الاتحاد

دنيا

صناعة الزجاج في لبنان حرفة بلا مستقبل

بيروت - غادة تميم:
عرف الإنسان في بداياته الأولى لتاريخ الحضارة الإنسانية صناعة الفخار، لكن بعض الأقوام التي كانت تسكن عند شواطئ البحار ظنت على ما نعتقد، أن كل رمل صالح لصناعة الفخار، فأخذت من رمل البحر الأبيض كميات وحاولت ان تصنع منه أشكالاً أو حجارة تقيها من حر الصيف وبرد الشتاء فلما أدخلتها في المواقد لحرقها وجدتها تذوب وتتحول الى معدن سائل شفاف أو يصبح شفافاً عندما يبرد، وهكذا اكتشفت أن في الرمل مادة جديدة يمكن الاستفادة منها، تلك المادة هي معدن الأردواز الموجود في رمل شرق البحر الأبيض المتوسط وخصوصاً عند سواحل لبنان وسوريا وفلسطين، ثم اكتشف الإنسان أن هذه المادة الجديدة يمكن نفخها فبدأ يصنع منها الأوعية والأكواب والقوارير المختلفة التي تطورت إلى أن أصبحت ما نسميه اليوم صناعة الزجاج التي ما زالت أفرانه قائمة إلى اليوم·
كان الزجاج في البداية سميكاً لأنه كان مصنوعاً من الأردواز وحده، وعندما نقله الكنعانيون والفينيقيون من سواحل البحر الأبيض المتوسط الى مصر، مزجه المصريون بمصادر رمل أخرى وجدت لديهم محاولين اكتشاف خامات جديدة للزجاج فتفاعل الأردواز مع هذه الخامات وانتج زجاجاً رقيقاً بنفس صلابة الزجاج الفينيقي السميك· وهكذا بدأ تطور صناعة الزجاج من زجاج ذي لون واحد الى زجاج ملون تختلف ألوانه باختلاف نوع التربة التي تضاف إليه ومصدرها والمعادن الموجودة بها·
لمعان الفضة
لكن صناعة الزجاج لم تقف تاريخياً عند هذا الحد فقد أراد مصنعوه أن يضيفوا إليها التماعة الفضة ليستعملوا الزجاج كمرايا بعد أن تنبهوا إلى هذه الخاصية في الزجاج الذي كان يظهر صورهم في الظلام، فجربوا في البداية إضافة الفضة الى الزجاج السائل أثناء طبخه فلم يعط المرايا لكنه أعطى زجاجاً أشد وأقسى بمئات المرات من الزجاج المعروف وهو ما يعرف حالياً بإسم الكريستال، فإذا بالتجارب تتوالى في هذا الحقل وظلت مستمرة حتى صنعوا من هذا الزجاج ما يعرف بالماس الصناعي (أكثر من نصفه من الفضة والباقي من الزجاج) وهو ذو صلابة توازي صلابة الماس ولذلك سمي بالماس الصناعي ويستعمل بديلاً عنه في صناعة أدوات القطع والحفر والتنعيم والثقب للمعادن والأحجار الكريمة، كما يستعمل في رؤوس المثاقب أثناء البحث في المناجم عن المعادن الثمينة والماس·
بدأ الزجاج كسلعة ثمينة لا يستعملها إلا من يستطيع دفع أغلى الأثمان ولكن مع انتشار إنتاجه في ساحل المتوسط وانتقاله الى مصر، ومن سواحل صيدا وصور الى اليونان وأوروبا بدأت أسعاره بالهبوط وتحول الى سلعة شعبية في أنواعه العادية فبحث الصناع عن وسائل جديدة للحصول على أثمان عالية عبر الرسم والتزيين بإدخال صور مصنوعة من الزجاج داخل الزجاج نفسه في طبقاته الداخلية فكانت التحف الزجاجية الفينيقية التي ما زالت موجودة إلى يومنا هذا في المتاحف اللبنانية والسورية والعربية·
مرايا
أما المرايا فلم يتخلوا عن فكرتها بل تابعوا البحث فيها وبعد أن كانوا يستعملون المعادن وألواح الفضة المصقولة كخلفيات للزجاج أخذوا بطلاء الزجاج بنيترات الفضة ثم بتغليفها بمادة سوداء معدنية كي لا تتأكسد الفضة وتصدأ بمرور الزمن، ولتحافظ المرآة على أصالتها لفترة طويلة فكان إنتاج المرايا الزجاجية المعروفة الآن، الا أن المرايا ايضاً لم تستمر على حالها هذه بل استعمل البلور وهو نوع من الزجاج الشديد الصفاء والمعالج بدرجة عالية من الحرارة فصارت أقوى، ثم أضيف الى الزجاج خليط من القصدير والنحاس فصار هناك الزجاج البرونزي الذي يستعمل كمرايا ويدوم لفترات طويلة من الزمن دون ان يتقشر·
الطرق التقليدية
كانت صناعة الزجاج بالطرق التقليدية منتشرة في لبنان لكنها اضمحلت مع الوقت، وصارت الأفران تستعمل الزجاج المكسور بعد فرز ألوانه ليعاد تصنيعه اكواباً ومرطبانات وزجاج للنارجيلة والأدوات اليومية، فتراجعت صناعة الزجاج المصبوب مع إنشاء المصانع الحديثة ذات الكلفة الأقل والصناعة الأجود وما زال الزجاج المنفوخ يستخدم في صناعة بعض التحف الغنية والأشكال الجميلة ولكن بنسبة قليلة جداً ومعظم أرباب الحرفة فيه هم من العمالة السورية في لبنان وبعض المعلمين القلائل من اللبنانيين في الصرفند وصيدا وطرابلس·
الصب والنفخ
وتشير الباحثة الدكتورة مها كيال في دراسة لها حول القطاع الحرفي في طرابلس شمال لبنان الى أن صناعة الزجاج المنفوخ اليوم موجودة في المعمل الوحيد الحرفي الموجود في البداوي / طرابلس الى جانب معملين يصنعان الزجاج بطريقة الصب هما أقرب في نمط عملهما الى النمط الصناعي، وتقول إن هناك طريقتين لصناعة الزجاج في هذه المعامل الثلاثة:
* أولاً: زجاج النفخ
يختلف فرن زجاج النفخ عن فرن زجاج الصب في أن الأول هو في العادة صغير الحجم لا يعطي الحرارة الكافية التي يحتاجها الزجاج المصقول، وهذا هو السبب وراء ظهور فقاقيع الهواء التي تشاهدها بشكل جلي في الجسم الزجاجي المنتج· ولنفخ الزجاج تدخل حديدة النفخ الفرن وتؤخذ بواسطتها قطعة صغيرة من عجينة الزجاج تسمى 'فسكة' ثم يجري نفخها قليلاً لأن مهمتها أن تمنع سد فوهة الحديدة بـ 'الكلخة' أي عجينة الزجاج أثناء تشكيلها ولكل شكل زجاجي طريقة صنع، خصوصاً ان غالبية القطع المصنعة اليوم بطريقة النفخ هي من القطع التزيينية الفنية·
ويستخدم الحرفي تقنية تحريك حديدة الزجاج بالهواء بطريقة تسمح وحسب رغبته بتمديد شكل الآنية أو إعطاء شكل حلزوني للزجاج، وتشكل قاعدة الإناء دوماً على قاعدة من الخشب تسمى 'كبشاية' لها قياسات متعددة لتتوافق مع حجم القطعة المنوي تشكيلها وكل هذه الحركات مدروسة بدقة وتسندها الخبرة العملية التي يستخدم خلالها المقص، والبولين الرفيع، والطقاقة وغيرها من الأدوات لتشكيل الآنية·
* ثانياً: زجاج الصب
أما فرن زجاج الصب فكبير نسبياً، له أربع فتحات يشتغل من خلالها اربعة عمال في الوقت نفسه، في وسطه منطقة المحور التي تحتوي على فتحات داخلية ترمى من خلالها بواسطة جاروفة حديدية قطع الزجاج المكسور والمجموع حسب الألوان في قفص من القش فتهبط هذه القطع الى مقر الفرن فترتفع بسبب هبوطها عجينة الزجاج المذاب التي تستخدم لتشكيل الآنية·
وبقرب فرن الزجاج هذا هناك 'المخمر' وهو فرن حراري آخر توضع في داخله القطع المصنعة وتمرر على بساط متحرك لتخضع لتدرج حراري يخفض تدريجياً كلما اقتربت هذه القطع من فتحته الخارجية ليتم سحبها من المخمر وطريقة التصنيع في فرن الصب كلها آلية، فكلخة الزجاج توضع بداية في قالب تدخل في فتحته بطريقة لولبية قطعة من الحديد لفتحه ويرفع بعدها الشكل المصنع بواسطة ملاقط طويلة ويوضع في القالب الذي سيتشكل فيه حسب الشكل النهائي المراد تصنيعه، وبعد التشكيل ترفع القطعة من القالب وينظر اليها للتدقيق بنقاوة صنعها·
في طريق الزوال
ويقسم الدكتور فريدريك معتوق أنواع الحرف في صيدا الى ثلاث، حرف جاذبة للتعلم، وحرف متوسطة الجذب، وحرف غير جاذبة بتاتاً ويضع في النوع الثالث حرف ثلاث تجد صعوبة في البقاء على قيد الحياة، وهي حدادة التنك، والزجاج المنفوخ والتنجيد العربي كمهن معدومة المستقبل بنظر الحرفيين وقد تخطتها التكنولوجيا كلياً دون السماح لها بإعادة تأهيل نفسها·
ويعرض معتوق في دراسته 'الحرفيون في لبنان: واقع وآفاق' والمستندة الى استمارات وتحقيقات ميدانية ان العاملين في بعض المهن الحرفية غير الجاذبة ومنها نفخ الزجاج هم من الأميين أو الذين يعرفون القراءة والكتابة فقط، وبالتالي فإن عملهم الفردي تغيب عنه عملية تطعيم مهاراته بأخرى متطورة كما في مزاوجة النحاس بالزجاج المنفوخ في محترفات سوريا وهو ما يحول دون تطوير الحرفة وبالتالي الى غيابها التدريجي عن الاهتمام، وقد تبين له أن كل حرفي بنى لنفسه شبكة من الزبائن اعتادت عليه واعتاد عليها بشكل شبه دائم وهو يتحرك ضمن هذه الدائرة ويكتفي عادة بها·
واقع مؤلم
واقع الحرفة اليوم مؤلم إذ لا يوجد سوى مصنع للزجاج المنفوخ بأشكال فنية مميزة في منطقة البداوي بشمال لبنان وهو يعمل حسب الطلب وليس بشكل ثابت، لكننا وجدنا في جولتنا الميدانية أن هناك مصنعاً آخر في الصرفند ما بين صيدا وصور يعمل هو الآخر حسب الطلب وفي مواسم المعارض السياحية، وهناك سبل أخرى تسهم في بقاء الزجاجيات المنفوخة وتتمثل في الرسم على الزجاج الملون المنفوخ والموجود في الأسواق والذي ينتجه هذان المصنعان، وهي مهنة تقبل عليها سيدات الأسر اللبنانية ويتم الرسم عبر مراحل محددة وهي:
* تنظيف سطح الزجاج المستخدم بالماء والصابون ولا تستعمل منظفات الزجاج لأنها تكون سطحا عازلا يمنع تماسك الألوان مع الزجاج·
* رسم الشكل المراد بألوان تحديد مع مسح فوهة أنبوب ألوان التحديد باستمرار لتجنب تراكم المعجون·
* استعمال ألوان الزجاج في تلوين الأجزاء المختلفة من الرسم مع جعل سطح الزجاج أفقياً عند تلوينه بالألوان·
* يمكن استخدام التنر لإزالة الألوان أو تخفيفها ولتنظيف الفرشاة·
* يمكن نقل التصميم الذي تم اختياره على سطح الزجاج بواسطة ورق الكربون أو وضع الرسم خلف الزجاج ثم الرسم فوقه·
* يجب ترك الألوان حتى تجف في مكان آمن حتى لا تشوهها اية لمسة ويصعب تعديلها بعد ذلك·
الا ان الرسم على الزجاج لا يكفي اليوم لتسويق هذه الحرفة فلا بد من إيجاد فرص لتعلمها قبل زوالها - ونقصد هنا حرفة صنع الزجاج المنفوخ - اذ لا يجوز ان تغيب عن ساحتنا حرفة كنا الأوائل فيها فيما تطورت ولا تزال في سوريا ومصر·

اقرأ أيضا