ثقافة

الاتحاد

قوة الإلهام الفلسفي في مواجهة الحياة

محمد نجيم (الرباط)

أصدر الباحث والمفكر المغربي سعيد ناشيد، مؤخراً، كتابه الجديد والقيم «التداوي بالفلسفة»، الصادر عن دار التنوير، هو محاولة لاستذكار بعض البداهات المنسيّة، وإنصاف الفلسفة من أهلها أنفسهم والذين ليسوا بمعصومين بدورهم عن الجُبن في مواجهة الحياة، وذلك أمل في استعادة القدرة على الحياة البسيطة، وفق بوح سبق إليه نيتشه بتواضع الكبار كما وصفه المؤلف الذي يتساءل في مستهل تقديمه للكتاب قائلا «هل ثمة فرصة لإعادة صوغ معطيات تاريخ الفلسفة منذ لحظة سقراط إلى ما بعد نيتشه، لكي أحصل في الأخير على قواعد حياة تستحقّ أن تُعاش بصرف النظر عن المكانة والمكان والإمكان؟ يتعلّق الأمر بفلسفة للناس، لكل الناس. لكن، أليست هذه هي المهمّة الأصلية للفلسفة منذ لحظة سقراط، لحظة السّاحة العمومية؟!، بهذا السؤال يستدرجنا المفكر والكاتب المغربي سعيد ناشيد للقراءة والغوص في كتابه الجديد «التداوي بالفلسفة».. وناشيد لديه قناعة بسيطة وصريحة مفادها، إذا لم تنفعك الفلسفة في مواجهة أشدّ ظروف الحياة قسوة وضراوة فمعناه أن دراستك لها - إن كنت تدرسها - مجرّد مضيعة للوقت، وعليك أن تعيد النظر في أسلوب التعلّم. ثم إنك قد لا تحتاج إلى الدراسة الأكاديمية المتخصّصة إذا رغبت في تعلّم فلسفة الحياة، أو تأثير الفلسفة في حياتك، ليس فقط لأنّ الإنسان أفضل معلّم لنفسه، أو لأنّ الحياة أفضل معلّم للحياة، بل لأنّ الطابع التقني والنظري لتدريس الفلسفة قد أفقدها القدرة على تعليم الحياة، وجعلها مجرّد فرصة لكي يتباهى المتعلّم بأنه يتكلّم عن الفلاسفة، أو يتكلّم مثلهم. لذلك لم يكتسب كثير من دارسي الفلسفة من دراسة الفلسفة غير وهم امتلاك المعرفة، ما جعلهم صيدًا سهلا للنزاعات الأصولية والشمولية. نقول عنهم باختصار، إنهم ضحايا ثقافة النصوص. والأمثلة كثيرة وشهيرة..
وينبهنا ناشيد إلى أن هناك مسألة أساسية، هي أنّ الاعتماد على الفلاسفة قد لا يكون كافيًا إلاّ أنّ الاستغناء عنهم يُضعف، كثيرًا، القدرة على التعامل، وعلى فهم الحياة. فالفلسفة مرشدنا إلى إعمال الفكر وإلى الفهم العميق للنفس الإنسانية. لسنا ننكر قوة إشراقات متصوّفة الإسلام، وحكماء الهند، ورهبان الصين، وغيرهم، بل نستلهم من ذلك بلا شك، ولسنا ننكر قوة الإلهام الفلسفي لدى شعراء وروائيين عباقرة من أمثال هولدرلين ودوستويفسكي وعمر الخيام وأبي العلاء المعرّي، بل نسترشد بذلك بلا تردّد، غير أن هناك قاعدةً تميّز الفلسفة تحديدًا: لا يمكن تنمية القدرة على الحياة من دون تنمية القدرة على التفكير، ولا سيما التفكير النقدي. فما علاقة التفكير النقدي بالقدرة على الحياة؟.
يرى ناشيد أن أسلوب تدريس الفلسفة اليوم، «يساهم في نسيان ثلاثة مفاهيم أساسية: الحكمة، والتأمّل، والتفلسف. مع أنها المفاهيم الأكثر أصالة في تاريخ الفلسفة. وجراء نسيانها يغفل الدارسون أن الخبرة الحياتية الذاتية تظلّ العنصر الأهم، لذلك نراهم يتعاملون مع النصوص بنحو مجرّد عن كل التجارب الحياتية، وبذلك النحو فإنهم يحرمون الفلسفة من أهم شيء على وجه الإطلاق، ألا وهو الحياة».
إن هناك أسئلة تطرحها الفلسفة، وهي حسب مؤلف الكتاب بل ثمة سؤال جذري هو، ما الذي يمكن أن تقوله الفلسفة لمن يعيش الحياة في ظروف شديدة القسوة والضراوة؟.
إن كتاب «التداوي بالفلسفة» محاولة للدفاع عن دور الفلسفة في صنع الحياة، والفلسفة إن كانت لا تحتاج لمن يدافع عنها، فإننا نحن مَنْ يحتاج لتبيان أهميتها في حياتنا، وذلك حتى تمارس دورها المنسيّ، والذي هو الدور الأكثر حيوية: ليس دور الفلسفة أن تمنحنا القدرة على قراءة النصوص وحسب، بل دورها بالأساس أن تجعلنا قادرين على الحياة.

اقرأ أيضا

تنتعش في أجواء التعصب.. الشعبويّة وبيعُ الأوهام