة وحضارة ضاربة في عمق التاريخ·

اقرأ أيضا