الاتحاد

دنيا

زهور وخناجر في زي السلطان بايزيد الثاني

اسطنبول: سيد عبد المجيد
هل الحاصل الآن في تركيا الحديثة يخضع للمصادفات ؟ حتماً الإجابة ستكون بالنفي فالحاضر المعاش ورائه ماض فيه وضع الأجداد البذور ومع مرور الوقت والجهد نمت وترعرعت وصارت كياناً به يزهو أبناء الحاضر وفي نفس الوقت يفتخرون بما تركه السلف الصالح، وهذا ما ينطبق على صناعة المنسوجات التركية التي صارت منذ سنوات تشكل منتجاتها ثلث تجارة تركيا مع الخارج· أنه تراث طويل وضعت لبناته قبل قرون تحكيه وثائق مدونة وأدبيات حديثة مازالت تنهل من القديم لترويه لأبناء الحاضر والذين سيكتشفون كم كانت روعة المنسوجات العثمانية·
إذا قدر للبعض السفر إلى أوروبا سيجدون قطعاً من تلك المنسوجات تتصدر أروقة المتاحف ففي متحف فكتوريا على سبيل المثال توجد قطعة من قماش حريري يرجع صنعها الى القرن الحادي عشر ويعتبرها المتخصصون مثلاً نادراً للغاية من روعة زخارفها المشكلة من دوائر كبيرة فيها صممت منمنمات فضلاً عن أشكال صقور تعكس ثقافة سائدة آنذاك التي كانت الجسارة عنوان لها ولم ينس مصممو ذلك الزمان السلجوقي أن الشجاعة لا يقلل منها الجنوح إلى السلام فجاءت الحمائم متقابلة في القطعة نفسها الطريف أن متحف السلاح في موسكو يوجد به سبعة أردية كهنوتية من المطرزات التركية كان بطاركة موسكو يرتدونها في الاحتفالات الدينية ويقال إن أقمشتها تم استيرادها من إيطاليا وأرسلت إلى اسطنبول لتصنيعها وفقاً للتقاليد العثمانية·
من السلاجقة انطلقت الإبداعات
العصر السلجوقي إذن يبدو أنه مفتاح الإبداعات التي ستتركها الحقبة العثمانية فيقال إن صناعة المنسوجات حظيت بتقدم عظيم من بلاد إيران على يد السلاجقة العظام مثلها مثل سائر الفنون الأخرى وبفضل عناية سلاجقة الأناضول تطورت الصناعة وبلغت شأناً عظيماً بيد أن أقمشتهم الحريرية كانت موضع تقدير وإشادة من جانب المؤرخين العرب الذين أطلقوا على حرير الأناضول اسم الحرير الرومي تمييزاً له عن أنواع الحرير الأخرى ويضم متحف ليون في فرنسا قطعة من قماش حريري أحمر اللون موشاة أو مطرزة بخيوط الذهب مما يرجع إلى تلك الحقبة وتحمل حافة هذه القطعة اسم علاء الدين أبو الفتح كيقباد بن كيسخرو ولابد أن يكون هذا القماش مما نسج لعلاء الدين كيقباد الأول عام 1219 على أنوال وجدت في قصره بمدينة كونيا وسط جنوب الأناضول (تبعد عن اسطنبول بنحو 663 كيلو متراً من اسطنبول) والتصميمات الموجودة بهذه القطعة مكونة هي الأخرى من دوائر وبالدوائر أسود محورة وقد تشابكت أطراف ذيولها على هيئة زخرفة عربية ويشغل ما بين رأسي الأسدين في الدائرة مروحة نخيلية ونرى فيما بين الدوائر نجمات رباعية الأطراف تكونت من خلال تلاقي ورقات من نبات اللوتس، وتوجد قطعة ثانية من قماش محلي بالذهب من عصر سلاجقة الأناضول·
يقول عنها المؤرخ التركي اوقطاي آصلان أبا إنها محفوظة بمزار القديس آبولوناريس بكاتدرائية زيجبورج· ويصفها قائلاً: القطعة عليها صورة نسر برأسين بأسلوب سلجوقي ومن حول ذلك إطار على هيئة درع أما المسافات الأخرى الخالية فتشغلها تفريعات نباتية تنتهي أطرافها الدنيا بشكل تنينين متقابلين ثم نجده يخلص إلى نتيجة مؤداها أن صور الطيور والحيوانات كانت هي الموضوعات المفضلة في زخرفة المنسوجات زمن السلاجقة العظام سلاجقة الروم أو سلاجقة الأناضول·
من بورصا إلى إسطنبول
في بدايات الحقبة العثمانية حلت الأشكال النباتية محل صور الحيوانات والطيور في صناعة النسيج ويدلل المؤرخون ذلك بـ (بقجة) ملابس تخص مؤسس الإمبراطورية العثمانية الغازي عثمان (1258 ـ 1326) وهي الآن من مقتنيات متحف توب كابيه باسطنبول وبها تسعة قفاطين (جمع قفطان ) قماشها صنع في مدينة دنيزلي وسط غرب الأناضول (تبعد عن اسطنبول بنحو 652 كيلو متراً) وتتكون الرسوم التي تزين القماش من حبات الرمان بلون اصفر داكن يحيط بها ورقتان طويلتان من النبات ؟
وفي هذه المرحلة تركزت صناعة النسيج بمدينة بوصا العاصمة الأولى للخلافة العثمانية (تقع على بحر مرمرة وتبعد عن اسطنبول 243 كيلو متراً حيث حظيت بتقدم رائع وتنوع كبير لاسيما في إنتاج المخمليات على نطاق واسع وذاع في العالم ذكر مخمليات بورصا وحريرها الموشي الرقيق إلى جانب أنواع أخرى من الساتان وسرعان ما انتقلت الصناعة من بورصا إلى أدرنه القريبة من أوروبا وتبعد عن اسطنبول في اتجاه الشمال الغربي بنحو 227 كيلو متراً لكن عندما استقرت الأحوال في اسطنبول بعد الفتح عام 1453 كان لهذه الصناعة شأن عظيم واتسع نشاطها بصورة أعظم·
وهنا تستوقفنا ملاحظتان الأولى وهي أن متحف توب كابيه يضم أغنى ما في العالم من المنسوجات والمخمليات العثمانية وهناك مجموعات أخرى قيمة في متحف جلال الدين الرومي بمدينة كونيا بالإضافة إلى ما هو موجود بمتاحف فكتوريا والبرت بلندن والمتحف الملكي الاسكتلندي بادنبرة وباريس وموسكو وليون وبوخارست أما الملاحظة الثانية أن مدينتي دنيزلي وبورصا مازالتا حتى اللحظة تشتهران بصناعة النسيج ·
رصد المؤرخون بداية صناعة النسيج في بدايات القرن الخامس عشر وهناك قفطان ذو أكمام صغيرة ينسب للسلطان محمد الفاتح (1432 ـ 1481) أرضيته سمنية اللون وبه أشكال هندسية أخذت شكل المعين وبداخل المعين هيئة أمواج عالية باللون الأحمر محددة بخيوط حمراء وزرقاء زاهية ونشاهد في الوسط علامة خاتم سليمان وآخر ذا صنعة بالغة الرقة منسوج بالأساليب التقليدية وخيوطه من القطن والحرير معاً إلى جانب خيوط دقيقة من الفضة زخارف زرقاء وقد حددتها خيوط دقيقة من الحرير الخضر تضم ورقات نباتية كبيرة الحجم·
قانون ملزم لصناع الملابس
وقد بدأت صناعة النسيج في التخلف اعتباراً من القرن السادس عشر وقامت الدولة بوضع قانون عام 1502 لمواجهة التدهور في صناعة النسيج وفي البنود المتعلقة بالنسيج إشارات إلى المستوى العالي الذي بلغته هذه الصناعة على مدى 25 سبقت صدور القانون وحث القانون العمال ليكونوا أكثر نشاطاً وهمة، كما تناول بالتفصيل الكلام عن الخيوط وعددها والمقاسات وأنواع الأقمشة العادية والأقمشة المخملية وتناول الملاحظات خيوط الحياكة والعقد والجمع بين خيوط الذهب وخيوط الفضة التي تحتاجها بعض الأنواع الخاصة
والقفطان الذي يخص السلطان بايزيد الثاني (1448 ـ 1512) يعتبر نموذجاً للأقمشة متعددة الألوان وهو من الوشي المدملج بالذهب وما صنع في القرن السادس عشر وزخارف هذا القفطان من أزهار عود والرمان الموزعة بين أوراق أفرع نباتية طويلة منسوجة بخيوط الذهب في الحرير الأحمر والأزرق والأحمر الفاتح فوق الأرضية السمنية اللون وكل زهرة وكل ورقة لها لون مستقل وتصميم مستقل أما الورقات الطويلة المقوسة فأنها تشبه الخناجر وتضفي براعم الرمان تأثيراً غاية في الفخامة يتناسب وعظمة سلاطين آل عثمان في القرن السادس عشر وهناك في متحف توب كابيه عباءة من الحرير الفاخر تخص السلطان سليمان القانوني (1495 ـ 1566) وتشبه إلى حد كبير قفطان بايزيد وهو محلى بزهرات القرنفل وألوان منها الوردي والأصفر المائل إلى الحمرة والكستنائي وفي القرن السابع عشر وبالذات عام 1640 صدر قانون يستفاد منه مدينة اسطنبول التي كانت حتى ذلك الوقت من أكبر مراكز إنتاج النسيج كماً وكيفاً وقامت الى جوار اسطنبول وتعرض هذا القانون لمواصفات الألوان والأنواع والرسوم والتصميمات ومن سجلات قصر طوب كابيه عام 1631 ما يثبت أن كبير خياطي القصر صنع للسلطان مراد الرابع (1612 ـ 1640) نحو 133 ثوباً وفي خلال سبعة أشهر فقط من ذلك العام وكانت تلك الثياب من أقمشة متنوعة منها الساتان والحرير السادة والحرير المطعم والقطن والصوف ·
ويعطي قفطان لطفل فكرة عن الزخارف ونوع النسيج في تلك المرحلة هذا القفطان مصنوع من الحرير المطعم بالذهب وجد في مقبرة السلطان احمد الأول (1590 ـ 1617) وتتكون زخارفه من ورقات نباتية طويلة وعريضة مطرزة بخيوط الذهب وبها أزهار رمان باللون الأسود والأزرق وورقات من شجر وقفطان آخر حرير خاص بالسلطان مراد الرابع والتي بلغت فترة حكمه سبع عشرة سنة من (1623 ـ 1640) تصميمه مختلف إذ عاد إلى استلهام أسلوب سلاجقة الأناضول بيد أن رسومه جمعت ما بين جلد النمر والفهد وتم تنفيذها بخيوط من الذهب فوق أرضية حمراء هذا اللون الأثير فهو اللون القومي للترك لأزمان طويلة وحتى الآن ويلي اللون الأحمر وطلت الأنواع الجيدة تصنع أيام السلطان احمد الثالث (1703 ـ 1730) والسلطان محمود ( 1730 ـ 1754) ولكي يحد من استهلاك الفضة قام السلطان احمد الثالث بمنع استخدام خيوطها في النسيج·

اقرأ أيضا