الاتحاد

دنيا

علوية صبح: في دنيا انتقلت من طور الحكي إلى طور الكتابة


بيروت - عماد ملاح:
'نوم الأيام' و'مريم الحكايا' و'دنيا'، هم القلق الفني والإنساني الذي أحمله تجاه التعبير عن العلاقة في الكتابة وعن علاقة الكتابة بالواقع، ما يدفع كل روائي إلى ان يستمد أبطاله من الواقع، لكن ليس الواقع بشكله الحرفي او التصويري· فالمتخيل عندي له وظيفته الفنية التي تجعل من الشخصيات التي أتخيلها واقعية وحية، من نبض ولحم ودم· يشعر القارئ بأنه يعرف هذه الشخصيات، وقد يرى نفسه فيها، لأنني مهجوسة بالقدرة على جعل الشخصيات حية· ربما تكون أعمالي الدرامية ومصائر أبطالي مأساوية، إلا أن ما يوقظ ذلك أو ما يخفف منه، هو قدرتي على السخرية التي تجعل القارئ يضحك في أماكن كثيرة·
كل كتاب كان له تجربة مختلفة لا أستطيع أن أقول ان هناك كتاباً يعبر عني أكثر من غيره، فكل كتاب يعكس مناخا وتجربة وعوالم مختلفة، وان كانت مترابطة بأسلوبي الذي أتصور انه في 'دنيا' ترسخ أكثر··· هكذا تحدثت الروائية علوية صبح عن أعمالها في هذا الحوار:
؟ 'نوم الايام'، 'مريم الحكايا'، 'دنيا'، ما هو الجامع المشترك بين الأعمال الثلاثة أدبياً وثقافياً؟
؟؟ اعتقد ان الجامع بين الاعمال الثلاثة، هو القلق النفسي والإنساني الذي احمله تجاه التعبير عن العلاقة في الكتابة، وعن علاقة الكتابة بالواقع، او لأقول بشكل أوسع، بحياة واقع معاش في رواية 'نوم الايام'، حيث كتبت نصوصاً قصصية، مفتوحة على التجهيل، عبرت فيها عن قلقي في لحظة اشكالية، علاقة الموت بالحياة ايام الحرب اللبنانية الأليمة والمأساوية·
'نوم الايام' نصوص داخلية، حيث تفجر 'الأنا' والمشاهدة للخارج من باب التأمل، هذا بشكل عام· صمت بعد 'نوم الايام' 15 عاماً، ثم خرجت بـ 'مريم الحكايا' الى النور، ومعها ذهبت الى الكتابة عن الخارج، الذي كان يشكل خوفي في 'نوم الايام'·
مريم الحكايا ··· والحرب
؟ ما هو دور مريم في 'مريم الحكايا'؟
؟؟ مريم الراوية في 'مريم الحكايا' راحت تفتش عني طوال صفحات الرواية، لتسأل عن سبب صمتي واختفائي عن عالم الكتابة، وراحت وهي تطاردني، تحكي حكاياها على ذاكرتها، وكأنها بذلك تعيدني إلى عالم الكتابة·
؟ هل عايشت تجربة مريم في الحرب؟
؟؟ مريم روت تجربة جيلها في الحرب اللبنانية، وتجربة أمها وجدتها وعماتها وخالاتها وجاراتها، أي عادت بالذاكرة لتروي وتقص حكاية ثلاثة أجيال من النساء· و'حكايا مريم' لجأت فيها إلى المحكي، لأطرح أسئلة، حول المكتوب والمنجز وأشكك فيه·
؟ وفي رواية 'دنيا'؟
؟؟ في 'دنيا' اعتقد أنني انتقلت من طور الحكي إلى طور الكتابة· 'دنيا' تقرأ في رواية، حكايتها وحكاية صديقتها فريال، وكأن هناك كاتبة غائبة، مجهولة، حلمت بمناماتها ومنامات أبطال الحكاية··· وكتبتها·
؟ ما هي الفكرة الحقيقية لرواية 'دنيا'؟
؟؟ خلال الرواية تقرأ حكاية 'دنيا' مع زوجها الذي أصيب بالشلل آخر ايام الحرب اللبنانية، وتعود الذاكرة الى جبروته ايام وسنوات الحرب التي كان قائداً سياسياً فيها· ومن خلال ذلك اروي تجربة الحرب اللبنانية القذرة· وفي 'دنيا' تابعت تجربتي التي بدأتها في 'مريم الحكايا'، واسلوبي الكتابي الذي اعتقد انه 'مهجوس' بالكشف عن كل ما هو مستور ومحجب· وتابعت أسئلتي حول هذا المجتمع المجبول بالنفاق· كما تابعت تجربتي الفنية التي اعتقد أنها تتواصل مع التجربة 'الشهرزادية' المشرقية·
عناوين ··· وأسماء
؟ كيف 'عنونت' أسماء الروايات الثلاث، وعايشت ادوار أبطال الحكايات؟
؟؟ في الحرب أسميت 'نوم الأيام' لأنني كنت أشعر أن الأيام نائمة، رغم العنف والحرب، أي غياب الزمن، وفي 'مريم الحكايا'· مريم هي مجموعة هذه الحكايا وذاكرتها· وفي 'دنيا' أسميت الرواية بالرواية أيضا، كما قصدت في الوقت نفسه 'الدنيا' كدلالة ورمز· اعتقد ان كل روائي يستمد أبطاله من الواقع، لكن ليس الواقع بشكله الحرفي او التصويري، التخيلات عندي لها وظيفتها الفنية التي تجعل من الشخصيات التي أتخيلها واقعية وحيّة، من نبض ولحم ودم· يشعر القارئ بأنه يعرف هذه الشخصيات، وقد يرى نفسه فيها لأنني مهجوسة بالقدرة على جعل الشخصيات، حية·
؟ علامات الاستغراب، اين يجدها القارئ في الروايات الثلاث؟
؟؟ أحياناً استغرب كيف ولماذا ألحّ عليّ شخصيات معينة، قد تبدو نافرة للقارئ، الاّ انني ارى فيها كشفاً ومعنى وإضاءة، لأنماط وشخصيات ونماذج وأدوار في الواقع·
؟ لماذا تبدو رواياتك مليئة بالوجع والألم ما سر هذا القلق؟
؟؟ لا شك ان اعمالي درامية، ومصائر ابطالي ربما تكون مأساوية، الاّ ان ما يوقظ ذلك، او ما يخفف منه، هو قدرتي على السخرية، التي تجعل القارئ يضحك في اماكن كثيرة، اضافة الى ذلك يتلوّن السرد بالشاعرية احياناً، وبالتأمل احياناً اخرى· كما واعتقد ان كتابتي لا تتصف بالبكائية، او بالحنين او بالانشائية، او بمثل هذه الاساليب التي أراها تثقل العمل الفني، وتضعف حتى من قدرته السردية وربما المأساوية التي تتحدث عنها، ناتجة عن المصائب التي آلت إليها أبطالي بعد الحرب، لكنني ربما مهجوسة بالعمق الذي تذهب إليه علاقات الأبطال بين بعضهم البعض، وبينهم وبين ذواتهم في عالم مليء بالعنف والجهل والقساوة، وغاطس في الألم الانساني، حيث اجد ان الكتابة لا يمكن ان تكون بمعزل عن انشغالها، وبهجتها بهذا الالم·
أسلوب القصة
؟ أين تجد علوية صبح نفسها في الروايات الثلاث؟
؟؟ كل كتاب كان له تجربة مختلفة لا أستطيع ان اقول ان هناك كتاباً يعبر عني اكثر من غيره، فكل كتاب يعكس مناخا وتجربة وعوالم مختلفة، وان كانت مترابطة باسلوبي الذي اعتقد انه في 'دنيا' ترسخ اكثر· رواية 'دنيا' بكابوسيتها الشديدة، تحمل اسئلة حول الوضع الراهن لبنانياً وعربياً، وتذهب بالأسئلة الى مناطق بعيدة بالعلاقة بالجسد والمحرمات، تفكك وتحفر الكثير من العلاقات في المجتمع الذكوري، وطالت اسئلتها اسئلة وجودية يجزر 'الدنيا' بحد ذاتها اذا كانت 'الدنيا' وهم او حكاية او منام، باختصار انها تعبر عن رؤيتي تجاه الزمن·
تقمص الشخصيات
؟ هل تتعايشين مع ابطال القصة في رواياتك بمعنى آخر هل تتقمصين الشخصيات والادوار، وتنسين نفسك في فترات معينة؟
؟؟ وأنا اكتب لا أفكر بالقارئ حتى لا أفكر بنفسي، أكون مسكونة بالشخصيات، وبقدرتي على التعبير بعد ذلك، حين انتهي من العمل أتحول الى قارئة له مثلي مثل القراء· وللقارئ الحق كل الحق ان يقبل او يرفض، او يحب العمل او يكرهه، ولا استطيع ان أدافع عنه، فهو يدافع عن نفسه· بين 'مريم الحكايا' و'دنيا' اربع سنوات، اعتقد ان العمل لم يكن لينجز قبل ذلك· لقد أخذ مني وقتاً من العزلة والكتابة، حتى رأى النور· لا يهمني كمّ الكاتب تهمني نوعية الكتاب وأهميته وفائدته· انا من الناس الذين لا يستطيعون الكتابة، من دون سلام داخلي، لان الرواية بشكل خاص عالم واسع ومركز، ويجرف من وحل 'الدنيا' ليصير ماء في الكتابة، لذلك انعزل ايام الكتابة، وأكون في سلام داخلي، لكي اتحمل كل هذا الصخب وهذه الحياة التي تعج بها رواياتي·
طقوس
؟ أي الاوقات للكتابة مفضلة لديك، وهل تمر رواياتك بمعاناة معينة قبل ابصارها النور؟
؟؟ اعمل يومياً من الخامسة بعد الظهر تقريباً، وأجلس لاكتب بروتين كامل، حتى ولو تطلعت الى الورقة البيضاء، ولم استطع ان اكتب كلمة· لا يمكن ان تكون الكتابة بالنسبة لي، بلا نظام عيش ووقت مقدس وروتين صارم، وحين اضطر لظروف عديدة للانقطاع عن العمل· أتعذب كثيراً كي أعود وأتواصل معه، وحين أكون مأخوذة بالعمل يصعب عليّ التواصل مع الحياة ومع الآخرين· تأخذني الرواية الى عيش حقيقي مع الابطال في يومياتي وخيالي ومناماتي، يعيشون معي وأنا أتقمصهم واحداً واحداً، لكي أستطيع ان أدعهم يعبرون عن ذواتهم بحرية وبعيداً عن لغتي·

اقرأ أيضا