الاتحاد

الملحق الثقافي

3 نماذج شعرية وقصصية من البصرة تعزف إيقاعات مختلفة

يبدو أن المشهد الإبداعي في العراق متعدد الوجوه، في حركة دائبة، تتوزع شعراً ورواية وقصة قصيرة، حيث يتجلى هاجس التجديد دائماً في أذهان وتصورات المبدعين، ناهيك عن عطاءاتهم في ميادين الفنون البصرية التي حفل تاريخها الطويل بإنجازات مهمة خاصة الفن التشكيلي الذي سبق انبثاقة حركة الشعر العربي الحديث بسنوات·
ومن الصعب أن نلم بالمشهد عامة، ومن المنطق أن نترصد جانباً منه، إذ تبدو حركة الإبداع متصاعدة بوتيرة فاعلة بالرغم من الإمكانات الضعيفة التي تكتنف عملية النشر وترويج الكتاب، ولكي نبصر جانباً من هذا المشهد متعدد الوجوه لا بد أن نقرأ عبر إبداعات الأدباء والشعراء في البصرة خاصة أهم ما أنجز في ساحتهم الثقافية الآن، بما يقدمه كاظم الحجاج وعلي الإمارة، وعادل مردان، وطالب عبدالعزيز وحسين عبداللطيف من شعر حداثي بدت روح المغامرة فيه واضحة، وما يقدمه محمد خضير ومحمود عبدالوهاب وعبدالحسين العامر ولؤي حمزة وناصر قوطي وياسين شامل من نصوص روائية وقصصية تجلت فيها أنماط من اللعب على الشكل وتغيراته·
رؤى الحجاج
صدرت قبل فترة وجيزة المجموعة الشعرية للشاعر كاظم الحجاج بعنوان ''ما لا يشبه الأشياء'' وللقاص الستيني عبدالحسين العامر مجموعة قصصية بعنوان ''مرزوك·· الإيقاعات الضائعة'' وللقاص ناصر قوطي مجموعته القصصية ''ما يتبقى من البياض'' وللقاص ياسين شامل ''كرسي بالمقلوب''، وربما نجد في نظرة فاحصة أهم ما ينطوي عليه المشهد الإبداعي وخصائص وسمات حركة الإبداع وتجلياته في الشكل والمضامين الحديثة التي سحبتهم إلى دائرتها بعد مخاض طويل من الموت والمعاناة والألم التي عاشوا بها، وقد نتساءل: هل أن الإبداع نتاج كل تلك المواجهات الصعبة من الأقدار القاسية التي عاشها المبدع في ظل صراع عسير خرج منه بتجربة حياتية قل نظيرها مما أكسبت أدبه سيماء خاصة جعلته يطرق أبواباً مختلفة غير معهودة من قبل؟
كاظم الحجاج شاعر مجرب أصدر من المجاميع ''أخيراً تحدث شهريار ''1973 و إيقاعات بصرية ''1987 و''غزالة الصبا ''1999 وأخيراً ''ما لا يشبه الأشياء'' كما أن له من الكتب النثرية ''المدينة والمدفع ـ البصرة تحت القصف ''1994 و''المرأة والجنس بين الأساطير والأديان ·''2002
وفي ديوانه الأخير ''ما لا يشبه الأشياء''، تتعدد رؤاه في قصائده ''ستعود الريشة للطائر'' و''تعال إلى حانتي'' و''سفر المرايا'' و''رسالة العين'' و''نشيد النخلة'' ومن اللافت هنا أن 5 قصائد شعرية يحفل بها هذا الديوان تستدعي بالضرورة أن نلمح استطالة هذه القصائد ولهذا كان لابد أن نبصر تقسيمات داخلية في كل قصيدة تحمل عنوانات فرعية من أجل ألا تدخل القصيدة في أجواء ملحمية تفرض أصواتاً ومتغيرات شكلية لكسر النمط الواحد للنص أي أن القصيدة الطويلة تؤسس لملحمية مفروضة على الشاعر، لذا عليه أن يتبنى طريقة كي يزيح هيمنتها عبر لعب شكل افتراضي وعليه عمد كاظم الحجاج إلى أبنية داخلية في نصه الأول ''ستعود الريشة للطائر'' بأن وضع عنوانات داخلية ''خارج الحدود·· داخل المتن'' و''رؤوس أقلام حول نظرية اختراع القلم الأول'' و''رؤوس ليست لأحد من الأقلام'' و''فلاش باك'' وجميع هذه العنوانات ترتبط بوحدة موضوعية تغذي المعنى الكلي للنص باعتباره أنموذجاً لقراءتنا السريعة هذه·
''خارج الحدود·· داخل المتن''، عنوان يشير إلى البناء في القصيدة لا إلى معناها أو ثيمتها التي تتحدث عن ''رصد عابرون يوميون/ مشهد العجوز الأفغاني/ الذي كان يخرج من حقله إلى سوق القرية، تاركاً/ زوجته تتقدمه في المسير، وقبل أن يلتقي أحد/ بالعجوز الأفغاني طارت ظنون كثيرة من الصحفيين/ الغربيين على شكل ريبورتاجات، الى صحفهم/ ومحطاتهم، البعض زعم أن العجوز لابد/ شيوعي سابق من أعوان (بابراك كارمال)/ وهو الآن شيخ طريقة·· ماركسي!·· فنحن/ جميعاً نعرف، أنه في العالم الإسلامي كله/ لا يسمح لحرمةٍ بأن تتقدم فحلها في المسير/ فكيف في أفغانستان حيث لا تجرؤ شعرة/ من رأس امرأة يحركها الهواء، فتسبق صلعة زوجها المغطاة من أجل الستر/ ··· كيف وهذا الأفغاني يسمح/ لزوجته بأن تتقدمه بعشرة أمتار كاملة''·
يلعب كاظم الحجاج على الدهشة التي لا تأتي إلا من المفارقة، وهي هنا بين التقدم/ التخلف بمعناها الحقيقي والمجازي ومن الكثافة/ الفراغ، شعر المرأة/ صلع الرجل، حيث بدت الروح القصصية أسلوباً لكاظم الحجاج الذي لا يستطيع أن يلبس عباءة الشعر المقف؟ بل يتعرى في أحضان النثر، لذا كانت ابتداءات الحجاج نثرية في أغلب قصائده كي يكشف من خلالها جو القصيدة أولاً ثم يدخل مستريحاً وبكل هدوء في تفصيلات عادة ما تكون أشبه بالهايكو· هنا يدلف الحجاج إلى المقطع الثاني من القصيدة ''رؤوس أقلام حول نظرية اختراع القلم الأول'' بعد أن غادر منطقة ''خارج الحدود·· داخل المتن'' التي وقف فيها نقدياً من نصه عندما افترض نص المرأة/ الرجل بما يقابل خارج/ داخل· فيقول ''نون والقلم/ طير يمتحن الريح'' و''صحفي يعلب الحرب في الكاميرا/ ويسوقها لمحطته'' ويبدو لي هنا أن الحجاج بنى شكلاً ولم يستطع أن يغامر بالمضمون، أي أن المتن ضعف أمام الشكل، بينما في القسم الأول كان المضمون أقوى من الشكل· هنا يتولد صراع لدى الشاعر لابين الصورة والغرابة، بل بين المضمون المدهش والشكل المدهش· الحجاج نجح في فتح باب القصيدة كي ندخل في أجوائها فأغلق عنا الهواء كي نتنفس ما توقعناه من عطر·
في ''رؤى ليس لأحدٍ من الأقلام'' يقول: ''السهم على وشك الاستجابة ''لتحريض الصياد له''/ و''جلد الغزال جف بملحه تماماً''/ تحت الشمس''، وهذان المقطعان هما الفخ ذاته الذي وقعت فيه قصائد المقطع الثاني· الصورة لا تصارع الغرابة وإنما هي تكريس للعادي والمألوف ليس إلا، ولكن لو أكملنا النص برمته لوجدنا أن الإشارات تلك في المقطع الثالث تنبثق كتلة كبيرة في المقطع الرابع والأخير، حيث تصبح تلك الإشارات أشبه بالأرصاد التضميني لنص أكبر آت وهذه براعة كاظم الحجاج·
في المقطع يقول: ''سصنع بالشعر ماسحة للمصائر/ امسح صوت الغزال/ انفض الملح عن جلده/ واسأل ـ بل أتوسل ـ عينيه/ أن تبرقا من جديد، كعيني غزال/ وأعيد إلى الطير ريشته/ وأرجوه ـ لا بل أقبله ـ كي يطير/ لأبرئ أقلامنا/ من دم·· يتخثر فوق الضمير'' ويختمها بقوله ''هذا الوطن المحسود/ الوطن ـ التفاحة··/ يحميه الله·· من الدود''·
يبني كاظم الحجاج نصه على قصصية في الصور والحكاية ويتعمد خلق جزئيات مهملة في بطن القصيدة وترصيع النص بممهدات حكائية، سردية تقودنا إلى الداخل المهشم الذي سرعان ما يلمه جزءاً جزءاً لتتضافر العناصر والصور ثانية في جزئه أو مقطعه الأخير، حيث تظهر شخصيات ''الغزال والرجل، والريشة، والمرأة ومريم والصحفي/ والشاعر ذاته'' في نهاية النص ليبدأ الخطاب في تحول حتى ضمائره بين الغائب في الوسط إلى المتكلم في الأخير ليحكي حكايته هو عبر الآخر· من جانب آخر وفي قصيدته الأخرى ''تعال إلى حانتي''، المصحوبة بعنوان فرعي: ''ما لم يترجمه طه باقر من اللوح العاشر''، يلعب الحجاج على البناء، فبدلاً من تقدم النثر الحامل للحكائية في قصيدته الأولى ''ستعود الريشة'' يصبح النثر داخل المتن أي شعر ''نثر'' شعر ''نثر'' شعر، حيث يبدأ بالشعر وينتهي به، بينما في ''ستعود الريشة'' ابتدأ بالنثر وانتهى بالشعر· تلك هي أسلوبية الحجاج في اللعب على الأشكال ناهيك عن تشتيت القصيدة ثم لملمتها في النهايات لتؤدي غرضاً بنائياً واضحاً خدمة لمعنى النص الكلي·

الإيقاعات الضائعة في البياض

حاولت في هذا العنوان الفرعي أن أمزج المجموعتين القصصيتين لعبدالحسين العامر وناصر قوطي··· لماذا؟
من حق القصاص أن يتخيل وأن يعيد بناء الواقع ضمن إطار هذا التخيل، لكن أن يتخيل من أجل أن يخلق عالماً لا يمكن للقارئ أن يبنيه بسهولة فهذا يبدو صعباً فنياً·
إنها محاولات في التجريب حاولها عبدالحسين العامر الذي سبق له أن قدم عطاء واضحاً في فن القص منذ عام 1972 عندما كان ضمن مجموعة ''12 قصة'' التي صدرت آنذاك في البصرة والتي حفلت بأسماء مهمة ساهمت في حركة الفن القصصي العراقي·
في ''مرزوك·· الإيقاعات الضائعة'' تندرج 8 قصص هي ''هموم الحاج حمود'' و''الحمامات والساحة'' و''الأماني المؤجلة'' في قسمها الأول و''مرزوك·· الإيقاعات الضائعة'' و''البحث عن الضفاف'' و''رحلة الأسى'' و''زائر الظهيرة'' و''رياح القلق'' في قسمها الثاني، وهي بحجم 99 ورقة من القطع الصغير·
عبدالحسين العامر يعيش حلم الماضي ويدخل في مقارنته بالحاضر وفي قصة: ''مرزوك'' الرجل الذي يقتنصه العامر من الأحياء الشعبية، الرجل المؤثر في الطفولة، الحالم، السحري ''عندما كنا صغاراً، كم منينا أنفسنا أن نرى صاحب الإيقاعات الليلية''·
ويسرد العامري حكايته قبل موته في شوارع البصرة التي انتقل إليها من قريته، حيث يقع فريسة مدينة البصرة القاسية·
بين الطفولة وزمن القص ''بوصف الراوي هو القاص نفسه افتراضا'' هناك زمن طويل يصبح فيه الراوي قافزاً على الزمن ولا يهمه سوى اقتناص الأحداث التي تخدم نصه، وهنا يصبح انتقائياً، بينما كان عليه أن يلتقط هذه الشخصية في لحظة ما ضمن حكاية ما، ضمن زمن ما·
العامر قاص جاد، همه الحياتي أن يقدم نصوصاً جبارة، يفرح بالفكرة قبل اللقمة، يستأنس عذوبة الآخرين لأنه ينطلق من روح عذوبته''·
أما ناصر قوطي في مجموعته ''ما يتبقى من البياض'' التي قدم فيها 52 قصة تراوحت بين القصة القصيرة والقصة القصية جداً وفقاً لتصنيفات افتراضية اعتمدت طول وقصر النص·
بدا قوطي الذي سبق أن صدرت له ''غرباء'' و''عمق'' وهما مجموعة قصصية وقصص قصص صغيرة جداً شاعرياً في النص تقوده العبارة إلى أحلام بالغة الشفافية في اللغة برغم محاولته أن يحيط بما هو واقعي أمامه، إلا أن الحلم لديه لم يتجسد في الحكاية، بل باللغة، ''مدى مشروع نحو ذاكرتك الحجر'' وهي ول عبارة في قصته ''آخر العمق''·
ترى في نصوص القوطي حشداً من الحكايات التي لا يريدها أن تكتمل؛ لأن لغته غنية فيسحر بها ولم ينتبه إلى أن هذه اللغة الجميلة بإمكانها أن توظف لخدمة الحكاية التي يعرفها هو ويريد أن يضمها في نصوصه غير أنه يحلق في نسيجه اللغوي·
في قصصه ''احتدام'' و''ثكنة'' و''قفص'' و''بلاد'' و''صورة'' و''حالم'' و''أوان'' و''إياب'' و''مدينة'' و''سيرك''· كان الشعر لديه أقرب من القص·
في هذه النصوص، يبتدئ قوطي بالخيل وينتهي بالواقع ''أجنحة البيض غمرت بالكل على سطوح الفضة'' ''صورة شعرية'' لينتهي غامره بضوء ريشها الأبيض فنادق الدرجة الثالثة والعربات الأخيرة'' وبالعكس حيناً، حيث يبدأ بالواقع وينتهي بالخيال ''الصورة الشعرية''·
يحاول ناصر قوطي أن يقدم نصاً يزخر بالشعر والأسطورة والمخطوطة المستعادة وبآراء في الثقافة وقراءات بطله الذي بدا في أغلب أعماله فقيراً مثقفاً بارعاً في تفسير العالم، يستشهد بالكتب الحديثة في النقد والرواية التي قرأها· إنه قارئ مثقف يعرف كيف يبصر ومتى وإلى أين· بطل قوطي مأزوم ومشتت ما بين الممكن واللاممكن، بين الواقع المعاش والمأمول، إنه يعيش في غيبوبته الدائمة ضمن عالم ممزق لم يعترف بالمثقف ودوره في بناء المعرفة الاجتماعية·

اقرأ أيضا