الاتحاد

دنيا

تلفزيونات الرسائل القصيرة عواطف مبتذلة على الهواء


د· نصر الدين لعياضي
'من يمامة الشام إلى صقر أبوظبي، متى اللقاء'، 'صبابة غادة إلي غرام أيمن بحبك موووووت'، 'من دهن العود إلى مسك الأيام يا وحشني' هذه عينة من الرسائل القصيرة التي غزت بعض القنوات التلفزيونية العربية في السنوات القليلة الماضية· بالفعل، إن القنوات الغنائية والموسيقية، أو التي أصبحت تسمى 'قنوات الفيديو كليب'، مثل: 'روتانا' و'نغم' و'نجوم' و'مزيكا' و'الخليجية' و'ميلودي' و'ميوزك بلاس' لا تتنافس لنيل أكبر عدد من الرسائل القصيرة فقط، بل انضمت إليها القنوات الجامعة، مثل: أل بي سي، ونيو تي في، اللبنانيتين وحتى القناة التلفزيونية 'المجد' الإسلامية، رغم اختلاف طبيعة وماهية الرسائل القصيرة التي تبثها، والتي تقتصر على التهاني والتعازي·
تتنوع الرسائل القصيرة التي احتلت الشريط الأسفل في شاشات الكثير من القنوات التلفزيونية· إذ توجد من بينها الرسائل الغرامية، والماجنة، والرسائل الحاملة للتحيات والتهاني للأهل والربع ونجوم الطرب، ورسائل 'التشات' التلفزيونية والتي تسمى
ٍrekam hctam التي تسعى إلى 'إحداث التقارب' بين الصبايا والشباب، والتي تقوم، بشكل علني، بالمهمة الكلاسيكية التي كانت تقوم بها الخاطبة أيام زمان، بشكل سري أو مستتر· وتتضمن هذه الرسائل خطابا يرسله المشاهد المهتم إلى القناة التلفزيونية يعرض فيه بعض المعلومات المقتضبة عن شخصه مثل: 'أنا شاب أعمل بوظيفة محترمة، رومانسي ووسيم' ويعبر من خلاله عن رغبته في الاقتران بفتاة جميلة 'لا يتجاوز سنها عن···'، ويفضل أن تكون حاملة لجنسية البلد الفلاني· لقد شكل ظهور القناة التلفزيونية 'تكست تي في' VT TxT والتي تعود ملكيتها لـ 'شو تايم'
ئ؟emiT wohS 'أم بي سي' CBM حافزا قويا لهواة الرسائل القصيرة في التلفزيون VT SMS لتبادل هذا النوع من الرسائل على مدار 24 ساعة، بشرط ألا يزيد نص الرسالة عن أربعة اسطر·
الرسائل أنواع
تضاف إلى هذه الأنواع الرسائل التي يهدي من خلالها المشاهدون الأغاني على غرار 'البرامج الإذاعية' القديمة التي كانت تحمل عنوان 'ما يطلبه المستمعون'، مرورا برسائل المشاركة في الألعاب التلفزيونية سواء بتقديم الإجابة الصحيحة أو اختيار الحل للألغاز التي تطرحها بعض البرامج·
ازدادت شعبية هذه الرسائل القصيرة، خاصة تلك التي تحمل مضامين عاطفية أو غزلية بعد أن تزايدت عدد القنوات التلفزيونية التي تبثها· واتسعت معها دائرة معارضيها، وحتى الساخطين عليها الذين يعتبرون أن القنوات التلفزيونية التي تتسابق لنشر رسائل الهيام والغرام بأسلوب يجافى الاحتشام تعد معولا لهدم قيم المجتمع: العفة، والوقار، وصيانة العواطف من كل ابتذال· وتشجع الانحراف في المجتمع· ففي هذا الإطار كشف الدكتور محمد مراد عبد الله، مدير مركز دعم اتخاذ القرار في شرطة دبي، عن وجود أكثر من 30 محطة فضائية غنائية تبث ما يقارب 15 مليون رسالة يوميا، يتنافى 80% منها وأخلاق المجتمع، ويخدش الحياء العام!
الأسباب الخفية
إن تزايد الرسائل في القنوات التلفزيونية لا يطرح مسألة أدبية وأخلاقية فقط، بل يجب أن يحث الباحثين والخبراء في علم الاجتماع وعلم النفس والإعلام ورجال القانون للتفكير في أسباب وجود هذه الظاهرة وانعكاساتها في مجال الاتصال والثقافة والترفيه، وذلك لأن الخطاب الوعظي والأخلاقي الذي تروج له بعض وسائل الإعلام يدين هذه الظاهرة الجديدة، ويحث المشاهدين على تجنبها· لكنه لا يقدم إضافات معرفية وعلمية لفهم أسباب وجودها، وعوامل انتشارها في المجتمعات العربية·
يعيد بعض المهتمين سبب انتشار هذه الظاهرة إلى ولع الجمهور، خاصة الشباب، بالتكنولوجيا الجديدة ورغبته في تجريبها· لكن الكل يعلم أن تجريب تقنية الرسائل القصيرة قد بدأ مع انتشار الهاتف النقال، لذا لابد من البحث عن سبب، بل أسباب أخرى تساعدنا في فهم استشراء هذه الظاهرة·
بالفعل لقد زادت هذه التقنية في التقارب بين قطاع التلفزيون والاتصالات· لكن القنوات التلفزيونية عثرت في الرسائل القصيرة على مورد مالي لم تحلم به· وبهذا فقد أحدثت انقلابا كبيرا في البنية الاقتصادية للقنوات التلفزيونية· فالمعروف أن إنشاء قناة تلفزيونية يكلف مبالغ مالية طائلة· فإذا كانت القناة التلفزيونية تابعة للدولة والتزمت بتقديم خدمة ذات طابع عمومي فإنها تحصل على دعم مالي من الدولة أو تستفيد من الرسوم التي تفرضها الدولة على مشاهدة برامج التلفزيون، التي يدفعها المشاهدون ضمن فاتورة الكهرباء، كما هو الأمر بالنسبة لبعض الدول، أو بشكل مستقل عن استهلاك الكهرباء· وإذا كانت القناة التلفزيونية مستقلة عن الدولة فتلجأ إلى الإعلانات التجارية· وللإعلان منطقه، كما هو معروف لدى المهتمين، والذي يمكن تلخيصه في الصيغة التالية: إن المعلنين يمنحون إعلاناتهم للقنوات التلفزيونية الناجحة، ذات الانتشار الجماهيري الواسع، وحتى تصل القناة التلفزيونية إلى أعلى مستوى من الانتشار يجب أن تملك رؤوس أموال كبرى!· لا يفلح سوى عدد قليل من القنوات التلفزيونية في تحقيق التمويل الذاتي من خلال بيع المنتجات من الصور الإخبارية والمواد الوثائقية أو الدرامية، وبيع المواد المشتقة من برامجها: 'بوستيرات'، قمصان، كراريس، أو تقديم خدمات متنوعة للمؤسسات السمعية ـ البصرية في مجال التكوين والتدريب أو الإنتاج أو البث· إن القنوات التلفزيونية الغنائية أو الموسيقية، لا تستثمر الكثير من الأموال في مجال الإنتاج والترويج، حيث تكتفي ببث وإعادة بث الشرائط الغنائية المصورة المسجلة أو تستضيف بعض الفنانين والمغنين للدردشة في الأستوديو وسط ديكور لا يتغير، ويعاني من قسوة التقشف وتصورهم بآلة كاميرا ثابتة أو كاميرتين فقط· هذه القنوات التي تخصص وقتا لبث الإعلانات يقارب الوقت الذي تخصصه لبث بقية برامجها وجدت ضالتها المالية في الرسائل القصيرة، حيث زودتها بمورد مالي لم يكن موجودا قبل عقد من الزمن·
حمى المال
تقدر بعض الأوساط بأن القناة التلفزيونية المبتدئة تبث أكثر من 3000 رسالة قصيرة يوميا، بينما يصل عدد الرسائل التي تبثها القنوات التلفزيونية الكبرى أو الناجحة إلى أكثر من 15 ألف رسالة يوميا· وإذا علمنا أن سعر الرسالة الواحدة تتراوح مابين 7 و10 دراهم، فإننا نصل إلى قناعة بأن أرباح بعض القنوات التلفزيونية من هذه الرسائل القصيرة تصل إلى الملايين من الدراهم في الشهر·
إن الإقبال المتزايد على إرسال الرسائل القصيرة إلى القنوات التلفزيونية نشط أكثر بفعل تزايد الإعلانات عن المسابقات الغنائية وبرامج الألعاب· فالرسائل القصيرة التي أرسلت في تصفيات برنامج 'سوبر ستار' و'ستار أكاديمي' و'الوادي' بلغت الملايين· كما أن الجوائز المعلنة عن كل مشاركة لإيجاد الحل الصحيح للغز الذي يعقب بث بعض البرامج أو الإجابة على سؤال يتعلق بمشاهدة فيلم أو مسلسل تلفزيوني أو برنامج منوعات شجعت الكثير من المشاهدين على إرسال الرسائل القصيرة لنيل مبلغ مالي معتبر، يتراوح ما بين 30 و50 ألف دولار!
ما يلفت النظر أكثر في هذه الرسائل القصيرة أنها تجري في ظل فراغ قانوني وبدون ضوابط أخلاقية· وما يقلق أكثر هو غياب التفكير الجدي في آليات مراقبة وتوجيه هذا الضرب من الاتصال والتفاعل· لقد حاولت بعض الدول الخليجية منع المشاهدين من المشاركة في برامج 'سوبر ستار' و'ستار أكاديمي' سواء بإرسال رسائل قصيرة أو القيام بمكالمة هاتفية بحجة أن هذا البرنامج لا يتماشى وقيم المجتمع· وقد ارتفعت أصوات الاحتجاج على هذا المنع التي رأت فيه ضغطا تمارسه بعض الأوساط على الدولة لدفعها للتحكم في أذواق الناس ومشاهدتهم للتلفزيون في زمن البث الفضائي الحر·
تقاليد
لقد رسخت بعض الدول المتقدمة جملة من التقاليد التي تصون حرية الفرد من جهة وتحمي المجتمع من كل تجاوزات من جهة أخرى في مجال البث التلفزيوني في إقليمها· ونذكر من جملة هذه القوانين الترخيص للقنواتها الفضائية بالبث مقابل الالتزام بدفتر الأعباء والشروط الذي يؤطر نشاطها ويخول للسلطة التنفيذية أن تسحب منها الترخيص إذا أخلت بالشروط المنصوص عليها في هذا الدفتر· إن الأمر يشبه إلى حد ما وضع ذاك الذي يتقدم بطلب لإنشاء مدرسة، لكن بعد حصوله على الترخيص يحولها إلى قاعة لميسر أو ملهى! فالسلطات العمومية في هذه الحالة يجب أن تتدخل لفرض شروط الترخيص· كما أن التقاليد ذاتها، تقتضي ألا تكون السلطات العمومية هي الخصم والحكم في الوقت ذاته، بمعنى يجب أن تشكل هيئة مستقلة تتابع ما تبثه القنوات التلفزيونية وتتخذ الإجراءات الضرورية للحد من تجاوزاتها، وتفتح المجال للقنوات الفضائية للتظلم لدى المحاكم من كل تعسف ضدها·
كما أن هذه التقاليد رسخت فكرة وجود إشراف قضائي على المسابقات التلفزيونية يحدد شروط الاشتراك، وطريقة اختيار الفائزين، وعددهم حتى تتم العملية في شفافية تامة وتكسب مصداقية، وان تقرن بإشراف علمي، لأن الكثير من الجوائز تمنح لإجابات خاطئة في العديد من مجالات العلم والمعرفة·
لقد تمكنت بعض الدول، مثل بريطانيا، من أخذ نسبة من العائد المالي لليانصيب، والألعاب والمسابقات التلفزيونية لتمويل المشاريع الثقافية وتنمية المنتج الثقافي المكتوب والسمعي ـ البصري وتوصيله إلى المعنيين حيثما وجدوا·
اندهاش مزدوج
يندهش بعض المختصين من اندهاشنا من استشراء ظاهرة الرسائل القصيرة المرسلة في القنوات التلفزيونية، إذ يعتبرونها شكلا جديدا من الاتصال المرغوب الذي ظل مغيبا منذ نصف قرن تقريبا· فالجمهور كان الغائب الأكبر في البث التلفزيوني الذي ظل يسلك اتجاها عموديا من الأعلى (أي من المرسل) إلى المتلقي· ويعتبرون أن هذه الرسائل تمثل التجسيد الحي للتفاعلية التي تسمح للجمهور بالمشاركة في البرامج التلفزيونية· ويذهب بعض المختصين إلى السخرية من نظرتنا النخبوية والمثالية للجمهور، ويحاول جاهدا أن يقنعنا بأن ما تتداوله القنوات التلفزيونية من رسائل قصيرة يعكس انشغالات وأمزجة شريحة واسعة من الجمهور· إنه جمهور التلفزيون الحقيقي وليس الجمهور، كما يتصوره البعض، أو كما يريده البعض الآخر أن يكون· لذا لابد من الكف عن الاستخفاف بهذه الرسائل واعتبارها ساذجة وسخيفة ومبتذلة·
للتأكيد على حكمهم هذا يوردون الحكاية الواقعية التالية: لقد قام المخرج الفرنسي ذو الأصول الألمانية ماكس أوفولس في السنة 1955 بإخراج فيلم بعنوان 'لولا مونتيس'· يقوم الفيلم بتصوير المرأة التي حمل اسمها في نشاطها اليومي كموظفة في السيرك· لا تقوم هذه المرأة بأي دور في السيرك سوى أنها تعرض نفسها أمام الجمهور، بشكل فضائحي، وتحكي عن حياتها بكل تفاصيلها، بما فيها الحميمية· لقد اعتبر هذا الفيلم ملعونا ومات مخرجه، كمدا، بسبب الانتقادات الحادة والجارحة التي وجهت له، وللفشل الذريع الذي مني به·
سياق جديد
في دفاعه عن الفيلم أكد ماكس أوفولس قبل وفاته أن أساس فيلمه يقوم على الأسئلة التي يطرحها جمهور السيرك على لولا مونتيس، وأنه استوحى هذه الأسئلة من البرامج الإذاعية التي كان الجمهور يشارك فيها بطريقة فضائحية· وأنه لا يرى حرجا من هذه النزعة العارمة في معرفة كل شيء عن كل الناس بما فيها أسرارهم الدفينة·
ويعتقد البعض أنه لو قدر لهذا الفيلم أن يعرض في هذا العصر فإنه يحقق، لا محالة، نجاحا منقطع النظير، ويصبح نموذجا للأفلام الخالدة· لماذا؟ لأنه يتناغم مع الموجة الجديدة للمواد الثقافية المصنعة· فحب التلصص على الحياة الخاصة للناس، والتسلسل إلى خباياها أصبح قدوة في عمل الصحافة الصفراء، وموضوعا مفضلا لتلفزيونات الواقع التي يتهافت عليها الأشخاص لعرض حياتهم الخاصة وأسرار عواطفهم ونزواتهم، بشكل نزق· ومادة للتسلية والترفيه في غرف الدردشة في شبكات الانترنت، ومحتوى الثقافة الطافحة السطحية والمسطحة في الفضائيات· فالرسائل القصيرة التي تستبيح المشاعر والعواطف بإيحاءاتها الجنسية تعتبر الوجه الأبرز في الموجة المذكورة·

اقرأ أيضا