أرشيف دنيا

الاتحاد

السينما في الإمارات··· بدايات وذاكرة وتاريخ


الشارقة ــ إبراهيم الملا:
يحار المرء عند محاولة البحث عن معلومات أرشيفية أو أخبار موثقة حول بدايات ظهور دور العرض السينمائية في الإمارات ، فالمصادر التي تناولت مثل هذا الحدث الثقافي المهم تكاد تكون شبه معدومة في المدونات التاريخية للمنطقة، إن لم نقل أنها مغيبة تماما من قبل المؤرخين الذين كتبوا وبإسهاب عن بدايات وإرهاصات الصحافة المحلية، وعن تلك النقلة النوعية في التعامل مع الخبر ومع الثقافة السمعية التي وفرها ظهور المذياع أو 'الراديو' في أواسط الثلاثينيات من القرن الماضي، وجهاز'الراديو' خصوصا هو الوحيد الذي حظي باهتمام واسع ومفصّل من قبل هؤلاء المؤرخين لأنه ارتبط بفترة تاريخية تعتبر حساسة ومفصلية في الإمارات وفي المنطقة، وهي فترة الحرب العالمية الثانية وما تلاها من مد قومي وتحرري، ومن التفات نخبوي وشعبي كبيرين تجاه التغيرات الإقليمية والدولية التي أفرزتها النتائج السياسية والاقتصادية للحرب وما بعدها·
يشير الباحث عبدالله عبدالرحمن في كتابه المهم ' الإمارات في ذاكرة أبنائها' إلى أن المدير الإنجليزي لمحطة مطار الشارقة، وكان يدعى السيد 'جيمس' هو أول من أحضر جهاز الراديو في الإمارات في العام 1934 وذلك عندما دعا كلا من 'عبداللطيف السركال' وابنه 'ناصر' وبحضور ' خان صاحب حسين' ـ الملقب بعماد رجل الدولة البريطانية ــ للاستماع لهذا الجهاز العجيب في استراحة المطار·
وستقود المصادفة الغريبة وحدها إلى احتضان ذات المحطة ' القاعدة البريطانية في الشارقة' وبعد حوالي عشر 'سنوات 1945لأول دار عرض سينمائية في الإمارات وفي الخليج، وذلك عندما فكر المسؤولون عن القاعدة في الترفيه عن طياريهم وأسرهم وعن الأطقم العاملة من خلال عرض الأفلام الإنجليزية الحديثة في الهواء الطلق، ومن خلال أجهزة تعمل بقياس 16 مليمتر·
وهذه الدار المفتوحة على فضاء خارجي قاحل معرفيا وثقافيا، ستمثل الصدمة البصرية الأولى للأهالي المحليين الخارجين لتوهم من الصدمة السمعية التي سبّبها ظهورالراديو، وستساهم هذه الدار في خلق أول نوع من الاحتكاك البصري مع الشاشة الفضية في مكان لم يكن مهيئا لمثل هذه التجربة الفنية والثقافية الكبيرة، والتي للأسف ونظرا للأمية التعليمية المحيطة بالمكان لم تؤد سوى لترسيخ ثقافة الفرجة، لا ثقافة التذوق والبحث والإنتاج السينمائي، فعندما فتحت قاعدة القوة الجوية الملكية ecroF riA layoR أو كما ينطقها الأهالي اختصارا 'إيه· آر· إف ' أبوابها وبأسعار رمزية لمشاهدة الأفلام الإنجليزية، تحولت الفرجة إلى طقس مشاهدة سبق ظهور التلفزيون بفترة طويلة ولكنه اختفى وقل تأثيره بعد انتهاء دور القاعدة البريطانية ورحيل الإنجليز وتركهم لإرث عابر ومتبخّر من الوعي البصري والثقافي، والذي اندحر بدوره مع الفيضان التحرري والقومي الرافض لكل ما هو قادم من الغرب ومن البلدان الاستعمارية الناهبة لثروات الشعوب العربية ـ حسب التصور العاطفي والكلاسيكي والشمولي للثورة - الذي لم يتح أية فرصة للتقارب والاحتكاك الثقافي مع الآخر الغريب والمختلف، حتى لو كان ذلك من خلال وسائط محايدة كالراديو والسينما·
القوافل الثقافية
في الخمسينات وما بعدها سيظهر ما يسمى بالقوافل الثقافية التي ستقوم من خلال سيارات 'الجيب لاندروفر' المغطاة بعرض أفلام سينمائية إنجليزية وأميركية، وأفلام أخرى توعوية وثقافية في الأحياء الشعبية والمناطق الداخلية ، وفي أواسط الستينيات وبداية السبعينيات، ستظهر في دبي والشارقة ورأس الخيمة وكلباء ومناطق أخرى متفرقة بعض الدور السينمائية التجارية البسيطة والبدائية في وسائل عرضها وأماكنها المخصصة للجمهور كي تعرض أفلاما عربية قادمة من مصر ولبنان، ولم تستمر هذه الظاهرة كثيرا نظرا لفقر الإنتاج السينمائي العربي ودخول الفلم الهندي الغزير إنتاجا والمتنوع شكلا كمنافس قوي ووحيد لم يزاحمه أي نتاج سينمائي آخر في غزو الصالات المحلية البدائية المحاطة بجاليات هندية وباكستانية والمعززة بقبول محلي وشعبي واسع، نظرا لتوفر الفيلم الهندي على خيارات ميلودرامية وترفيهية مألوفة ومحببة عند قطاع كبير من الشريحة المجتمعية المتعطشة آنذاك لهذه النوعية من الأفلام·
سنحاول في هذا التحقيق الاقتراب أكثر من ذاكرة الأشخاص الذين عاصروا فترة ظهور دور العرض الأولى في الإمارات، وأن نعتمد على رواياتهم الشخصية كبديل عن الأرشيف المفقود، وعن التوثيق المهمل حول هذه الظاهرة البصرية التي سادت في فترة مهمة ومفصلية في تاريخ المنطقة، والآيلة حاليا للذوبان والنسيان في خضم الإيقاع السريع والآني لثقافة ' كليب'أو ثقافة : القوام المنهدم للصورة الزائلة !
سينما الإنجليز وشاشات الرمل
يقول الدكتور سلطان بن حرمول الباحث والمؤرخ في الشؤون المحلية والتاريخية للمنطقة : ' أذكر أنني كنت أذهب مع والدي في الخمسينات لمشاهدة الأفلام الإنجليزية في محطة القاعدة البريطانية وكانت قيمة التذكرة آنذاك 'ربع آنات'ـ أو خمسة وعشرين فلسا'، وبعد رحيل الإنجليز في العام ،1972 ظهرت في الشارقة أواخر الخمسينات سينما تسمى بـ ' سينما هارون' وكانت تقع في آخر شارع العروبة مقابل السوق المركزي حاليا، وحيث أن هذه السينما لم تكن مسقوفة فإن عروضها كانت تقع تحت رحمة الظروف الجوية، ولكن عشاق الأفلام كانوا يصمدون ويستمرون في المشاهدة حتى لو كانت تمطر بغزارة، وكانت الكراتين والأوراق المقواة هي مظلاتهم البدائية التي يحتمون تحتها، وأذكر أن العروض في هذه السينما كانت تبدأ الساعة التاسعة مساء، وكان يوم الاثنين من كل أسبوع مخصصا للنساء فقط ، وفي الفترة ذاتها تقريبا كانت هناك سينما في دبي تسمى ' الوطن' لصاحبها 'صالح العصيمي'، وفي رأس الخيمة ظهرت سينما 'النخيل' في الستينات، وفي كلباء كانت هناك سينما أنشأها شخص يدعى 'مظفّر'·
سينما 'هارون'
ويضيف المؤرخ 'بن حرمول' إلى أن أول فيلم كامل شاهده كان في يوم افتتاح سينما 'هارون' العام 1958 وكان العرض مجانا وحضر الافتتاح الشيخ صقر حاكم الشارقة وجمع غفير من المسؤولين والأهالي، وكان الفيلم هنديا وعنوانه 'نوه رنج' أو 'الألوان التسعة'·
أما فيلم 'عنتر وعبلة' من بطولة سراج منير فكان أول فيلم عربي يشاهده بن حرمول في سينما 'الوطن' بدبي، ويقول بن حرمول: ' كنت في طفولتي أرى سيارات الإنجليز التي كانت تأتي لمنطقة المصلى في الشارقة وتعرض أفلاما أجنبية، وكان الأهالي يفترشون التراب في الهواء الطلق، ويشاهدون الفيلم من خلال 'بروجكترات' تعمل من داخل السيارة وتعكس صورها على شاشة منصوبة على الرمال، وكان لهيئة تدعى 'مجلس التطوير' بعد ذلك، دورا في تفعيل عمل القوافل الثقافية من حيث إشاعة الوعي بين الأهالي من خلال الأفلام الدرامية والوثائقية والتوعوية، وحتى من خلال الأفلام التي تناولت الجانب الصحي والطبي، أما سينما الشارقة الشهيرة التي ظهرت أوائل السبعينات فكان يملكها كل من أحمد الملا وسلطان العويس وكانت صالة عرض سابقة لعصرها، وتعتبر من أفخم وأكبر السينمات التي ظهرت في الإمارات تلك الفترة ،كما أنها احتوت على مرافق كثيرة ومطعم صيني، وساهم وجود السينما وإقبال الناس عليها بكثافة في إنشاء مطاعم يديرها مواطنون ومحال كثيرة شكلت ما يشبه المجتمع التجاري النابض والحيّ في المنطقة المحيطة بالسينما، وبموازاة دور السينما التجارية هذه كانت هناك أندية ثقافية تعرض أفلاما خاصة كما حدث في النادي الثقافي العربي ونادي ' البي بي والنادي الهندي والنادي الباكستاني ونادي الجيش، أما أول من أحضر الأفلام العربية إلى المنطقة فكان شخصا من لبنان يدعى 'بالصابوني' وكان هو الموزع الوحيد لهذه الأفلام في دبي والإمارات الأخرى·
وعن المفارقات والطرائف التي صاحبت الظهور الأول للأفلام يتناول الناس قصة ذلك الحارس أو 'المطارزي' الذي اعتقد أن الأحداث التي كانت تجري في فيلم 'عنتر وعبلة' هي أحداث واقعية وحيّة، فقام بتصويب بندقيته على الشاشة كي يدافع عن عنترة قبل أن يهاجمهه الأعداء في الفيلم!
ويتذكر 'بن حرمول' بعض المواطنين الذين كانوا يعملون في دور السينما آنذاك كموظفين رسميين أمثال إبراهيم عسكرالذي كان يدير جهاز العرض في الغرفة المخصصة لذلك، ومحمد البريمي المسؤول عن تحصيل التذاكر، و'يوسف بلدية' الذي أطلق عليه هذا اللقب لأنه كان يقتطع جزءا من قيمة التذاكر كضريبة لمصلحة بلدية الشارقة، وهناك شخص مشهور اسمه سعيد الخيل وكان طويل القامة ويعمل كمسؤول عن أمن السينما وتنظيم دخول الجمهور·
من الإعجاب إلى المشاركة
أما الفنان المعروف علي خميس الملقب بأبوشلاخ فيورد بعض التفاصيل الشخصية حول علاقته بالأفلام الهندية التي تزامنت مع بواكير ظهور دور السينما في الإمارات، ويقول : ' تعلقت منذ طفولتي بالأفلام الهندية التي كنت أشاهدها في سينما هارون بالشارقة في الستينات، لأنه لم يكن هناك من جاذب لي غير طقس المعايشة الخيالية مع جو الفيلم الهندي ذي الطابع الخاص والطعم المختلف، ثم أنني ومن شدة تعلقي بأبطال الفيلم كنت أقوم بتقليدهم في كل شيء ابتداء من الملابس وطريقة المشي وليس انتهاء بتسريحة الشعر، وكان أهلي وأصدقائي يطلقون علي لقب 'راجيش كنّا' الذي كان من أشهر الممثلين الهنود في أواسط الستينات،حيث كنت أتقمص شخصيته بشكل أعمى ولا إرادي، ومن الأشياء الطريفة التي أذكرها الآن، أننا وفي الأيام المخصصة لعروض النساء كنا نلتحف العباءات النسائية ونتحمل المخاطرة حتى لا تفوتنا الأفلام التي لم نشاهدها، وكنا نذهب للسينمات الأخرى في دبي وعجمان ونلاحق الفيلم الهندي الجديد أينما عرض، ومع أننا كنا نقلد الأبطال الطيبين في الأفلام، إلاّ أن شريحة أخرى من أصدقائنا كانت تقلد الشخصيات الشريرة أمثال الممثلين 'بران' و'آجيت'، وأذكر أن حلمي الكبير الذي كنت أعلنه على أصدقائي في المدرسة هو المشاركة في الأفلام الهندية مستقبلا، وحاولت في السبعينات أن أراسل إحدى الجامعات الهندية المختصة بالسينما كي أدرس فنون التمثيل بالمراسلة، ولكن شرط الجامعة كان يتمثل في الحضور الشخصي ولم أذهب لارتباطي بالعمل، ولكن حلمي الشخصي بالتمثيل في قلب بوليوود لم يجهض، وتحقق فعلا عندما شاركت مؤخرا في الفيلم الهندي العالمي' تاج محل' للمخرج المعروف كبير خان والمزمع عرضه قريبا في صالاتنا المحلية·
ومن الطرائف التي يوردها علي خميس أن بعض الأشخاص كانوا يحضرون معهم أثناء مشاهدتهم للأفلام الهندية في السينما مسجلات' الريل' القديمة ، وكانوا يسجلون كل ما يرور في الفيلم من أغان وحوارات ، وفي طريق عودتهم الطويلة مشيا على الأرجل كانوا يعيدون سماع الفيلم مرة أخرى ويستعيدون كل أحداثه وبالتفصيل!
ويضيف علي خميس : ' إن وجود السينمات الأولى في الإمارات ساهمت في خلق مناخ من الحرية والفضول والمغامرة والرغبة في السفر، ورؤية العوالم السينمائية كما هي في أماكن تصويرها الحقيقية، لقد خلقت هذه السينمات ثقافة التسامح مع الجنسيات والديانات الأخرى، وثقافة الحوار والمرونة والتبادل المعرفي مع الآخر، ورغم أن معظم هذه الأفلام كانت قائمة على عنصرين أساسين هما الخيال والمبالغة الدرامية، إلا أنها ساهمت في تعلقنا بالتمثيل وتشجيعنا على خوض المغامرة الدرامية المحلية، وخلق الملامح الأولى للتمثيليات والسهرات التلفزيونية والأعمال المسرحية في الإمارات أواسط الستينات وما بعدها·

اقرأ أيضا