الاتحاد

دنيا

لماذا يحسد رئيس وزراء اليابان الكلاب؟!


الاتحاد ـ خاص:
كلام لافت لرئيس وزراء اليابان حيث تنخفض نسبة التكاثر على نحو يهدد بتحويل الأرخبيل إلى باخرة تقلّ العجزة··· قال إنه يحسد الكلاب··· والمناسبة هي بدء 'عام الكلب' في التقويم الفلكي الآسيوي· الأسباب كثيرة، منها أن 'أبناء السماء'، ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وضعوا في أجواء معينة· اليابان قبل الياباني، والنتيجة أن المواطن شعر بالانفصال عن الأنا التي ما لبثت أن ظهرت بصورة أخرى· لماذا الأطفال ما داموا يبددون الوقت وتتطلب تربيتهم وتعليمهم تكلفة باهظة؟
لكن الدعوة إلى الانجاب تتزايد كي لا تعود اليابان إلى الوراء· الاستجابة قد تتطلب الكثير من الوقت··
حول هذا الموضوع، هذا التقرير:
بالحرف الواحد نقلت وكالة 'رويترز' عن رئيس الوزراء الياباني جونيشيرو كويزومي، في أول مؤتمر صحافي له هذا العام، قوله: 'إنه عام الكلب، تنجب الكلاب كثيراً، وأسمع أنها تلد بسهولة، لا تتمتع بحظ الكلاب السعيد نفسه'، إنه يحسد الكلاب إذاً···
هذا ليس الصوت الوحيد الذي يرتفع محذراً من أن يتحوّل الأرخبيل إلى مجرد 'باخرة تقل العجزة'·
الكاتب ريو موراكامي يحذر من هيروشيما باردة، 'لأننا نقتل اليابان بالأنانية أو باللامبالاة'· ولكن ليلاحظ أن الايقاع الذي أخذته الحياة عقب الحرب العالمية الثانية أحدث نوعاً من الالتباس· ضاعت الأنا، وضاعت العائلة، ليبدو أن الهدف الاستراتيجي لليابان هو اليابان··
هذه مسألة طبيعية بعد ذلك الجرح النووي الذي لا يزال ينزف في اللاوعي· لكن ستة عقود انقضت على الزلزال· هذه مدة كافية لكي يعيد اللاوعي ترتيب نفسه· ذات يوم، قال المخرج الشهير ناجيشا أوشيما: 'أشعر، بكل ارتياح، انني هنا كائن بيو ـ الكتروني'· كان ساخراً بطبيعة الحال، ليلاحظ ان علاقة الشخص بجهاز التلفزيون الذي ينتجه في المصنع الذي يعمل فيه ربما أصبحت أكثر دفئاً من علاقته بأبيه أو بشقيقه، وساخراً أيضاً: 'تلك الثلاجة التي في المنزل أصبحت، بشكل أو بآخر، شقيقتي'·
ولكن هناك ظاهرة قد لا توجد في دول أخرى، فالحكومات اليابانية كانت تبعث بالمسنين إلى دول معينة، في رحلات تدوم لأشهر، لابعادهم عن الأجيال الأخرى التي تتحمل الأعباء المالية للخدمات التي تقدم لأولئك المسنين· كان يفترض أن يبتعدوا عن العيون حتى لا تتأثر بمرآهم الأجيال المنتجة أو تنحو نحو الخمول·
لماذا الأولاد؟
كانت الغاية دوماً هي النهوض· ما فعلته اليابان في عقود قد لا تستطيع أن تفعله دول أخرى في قرون· الساموراي لم يعد مرتبطاً بالتقاليد القديمة بعد ثورة ميجي عام ،1867 وإن كان الكاتب الشهير ياسوناري كاواباتا، الحائز على جائزة نوبل، قد انتحر على طريقة الساموراي· ولكن ثمة أجزءا من الإنسان تلاشى في ذلك الصخب التكنولوجي·
لماذا الأولاد؟ بالدرجة الأولى إنهم مرهقون مادياً، وهم أبرع من يبدد وقت الأهل في أمور غير مجدية، هذا فضلاً عن أنهم يحدون كلياً من حرية ذويهم· الأفضل في هذه الحال عدم الانجاب· وعندما يحال الأب إلى التقاعد يطوف في أرجاء الدنيا، يتعرف على العالم قبل أن يغادره إلى العالم الآخر·
إذاً، تشكل نسق معين من الحياة· لم يعد الطفل ضرورياً أبداً، لا بل انه كان هناك من يعمل على ترويج تلك النظرية التي تقول إن الانجاب كان حاجة اقتصادية واجتماعية، إما لمساعدة الأب في كسب الرزق، لاسيما في الحقل أو في صيد السمك، أو للوقوف إلى جانبه في مواجهة الأعداء· تبدلت تقنية العمل، كما أن القانون هو الذي يحمي وليس الذراع· سقط المبرر، ويفترض إعادة النظر في الانجاب··
هذا دون اغفال مسألة هامة، وهي ان ثورة الميجي، أو الذين تكفلوا بتطويرها، عملوا على إحداث تغيير 'هندسي' في ديانة الشنتو· لم تعد عمودية، بل أصبحت أفقية تعنى بالإنسان تحديداً دون النظر إلى الأعلى· استطراداً، التفلت الكامل من التقاليد· ماذا كانت النتيجة؟
لحظة الطفل لحظة الكون
عادة يعتبر مفهوم العائلة في الديانات أو الثقافات الآسيوية بانه مفهوم يتميز بحساسية ميتافيزيقية بما تعنيه الكلمة· لحظة الطفل هي لحظة استمرار الكون· هكذا قال الشاعر الهندي رابنديرينات طاغور· ولكن حين يوضع الجانب الميتافيزيقي جانباً، تبدأ النظرة الميكانيكية للأمور··
غريب أن تكون الصورة مختلفة في الصين، حيث الاوقيانوس البشري· السلطات كانت تقدم اغراءات للحد من التكاثر، لا بل انها فرضت غرامات، واستنت تشريعات زاجرة· في البداية، كانت تقدم دراجة هوائية للأب الذي ينتج ولداً واحداً فقط، وإلا فإن القنبلة الديموغرافية تفجر التنين· الخطة آتت مفاعيلها· لكن عدد سكان الصين يربو بعشرة أضعاف أو أكثر عن عدد سكان اليابان، مهما قلت نسبة الانجاب تظل هناك أجيال جديدة·
في الأرخبيل بدأ الوضع يتحول إلى مشكلة· كويزومي قال 'اننا نحسد الكلاب'· لا أحد من رسامي الكاريكاتير هناك إلا وتدخل للتعليق: '··· ولكن لماذا لا تفرض الحكومات الضرائب على الكلاب؟' أو 'جارنا الكلب بعث بابنه إلى جامعة هارفادر'، أو 'الكلاب في اليابان تطالب باستقدام خادمات (من الكلاب) من دول أخرى للاهتمام بصغارها'·
التعليقات أخذت أشكالاً شتى· لكنها سنة الكلب، هذا له وقع في أوروبا، القيم هناك مختلفة، في التعاطي مع الكلب، عن القيم في مناطق أخرى· للمثال نلاحظ أن رسام الكاريكاتير في فرنسا يظهر هذا السياسي أو ذاك بأذني وذيل كلب· لا مشكلة على الاطلاق· ولكن في اليابان الأمر بعيد عن هذا، ومع ذلك هناك دعوة لتلقليد الكلاب·
كن أرنباً وتمتع··
البعض ينصح بتقليد الأرانب· مع كلام رئيس الوزراء، أعجبت الفكرة صاحب صالون حلاقة في أوساكا· لوحة كبيرة لأرنبة مع قطيع من الأرانب، الدعوة طريفة: 'أيها الياباني، كن أرنباً وتمتع··'· الحلاقون يعانون من قلة الرؤوس التي يتعاطون معها· التفاعل محدود مع التسريحات الآتية عبر المحيط· موسيقى البوب لا تجتذب الفتيان فحسب· الكبار أيضاً بحاجة إلى مثل هذا اللهو· الياباني عادة يابانيان، واحد للنهار يعمل بمنتهى الجدية، وواحد لليل يعمل بمنتهى العبث· وهكذا تمضي الحياة: حياتان··
كانت هناك دعوة مروعة من الذين سقطوا كلياً في جاذبية التكنولوجيا: أن 'ننجب' طفلاً الكترونياً· إذا كان الرجل والمرأة بحاجة إلى الشعور بالابوة أو بالأمومة، فالحل سهل· يتم تصنيع أطفال للتسلية· يضحكون، يطلقون كلمات معينة، يغنون، يرقصون، يناغون، بعد ذلك يتم 'اطفاء' الطفل الذي لا يصرخ ولا يتأفف، إلى وقت آخر· ولكن هل حقاً ان هذه تحل المشكلة؟ تقول انجلينا جولي التي تبنت طفلتين انها قبل ذلك كانت عبارة عن كائن من دون معنى· الطفلتان اعطتاها المعنى·· ماذا يعني الطفل الالكتروني سوى زيادة مستوى العزلة بين الزوجين والحياة؟
نسبة الانخفاض في الانجاب وصلت إلى رقم قياسي في العام 2004: 1,28 في المئة، النسبة واصلت تدهورها لتبلغ 1,26 في العام ·2005 هل تصل نسبة الانجاب في يوم من الأيام إلى الصفر؟
اعتراض خطير
في البرنامج الوزاري للحكومة تركيز على 'الازدهار العائلي'· هذا لا يكفي· لابد من احداث تغيير في الايقاع الراهن للعلاقات· الطريف أن هناك من قرر أن يقيم محميات عائلية: يابانيون ينجبون ثلاثة أو أربعة أولاد وليكن ما سيكون· الحكومة في صدد تقديم مساعدات إضافية رغم الاعتراضات التي راح يطلقها أولئك الذين يرفضون 'أن نعمل من أجل أن يمضي الآخرون ليالي دافئة'·
هذا اعتراض خطير، ويتصل بالابعاد التي تتخذها العلاقات بين اليابانيين الذين يعرف عنهم ارتباطهم الشديد ببعضهم البعض، وهم الذين ينتمون إلى رزمة اتنية واحدة، كما أن كارثة هيروشيما، بكل تداعياتها، غرست في تشكيلهم الوجداني والانساني· أكثر من باحث سوسيولوجي لاحظ أن الفوران التكنولوجي اثار تصدعاً في العلاقات· هذه مسألة دقيقة، وحساسة، بالنسبة إلى أي مجتمع يفترض أن يقوم على التواصل الديناميكي، والحار، بين فئاته·
نسبة الطلاق ارتفعت في اليابان· هذه ظاهرة لافتة في مجتمع شديد الارتباط· الساموراي ينتمي إلى قيم ومفاهيم ومعايير اخلاقية صارمة، ولكن دون اغفال التأثير الخرافي رغم كل شيء، لنتصور أن النساء اللواتي ولدن في سنة 'حصان النار' التي تحدث كل 60 سنة (حدثت في العامين 1906 و1966 وهي ستحدث العام 2026) لا يجدن زوجاً· السبب ان النساء المعنيات يقتلن ازواجهن· وبالمناسبة، فإن عدد النساء اللواتي يقتلن ازواجهن في الأرخبيل نادرات· هذا لا يدخل في أي تقليد·
الحل بالاستنساخ
بلد بكل تلك الحيوية يفترض ألا يشيخ· أحد التعليقات يقول بالمعالجة عن طريق الاستنساخ· هذا إذا أخفقت المحاولات الخاصة بـ 'إعادة الدفء الى القلب'· هناك أقراص مدمجة )D.C( تنبعث منها ضحكات الأطفال· هذه يمكن أن توضع في المصانع أو حتى في الملاهي الليلية، وحيث رجال كثيرون 'يذوبون' في ذلك النوع من الليل··
بالطبع، المشكلة لا تنحصر في اليابان· الألمان يدقون ناقوس الخطر· إذا ذهبت إلى حديقة عامة في الويك اند، فلسوف تلاحظ أن نسبة الأطفال الذين من أصل ألماني لا تتجاوز الـ 9 في المئة· الآخرون، أي الـ 91 في المئة إما أبناء عائلات أجنبية وحصلت على الجنسية الألمانية، أو أولاد مهاجرين ساقتهم الرياح إلى بلاد 'غوته' و'فاغنر' و'بيسمارك'·
الكاتب الألماني البارز غونتر غراس يجد أن عملية دمج المهاجرين في المجتمع الألماني تؤدي إلى الثراء الإنساني والثقافي لهذا المجتمع· كيف النظر إلى أطفالهم؟ يقول 'إنهم أطفالنا'·
لكن نسبة الهجرة إلى اليابان محدودة جداً· هناك اتجاه إلى تكثيف الهجرة من أجل توفير وسائل أكثر للتفاعل مع الآخرين· هذا يرتطم برفض البعض الذي يعتبرون أن التدفق العشوائي للأيدي العاملة يحد من زخم العامل الياباني الذي، على كل حال، يستعرض للمنافسة رغم أن القوانين في هذا الشأن صارمة ودقيقة ولا تقبل أي شكل من أشكال الاجتهاد··
هذا مع اعتبار أن نسبة اليابانيات المتزوجات من أجانب قياساً على الفرنسيات، وحيث المجتمع المفتوح هو جزء من ·85 الفارق ضخم بطبيعة الحال··
لا دليل على أن اليابانيين سيتغيرون بسرعة ويبدأون بالانجاب· ولكن لا مجال لأن يحسد رئيس الوزراء الكلاب إلى ما لا نهاية لأن استمرار التدهور الراهن يعني أن الأرخبيل، وكما أسلفنا، سيتحول إلى باخرة عائمة تعج بالطاعنين في السن، في العزلة أيضاً···
'أورينت برس'

اقرأ أيضا