الاتحاد

الملحق الثقافي

نحو نظام فكري جديد مبدع

الفصام مرض نفسي خطير، فإذا أصاب الفكر انعكس على أصحابه بالسوء، فلماذا أصيب الفكر العربي المعاصر بهذا المرض؟ هل هو بسبب التحديث؟ وما طبيعة الإصلاحات والتحديث في الإمبراطورية العثمانية ثم في سوريا ولبنان ومصر؟ وكيف دخلت العلمنة والحداثة الغربية إلى هذه البلدان؟ وكيف احتدمت أزمة الهوية في غياب المرجعية القومية وفي ظل تأسيس أحزاب متطرفة؟ وهل كان نموذج الحزب الواحد والنظام الاشتراكي حلاً لهذه المشكلة؟
هذه التساؤلات وغيرها يطرحها الدكتور غريغوار منصور مرشو في كتابه ''الفصام في الفكر العربي المعاصر''، ويعالج فيه مشكلات الفصام الفكري والثقافي الذي أصاب الوطن العربي والآثار المادية المترتبة على ذلك الفصام في المجتمع الحديث، ومن أهمها انشطاره إلى معسكرين متناحرين، حداثي وسلفي، وهو يركز في كتابه على ثلاثة محاور أساسية هي سوريا ولبنان ومصر، كونها شكلت نقاط استقطاب لحراك الفكر الثقافي في المنطقة·
تبخيس الذات!
بدأ المؤلف كتابه بالإشارة إلى هيمنة النظام الغربي بكل منظوماته على الشعوب الأخرى، ورأى أن الفصام في الفكر العربي بدأ مع تمفصل الاتصال الثقافي ما بين الجماعات والمجتمعات على آليات مؤدية إلى انمحاء الثقافة المحلية لحساب الثقافة المسيطرة، وانتهاء هذه الأخيرة إلى نفي الاختلاف، ورفض الاستقلال للثقافة الأولى المسيطر عليها، بل إدانتها من أجل احتوائها وإلحاقها بعلاقة سيد/ عبد· وخاصة لما ارتبط هذا الانمساخ، تحت تأثير عمليات الاستبطان، بدونية العبد أمام غلبة السيد· وذلك عن طريق تبخيس الذات ونكرانها·
ويقدم المؤلف لمحة تحليلية عن كيفية صناعة الآخر الغربي لصورته والطرق المعرفية التي توسلها لتشويه صورة الآخر الخارج عن قارته، ليبين الآليات التي حاول من خلالها أن يفرض ثقافته، ثم كيف تمكن النظام الغربي بمختلف منظوماته المعرفية من الهيمنة على الشعوب الأخرى، وبخاصة الإمبراطورية العثمانية، التي كانت تشكل نقطة تحد أساسية للدول الأوروبية آنذاك·
ومع نشوء الحضارة الحديثة وإنشاء الدولة ـ الأمة في الغرب، تعاظمت آليات التثاقف بوسائل الإجبار، ومن ثم بالتخطيط، وطرحت حالة التبعية المستمرة بحدة، حتى باتت شرطاً مسبقاً لتغذية مطامع التوسع العسكري والسياسي والاقتصادي· وكان هناك اعتقاد بأن ثمة مبدأ يستوجب التأمين على مكانة متميزة في مرآة المركزية الأجناسية التي صاغها الغربيون عن ذاتهم، وعرّفوا من خلالها الشعوب الأخرى، حيث بني كل مفهوم عن التاريخ بمقتضى منظور يفرق ما بين التاريخي وما قبل التاريخي، مما أدى إلى زج غالبية الشعوب الأخرى في منطقة مظلمة غير محددة، مموضعة خارج التاريخ أو خارج القانون!· وكان على هذا المفهوم أن يضع مختلف الشعوب أو المجموعات الثقافية في مسار تستأثر فيه أوروبا بالوصاية عليها· وبالتالي لم يكن التعريف التاريخي ينطبق على شعب من الشعوب إلا في لحظة اتصالها بالغرب واحتوائها من قبله·
ويستنتج الكاتب بأن أوروبا هي التي قررت أن يكون الشرق على ما هو عليه اليوم، من خلال العلم وعمليات التنقيب والإدارة المحكمة وبحوث الاستشراق الحديثة والتي استوحى منها نابليون بونابرت توجيهاته إبان حملته على مصر· ويشرح مرشو الآليات التحديثية التي اعتمدت في العالم العربي ويتساءل عن الإجراءات التي اتخذتها النخب المثقفة المحلية من أجل إرساء معالم النهوض والإصلاح وإعادة إنتاج مفاهيم الحداثة الغربية للتكيف مع الواقع الجديد· ويرى أن الهجمات الاستعمارية المنظمة اعتباراً من مطالع القرن التاسع عشر، كانت تستثير رغبات قادة الدول المحلية للتحديث طبقاً للنموذج الغربي الزاحف، لأنها ترجمت في أوساط النخب المحدثة المغرَّبة إلى منطلق أساسي للوعي، وإلى عنصر مساعد في تحرير الشعب من الانحطاط والنسيان لحساب تاريخ الفاتحين الجدد وحضارتهم· وهكذا تعاون الحكام المحليون مع السلطة الغربية بحجة الوصول لدول حديثة، بإدخال العلمنة والحداثة الغربية إلى دولهم في مجالات الاقتصاد والسياسة والقانون لتحقيق التقدم، مع وسم الثقافة المحيطة بالبدائية· ولجؤوا إلى تطعيم الدول بمؤسسات النموذج الغربي، عن طريق إنشاء ترسانات ومدارس عسكرية حديثة، واستحداث فيالق من الجيوش المؤتمرة بتوجيهات الخبراء الأوروبيين، بأمل محاكاة الأمم الحديثة· وانتهى ذلك بإدخال العلمنة إلى آلة الدولة على الصعيد الاقتصادي والسياسي والقانوني، حتى صارت القوانين المنقولة عن الثورة الفرنسية، تعد قمة الحداثة الكفيلة باسترجعاع التوازن والاستقرار·
قصور الإصلاح
لكن ونظراً للنتائج المشؤومة لهذا التحول المفاجئ القاهر، وسياسة الهروب إلى الأمام، وضغوطات التهديد من القوى العظمى، آنذاك، تعددت المقاومات الشعبية مطالبة بالرجوع إلى الأصل ملجأ وحيداً يمكنه من الحفاظ على استمرارية الأمة ولحمتها· غير أن النخب المثقفة المحلية بدلاً من تعضيد معنى الشؤون العامة، والتأكيد على اختلاف هويتها، انكبت على إعادة إنتاج مفاهيم الحداثة الآتية من الخارج، للتكيف مع ثقافتها ولغتها ومعاييرها وقيمها، دون أن تبذل الجهود الجدية في التفكير أو التساؤل عن الحدود التاريخية ـ الاجتماعية لهذه المبادئ· فشعر النهضويون والعلمانيون والإصلاحيون الإسلاميون بقصور الإصلاح، واتفقوا بالإجماع رغم خلافاتهم الإيديولوجية على المطالبة بسياسة ليبرالية إنسانوية، تقضي بتوزيع السلطات بالتساوي، وتسهيل مسار التقدم·
واحتدمت أزمة الهوية في غياب المرجعية القومية، واندفع القوميون لتأسيس أحزاب بمختلف الاتجاهات الإيديولوجية السياسية المتطرفة، فوجدت الدول أنه لا مناص من الحزب الواحد بحجة استعادة الهوية والوحدة، وتبنت النظام الاشتراكي بديلاً، لتسريع عجلة التقدم وتعبئة الجماهير من أجل مستقبل أفضل في إطار الدولة القومية الموحدة· ولكن هل حل الحزب الواحد والنظام الاشتراكي المشكلة؟·

اقرأ أيضا