الاتحاد

الملحق الثقافي

بهاء طاهر: إبعاد المثقفين لصالح وعاظ السلطة

التقى الروائي بهاء طاهر بجمهور معرض القاهرة للكتاب في جلسة ''شهادات'' التي أدارتها د· أمينة رشيد أستاذ الأدب الفرنسي بجامعة القاهرة، وتم تخصيص محور شهادات هذا العام لمن نالوا جوائز عربية أو دولية، وقد نال بهاء جائزتين الأولى بوكر العربية والثانية إيطالية عن رواية ''الحب في المنفى''·
تحدث بهاء عن تجربة جيله وتفتح وعيهم مع ثورة 23 يوليو ،1952 وقد أعجبوا بزعامة جمال عبدالناصر والخطوات الوطنية التي قام بها من الاستقلال الوطني وتأميم قناة السويس ومشروع الوحدة العربية ودعم حركات التحرر الوطني والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية، ومع ذلك أخذوا على عبدالناصر ونظامه الاتجاه إلى الشمولية وقمع الحريات العامة، وأدى هذا إلى حالة من الازدواجية أو التناقض في الموقف من النظام، وبدا ذلك واضحاً في الأعمال الأولى لذلك الجيل·
وقال: كنا مجموعة متنوعة فينا الماركسي واليساري والرجعي والسلفي وغير ذلك، وكان فينا الواقعي إلى جوار الرومانسي والمثالي؛ ولذا حار النقاد في تصنيفنا فأطلقوا علينا تسمية ''كتاب الستينيات'' لكن ليس معنى هذا أن نطلق ونقسم الكُتاب وفق كل عقد من السنين فيكون لدينا كتاب الستينيات والسبعينيات والثمانينيات·
بهاء طاهر أصدر مجموعته الأولى ''الخطوبة'' وكانت فيها قصة بذلك العنوان، تروي حكاية شاب ذهب ليخطب فتاته التي يحبها، فقابله والدها بأسئلة واستجواب حول تفاصيل التفاصيل في حياته ونواياه، مما جعل الليلة كابوساً مخيفاً بالنسبة له، وكان يحلم بأن تكون أسعد ليلة بالنسبة له وفسرها النقاد على أنها تعبير عن أن المواطن في المجتمع متهم من البداية ويتم استجوابه وعقابه إلى أن يثبت العكس، وهكذا جاءت قصص ذلك الجيل وكانت تعبر عن الهم العام وكانت الرسالة تصل بوضوح·
ويقول بهاء طاهر: لا يجب أن ينعزل الأديب عن قضايا وطنه شريطة ألا تصبح منشوراً سياسياً، أي أن يتناول العمل الأدبي السياسة بالمعايير الأدبية من حيث الكتابة واللغة·
وقال إن بعض النقاد يأخذون على كتاباته طابع الحزن وانها تضمن أشياء محزنة، وهو يقر بذلك ولا ينكره متأسياً بقول تشيكوف ''لا أكتب عن الأشياء المحزنة كي تبكوا عليها، بل كي تغيروها'' وهو أو أي كاتب لن يجد واقعاً مبهجاً ويكتب أشياء محزنة· وكان هو وأبناء جيله من الذين نبهوا قبل عام 1967 إلى أن هناك أشياء خطأ وأن هناك في الأفق خطراً يهدد كل شيء فعل ذلك كُتاب القصة القصيرة تأثراً بيوسف إدريس الذي جعل القصة القصيرة الفن الأبرز والأكثر جاذبية· وأضاف: حين وجدنا أننا لن نصبح يوسف إدريس تحولنا إلى كتابة الرواية، وكتاب الستينيات وأنا في مقدمتهم كتبوا بلغة تخلو من المحسن البلاغي والألفاظ القاطعة الدلالة وحرصنا على أن نتجنب الزخرف وتخدير القارئ بأحاسيس معينة كي ندفعه للمشاركة؛ ولذا كنا نكتب بلغة بسيطة، وهي اللغة التي قال عنها ابن المقفع إذا قرأها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها·
إبعاد المثقفين
واصل بهاء طاهر شهادته قائلاً: بعد هزيمة ،1967 أحست السلطة بغضب المثقفين فقررت أن تسمح بقدر من التنفيس، فسمحت للكُتاب بإصدار مجلة ''جاليري ''67 والتي بلورت ما كان يعد أدباً جديداً أو كتابة جديدة آنذاك، وكانت تصدر على نفقة الأدباء، وفي السبعينيات تغير الأمر كثيراً وبدأ إبعاد المثقفين وتهميشهم، وتم إغلاق المجلات الثقافية بعد 15 مايو 1971 وخصصت مجلة ''الجديد'' عدداً كي تثبت أن توفيق الحكيم ليس مبدعاً كبيراً، وفصل عدد كبير من كبار الكُتاب في أزمة ما عرف ببيان توفيق الحكيم عام ،1972 وكان بين المفصولين نجيب محفوظ نفسه ويوسف إدريس ولويس عوض وأحمد بهاء الدين، وجاءت حرب أكتوبر 1973 وحدث شهر عسل بين الدولة والمثقفين الذين رحبوا بالنصر وسعدوا به، لكنه كان شهر عسل قصيراً، فسرعان ما اتجهت الدولة إلى إقصاء واستبعاد المثقف واستبداله بالواعظ· وقال بهاء طاهر: كنا نفهم تراثنا وديننا، لكن نتعامل معه باعتباره دافعاً للنهوض وللتفوق، أما وعاظ السلطة فحولوا التراث إلى مخدر ومساند للتسلط وللاستبداد· وهذا ما دفع المثقفين إلى الهجرة من مصر، وبهاء نفسه هاجر إلى جنيف، وكتب روايته الأولى ''شرق النخيل'' عام 1975 ولم يتمكن من نشرها إلا عام ،1983 ويقول: كنت شاهداً على إزاحة المثقفين وإبعادهم عن التأثير·
في ''شرق النخيل''، يبدو الهم بالقضية الفلسطينية واضحاَ وعموماً القضية الفلسطينية موجودة في معظم أعمال بهاء الروائية، خاصة روايته ''الحب في المنفى'' والتي تضم فصلاً كاملاً عن مذبحة صبرا وشاتيلا، ولا يعني هذا أن رواياته متشابهة، فكل رواية تختلف عن الأخرى، ويقول: أحاول أن أجرب باستمرار ليس بهدف التجريب، ولكن بحثاً عن جوهر الفن· ومن هنا كانت ''الحب في المنفى'' تعبيراً عن أزمة الاغتراب وان البعد عن الوطن لا يعني البعد عن قضاياه وهمومه ورواية ''خالتي صفية والدير'' كانت رداً على الاحتقان الطائفي في مصر، الذي ساد في الثمانينيات ومحاولة للتذكير بما كان من قبل، حيث الوئام والحب، أما رواية ''نقطة نور'' فهي تكشف ظمأ الروح، وتعالج المسألة النفسية والروحية وبها حس صوفي قوي، أما الرواية الأخيرة ''واحة الغروب'' والتي فازت بجائزة البوكر، فهي تعكس الإحباط الذي نعيشه جميعاً· ''واحة الغروب'' بها مشاهد من الثورة العرابية، والتي يعتز بها بهاء طاهر جداً هي في رأيه ثورة قامت من أجل الحياة البرلمانية وعنده أن مصر قد تكون البلد الوحيد الذي قام بثورة ودخل حرباً كبرى مع القوى العظمى آنذاك من أجل الحياة النيابية والبرلمانية والدستور· لم يحدث ذلك حتى في أوروبا نفسها·
المثقفون مهمشون ويعيشون في أزمة ولن تقوم لهم قائمة، كما يرى بهاء، إلا بانتهاء الاستقطاب الحاد بين السلطة المستبدة والقيادات السلفية المتخلفة، وهذا الاستقطاب يعوق المثقف في كل البلاد العربية تقريباً، وقال: اطمئنكم ليس لكم دور كبير ومن قبل وحتى مطلع القرن العشرين، كانت الثقافة موجهة للمجتمع ولصناع القرار، ومنذ الخمسينيات صارت الثقافة موجهة·· أي تعمل وفق توجيهات علياً لاتأتي من المثقف ذاته، ولن يكون للمثقف دور ما لم يعد إلى وضعه الطبيعي موجهاً للأفكار وللمجتمع·
بلا أبطال
سئل بهاء طاهر: لماذا لا يخرج المثقفون في المظاهرات ويقودون هم المتظاهرين؟
فرد: هل المطلوب من المثقف أن يكتب ويتحمل العنت ثم يخرج إلى المظاهرات ليتعرض للضرب والإهانة من رجال الأمن؟ وقال: لقد خرجت في أكثر من مظاهرة لكنني لا أنصح الأدباء بذلك، وحكى شيئاً عن جاليليو، كما جاء في مسرحية ''بريخت''، فقد ذهب جاليليو إلى المحكمة ووقع على ورقة تقول إن الأرض لا تدور وذهل أحد تلاميذه، لم يكن التلميذ يتوقع من أستاذه أن يوقع علي ورقة تناقض ما ثبت علمياً وأثبته هو، أي أنه يكذب نفسه بنفسه، ويكذب العلم والعقل، فقال التلميذ في المسرحية: ما أتعس البلد الذي لا يوجد به أبطال· وجاء الرد من جاليليو، كما وضعه بريخت: ما أتعس البلد الذي يحتاج إلى أبطال·· أي أنه حين يشارك الجميع ويتحركون فلن يحتاج البلد إلى أبطال يقودون، وواجب المثقف أن يؤدي رسالته ككاتب أولاً، ويجب أن يتاح له التأثير فالكتاب الذين أثروا من قبل مثل رفاعة الطهطاوي والشيخ محمد عبده وطه حسين أحدثوا هذا التأثير من خلال مؤسسات كانت تتبنى أفكارهم·

اقرأ أيضا