الاتحاد

ثقافة

«مندلي» تنحو إلى الترميز و«انفلات» تناقش الخيارات الصعبة للأفراد

أحمد اشكناني وأحلام حسن في لقطة من مسرحية «مندلي» (من المصدر)

أحمد اشكناني وأحلام حسن في لقطة من مسرحية «مندلي» (من المصدر)

جهاد هديب (الدوحة)- تواصلت مساء أمس الأول بالدوحة فعاليات الدورة الخامسة لمهرجان المسرح العربي الذي تقيمه الهيئة العربية للمسرح بالتعاون مع وزارة الثقافة والفنون والتراث القطرية والذي يستمر حتى مساء الثلاثاء المقبل بإعلان العمل المسرحي العربي الفائز بجائزة “صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي” لأفضل عمل مسرحي عربي متكامل.
فقد عرضت على خشبة مسرح الدراما – كتارا المسرحية الكويتية “مندلي” لفرقة الجيل الواعي المسرحية ومن إخراج عبد الله التركماني وتأليف جواد الأسدي وشارك في التمثيل ثمانية ممثلين.
وبدءا فإن “مندلي” هي قرية عراقية تقع على الحدود الإيرانية وقد أبيدت بالكامل عندما اتخذت منها الجيوش العراقية خط دفاع أول خلال حرب الخليج الأولى، غير أنها على الخشبة ليست سوى شخصية ذلك الجندي، المُذَل والمُهان والمدمّر بسبب الحرب من جهة وبسبب بطش القادة من جهة أخرى، الأمر الذي يجعله يعيش حالة كابوسية – غير واقعية تكاد تدمر علاقته بزوجته، إلى هنا يمكن تأويل الحالة تماما على أنها تخص عراق الثمانينات، غير أن المخرج يعدّل في النص ويقوم بإسقاط ما، على واقع راهن عندما يقوم الجنود بخلع قائدهم والإطاحة به، أي الإلماح إلى ما حدث مؤخرا ويحدث في غير بلد عربي.
بهذا المعنى، فإن “مندلي” هي استعارة لما يعيشه الإنسان العربي لجهة حياته بسلطة حوّلته آلياتها إلى كتلة من الغباء وانعدام الإحساس بالكرامة، حيث ينطوي العمل على الكثير من هذه الممارسات التي يقوم بها القائد.
غير أن اللافت هنا هي تلك النزعة التجريبية في الإخراج التي سعى المخرج عبد الله التركماني إلى أن تكون محكومة لرؤيته الإخراجية ومخيلته الشابة وكانت ناجحة فنيا رغم أن المرء يشعر أحيانا أنها أفلتت من بين يديه. تنفتح الخشبة على ديكور لا يحدد هوية للمكان، إذ أن طبيعة الديكور قد تشي بداخل بيت شعبي فقير، أو سوى ذلك، لكن ما إن تضاء الخشبة حتى نكتشف أننا في ثكنة عسكرية أو مهجع وفي تمرين صباحي قاس ومذّل، ثمّ يُدخلنا المخرج في خضّم العمل مباشرة مع الجندي “مندلي” الذي يؤدي دوره الممثل الشاب الموهوب حمد أشكناني.
واللافت أيضا أن عبد الله التركماني، وفريق العمل بالطبع، قد أوجد حلا إخراجيا يعالج من خلاله مأساة إنسانية وفقا لرؤية فنية. بعد انتهاء التمرين الصباحي وانفضاض العسكر من حول “مندلي” نرى الخشبة قد أصبحت من جزأين: المقدمة ثم المؤخرة وبينهما زجاج شفّاف يمارس ما هو أقرب إلى أن يجعل من حياة “مندلي” حياة مقسومة إلى ما هو واقعي في المقدمة وحلمي – تذكري، أو مزيجهما معا، تجعل المتفرج يدرك أنه أمام مستويين للشخصية، وأمام تناقضين بل أمام تصدُعيْن كابوسيين: حياته هنا وحياته هناك.
باختصار، نجح هذا العمل الشاب بامتياز في أن يكون تجريبيا، على مستوى الديكور وإدارة الممثل وربط عناصر السينوغرافيا ببعضها البعض التي سمحت بانتقال سلس من مشهد إلى آخر دون أن يفقد الصراع الدرامي حدته أو توتره. وما يؤخذ على العمل هو ارتفاع الصوت الجمعي أحيانا على حساب صوت الفرد، حتى يصير ذلك الصوت أشبه بجوقة، ثم الصراخ من قبل الممثلين دون مبرر درامي، وتلك الشعرية العالية في لغة الحوار المسرحي التي جعلت التمثيل في بعض مطارحه إلقاء شعريا تمثيليا لا تمثيلا صافيا، ثم تلك النهاية المفتوحة على الاحتمالات الغامضة إلى حد يبدو أنها قد أفلتت من يد المخرج ولم تعد توحي بشيء أو فكرة أو موقف.
وإلى العرض الأخير من ليلة أمس الأول الذي جرى تقديمه على خشبة مسرح قطر الوطني وحمل عنوان “انفلات” من تأليف وإخراج وليد الدغسني وتمثيل: أماني بلعج ومكرم السنهوري لفرقة سبيس للإنتاج من تونس.
هذا العرض أيضا شاب بامتياز، قدمه ممثلان من الهواة لا المحترفين، غير أن فكرته الأساسية تقوم على خطين متوازيين، تتمثل الأولى في معايشة لحظة سقوط النظام في تونس وذلك الخوف الطبيعي لدى زوجين شابين من أن يهاجم غرباء (أشقياء وزعران ولصوص وربما قتلة بيتهما) أما الأخير فيتمثل في أن اللحظة الثورية لا تزال مستمرة وثمة ما يستدعي الخروج لإنجاز هذه اللحظة لاستكمال تحقق المطالب الشعبية التي مات من أجلها الشبّان. بين هذين الخطين نرى على الخشبة شدّ وجذب؛ مخاوف ورغبات؛ تلك التي تنشأ لدى الفرد نتيجة انعدام الخبرات وتراكمها في سياق مجتمع لم يعتد أن يكون حرّا في خياراته، لتكون لحظة الحسم ناتجة عن خيار الفرد بمفرده وليس خيار الجماعات إنما التجمعات فتغادر المرأة لتنتمي إلى فضائها الطبيعي: لحظة الحسم.

اقرأ أيضا

شعرية الإيجاز.. وفتنة تنهشها الكوابيس