الاتحاد

دنيا

كريم سهر: العلاقة بين الضغوط والأمراض النفسية طردية

التطوع يلعب دوراً في دعم الصحة النفسية

التطوع يلعب دوراً في دعم الصحة النفسية

الصحة لا تعني عدم وجود المرض فحسب، بل هي حالة تكاملية ما بين الجسد والعقل والنفس، والمرض في الجسم يأخذ درجات تختلف مدة الواحدة عن الأخرى حسب قوة الجسم وتركيبته الفسيولوجية، والغذاء المتبع والحالة النفسية والروحانية، إضافة إلى المحيط الذي يعيش فيه الشخص عوامل تلعب دوراً في تفسير الصحة ومحاربة المرض. والصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى، والصحة النفسية هي أيضاً التوافق مع المجتمع، وشعور الإنسان تجاه نفسه وتجاه الآخرين، وقدرة الإنسان على التطور في كيفية مواجهة مطالب الحياة بارتياح وثقة ورضا.

الصحة النفسية تعرف على أنها حالة من الراحة التامة الجسدية والعقلية والاجتماعية، وليست غياب المرض، وتعني أيضا قدرة الشخص على الاستمتاع بالعمل المنتج والحب بشقيه الزواجي والحنون معاً، كذلك هي محاولة لمواجهة متطلبات الذات ومتطلبات البيئة، الصحة النفسية هي توافق أحوال النفس الثلاث، وهي حالة الأبوة وحالة الطفولة وحالة الرشد، والقدرة على الحب والعمل والتسامح مع الآخرين.
تمكين الصحة
يعرف كريم سهر، استشاري الصحة النفسية والباراسيكولوجي، رئيس المعهد الكندي للعلوم الصحة، الصحة النفسية بأنها «التوافق الداخلي بين مكونات النفس من جزء فطري هو الغرائز (الهو)، وجزء مكتسب من البيئة الخارجية وهو الأنا الأعلى». ويؤكد أن لهذا التعريف أصولاً إسلامية، فالنفس الأمارة بالسوء تقابل الغرائز، والنفس اللوامة تقابل الأنا الأعلى، وحين يتحقق التوازن والتوافق بين النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة تتحقق الطمأنينة للإنسان وتوصف بأنها نفس مطمئنة. ويضيف «يتحقق منهج الإسلام أركان الصحة النفسية في بناء شخصية المسلم بتنمية هذه الصفات الأساسية: قوة الصلة بالله، والثبات والتوازن الانفعالي، والصبر عند الشدائد، والمرونة في مواجهة الواقع، والتفاؤل وعدم اليأس، وتوافق المسلم مع نفسه، وتوافق المسلم مع الآخرين».
ويرى سهر، سفير السلام والنوايا الحسنة في كندا والشرق الأوسط، أن الصداقة لها تأثير على الصحة النفسية. ويوضح «الاهتمام بتكوين صداقات جديدة ومستمرة، يشعر الإنسان بأهمية الحياة، والرغبة الدائمة فيها، ومن ثم البعد عن كل ما يعرضه للأمراض التي تنتج أساساً من الأزمات النفسية، والتي تبدأ من الشعور بالوحدة والعزلة»، مشيراً إلى أن اللطف والتهذيب والرقة في التعامل مع الناس تؤدي إلى تخفيف ضغوط الحياة، غير أن تراكم مشاعر الاستياء في نفوس الناس تؤدي في النهاية، تحت ضغطها المتواصل، إلى ثورة عارمة عمياء من الغضب تكتسح أمامها كل شيء. وحول المظاهر الفسيولوجية للغضب مثل ارتفاع دقات القلب، وكيفية الاستجابة السلبية لمثل هذه الأعراض والتحكم فيها، يقول سهر إن مناهج كيفية السيطرة على غضب المرء لابد أن تدرس في المدارس للصغار في مرحلة متقدمة من العمر حتى تعطي ثمارها وفوائدها فيما بعد في سن البلوغ، ويضيف «عمل الخير علاج لأمراض نفسية، حيث إن الاندماج في المجتمع وعمل الخير والعطاء والإيثار أكثر نفعاً لصاحبها من المؤدي له، فأداء الأعمال الخيرية أحد عناصر العلاج التي يصفها الأطباء للمرضى في المستقبل، كما أن حث مريض الضغط النفسي على البذل والعطاء يساعده بالفعل في التغلب على مشكلته، ويمكن أن ينشأ هذا الشعور بالدفء العاطفي من إفراز مادة «الأندروفين» التي يفرزها المخ عند الإحساس بالراحة النفسية، فأعمال الخير والأفعال الطيبة يمكن أن تعود على الجهاز المناعي للجسم بالفائدة، حيث يرتبط الجهاز المناعي للجسم مع حالة استقرار النفس برباط وثيق، إذ تربط الموصلات العصبية بين المخ ونخاع العظام، كما يقوم الطحال أيضا، عقب الارتياح النفسي بعمل الخير، بإنتاج خلايا مطلوبة لحماية الجسم ضد الغزو الميكروبي مثل مادة «تفتستين». ولذا فقد صار الاتجاه الحديث هو محاولة قيام المرضى بمساعدة الآخرين والعمل من أجلهم تحسين أحوالهم النفسية ومن ثم العضوية وبالتالي تقوية قدرة المناعة لديهم».
اختلال التوازن
يوضح سهر أن للإجهاد عواقب نفسية وجسمية وعقلية واجتماعية وروحية على الصحة، ويضيف «الإجهاد يهدد استقرار الإنسان جسمياً، وقد يؤدي إلى شعور هدام أو سلبي عن الذات من الناحية العاطفية، أما من الناحية الذهنية فيمكن للإجهاد أن يؤثر على إدراك الشخص وقدرته على حل المشكلات، ويمكن للإجهاد من الناحية الاجتماعية أن يغير علاقات الفرد مع الآخرين، ومن الناحية الروحية ربما يؤدي إلى شك الإنسان بمعتقداته وقيمه، وثمة الكثير من الأمراض التي ترتبط بالإجهاد، وإذا كانت نشأه الأمراض النفسية في مراحل الطفولة أو احتمالات امتدادها إلى المراحل العمرية اللاحقة». ويضيف «إذا كان هناك خلل أو اضطراب في الجهاز النفسي بسبب عدم القدرة على التكيف أو حالة من الوهن أو زيادة غير اعتيادية في الوساوس، أو زيادة في القلق أو اضطرابات هستيرية تعتري الإنسان، فإن الضغوط تزيد من وطأة تلك الأعراض المرضية، وتساعد في تخلخل التوازن النفسي، فيقع الإنسان صريع المرض بفعل وجود حالة من التهيؤ النفسي الداخلي للمرض. فالعلاقة إذن تبادلية بين الضغوط والأمراض النفسية خاصة إذا ما عرفنا أن الضغوط الداخلية هي التهيؤ النفسي (الاستعداد) لقبول المرض، أي ضعف المقاومة الداخلية».
ويعزو سهر الإصابة ببعض الأمراض إلى الضغوط الخارجية، ويضيف «هناك صعوبات لدى البعض في التعامل مع المحيط الاجتماعي، وعدم القدرة على مواجهة المشكلات، وتحمل الصدمات مثل الخسائر المادية، أو موت شخص عزيز، وهذه الضغوط بدورها تسبب بعض الإعياء ثم الإجهاد العصبي والتعب الشديد الذي يصل أحيانا إلى حد الموت، فضلاً عن احتمالات الإصابة ببعض الأمراض العضوية ذات المنشأ النفسي مثل التغيرات الكيميائية والحيوية في الدم، وارتفاع ضغط الدم، والسكري، والقرحة الدامية والصداع والقولون»، مشيرا إلى أن نسبة كبيرة من مراجعي الأطباء يشكون أمراضاً ناتجة عن الضغوط، وتنحصر تلك الأعراض في القلق، الشعور بالذنب والخوف، الاكتئاب، والخوف من المستقبل، والعدوانية الزائدة، والانطواء، وفقدان الثقة بالنفس.
ويلفت سهر إلى أن التعرض للمواقف الصعبة التي ربما تستمر زمناً ليس قليلاً لا يؤدي إلى القلق المزمن فحسب، بل يحدث تغييراً في معدلات المرض، وقد يؤدي إلى الوفاة أحيانا. ويضيف «تعجل الضغوط بظهور بعض الاضطرابات السلوكية وخاصة إذا كانت الضغوط شديدة، أما إذا كانت الضغوط خفيفة، فإن الإفراد من ذوي الاستعداد المرضي أو من الذين نشأوا في ظروف صعبة فإنهم سيعانون طويلاً من بعض الاضطرابات وحالات من التوتر والضيق».




أهم الأمراض النفسية الجسدية:
يرى سهر أن هناك أمراضاً نفسية تتحول إلى جسدية ومنها:
? أمراض القلب: إن السبب في انتشار هذه الأمراض يكمن في الإجهاد النفسي والتوتر والانفعال، وعادة تزداد حالة الإنسان سوءاً وقت الأزمات والكوارث والحروب.
? ضغط الدم: إن ارتفاع ضغط الدم في كثير من الحالات يأتي كرد فعل جسدي للحالة النفسية السيئة التي يعيشها الأفراد، وتشير الدراسات إلى أن ضغط الدم يرتفع لدى الناس في حالة المواجهة أو الاستثارة والغضب. توجد علاقة قوية بين الظروف والأحوال المعيشية السيئة التي تسود المجتمع وقت الحروب والكوارث وبعدها.
? قرحة المعدة: إن المعدة تتأثر تأثراً كبيراً بالحالة النفسية والظروف الاجتماعية للإنسان. وهناك علاقة وثيقة بين مركز الأعصاب في المخ وبين وظيفة هذه الأعضاء. حالات قرحة المعدة تعود أسبابها إلى الظروف والعوامل النفسية والاجتماعية كالغضب والانفعال والتوتر وسرعة الاستثارة والحيرة والفزع والجزع والخوف والقلق الدائم وغيرها من المشكلات التي تواجه الإنسان في حياته.
? قرحة القولون: هناك علاقة بين الأوضاع النفسية والظروف الاجتماعية والإصابة بقرحة القولون، هناك سمات مشتركة بين القرحتين قرحة المعدة ومرض القولون من حيث الأسباب والعوامل المؤدية إليها.
? اضطرابات الجهاز التنفسي: إن مرضى الاضطرابات التنفسية عادة ما يشكون من الحرمان العاطفي وحنان الوالدين، وفقدان أحد الوالدين أو الأخوة وحالات الموت.
? الاضطرابات النفسية والعقلية: المرض العقلي والاضطراب النفسي مظهران لاضطراب الشخصية وسوء توافقها، وإن كان هناك خلاف بينهما من حيث المنشأ والعوامل الممهدة لكل منهما، بل ويصل الخلاف إلى مظهريهما، فالأمراض النفسية تماما مثل الأمراض الجسدية، لها درجات ومستويات تتراوح بين الخفيف والمتوسط الذي لا يشكل تهديداً للحياة، والمزمن الذي يهدد حياة المريض إذا لم يتم التدخل العلاجي العاجل. فعلى سبيل المثال أمراض القلق والتوتر والاكتئاب لا تشكل خطراً على حياة الإنسان إذا كانت حالات خفيفة أوعارضة (طارئة) بسبب ظروف أو أحداث معينة مرت على المريض. أما إذا زادت حدتها أو مدتها فإنها قد تؤدي للانتحار.

اقرأ أيضا