الاتحاد

دنيا

ارتشاح الشبكية يطارد عيون السكريين


صلاح الحفناوي
الدراسات الإحصائية تشير إلى أن الاعتلال الشبكي السكري هو السبب الرئيسي للعمى خلال المرحلة السنية من 30 إلى 65 عاما، الدراسات تؤكد أن معدلات الإصابة باعتلال شبكية العين تبلغ حوالي 40 بالمائة بين مرضى السكري من النوع المعتمد في علاجه على الحقن بهرمون الأنسولين أو ما يعرف بسكري الأطفال أو سكري النمط الأول، وحوالي 20 بالمائة من مرضى السكري من النوع الثاني أو غير المعتمد على الأنسولين·
الحديث عن الإصابة بمرض السكري يقود حتما إلى قائمة طويلة من المضاعفات المحتملة والمخاوف المنطقية، وفي مقدمتها متاعب العيون، والحديث عن هذا المرض الأكثر انتشارا يقترن دائما بالحديث عن حالات النزف الشبكي والانفصال الشبكي والضعف الشديد في قوة الإبصار والذي يقود في النهاية وفي حالة عدم تلقي العلاج المناسب في الوقت المناسب إلى الدخول في دائرة الظلام الدامس·
ما سبب العلاقة الغريبة بين ارتفاع سكر الدم وانخفاض القدرات البصرية، لماذا يصاب مرضى السكري بالنزف الشبكي، هل هناك مضاعفات أخرى للسكري على العين، وكيف يستطيع مريض السكري تجنب كل هذا القدر من المعاناة، وما هو الجديد في علاج اعتلالات الشبكية الناتجة عن مرض السكري؟·· تساؤلات عديدة طرحناها في هذه المحاورة على الأستاذ الدكتور شريف إمبابي استاذ طب وجراحة العيون ورئيس وحدة أمراض الشبكية والجسم الزجاجي في مركز المغربي بأبوظبي·
يقول الدكتور إمبابي: أخطر ما في مرض السكري مضاعفاته، وقائمة المضاعفات المحتملة تشمل الكثير من الأمراض مثل الأزمات القلبية والجلطات الشريانية والفشل الكلوي والاعتلال العصبي السكري والنزف الشبكي والكثير غيرها، وما يعنينا هنا هو تأثير الإصابة بالسكري على الأوعية الدموية الدقيقة في أعضاء الجسم الحيوية وأهمها العين وخاصة الشبكية والكلى والأطراف وخاصة القدمين، حيث يتعرض عدد كبير من مرضى السكري لمضاعفات خطيرة في القدم تؤدي
في الكثير من الأحيان إلى إخضاعهم لعملية بتر·
وسوف نركز هنا على تأثير السكري على العين وبالتحديد على الاعتلال الشبكي السكري، وهو ما يدفعنا في البداية إلى شرح بعض المصطلحات التي يكثر استخدامها عند تناول هذا النوع من مضاعفات السكري ومنها 'المقولة' أو الماكيولا، ومركز الإبصار·
اللطخة والمركز
ونبدأ بالمقولة التي هي منطقة بيضاوية في الجزء الخلفي من العين وقطرها حوالي 5 مللم، وتتميز باحتوائها على صبغة الصفراء ولذلك يطلق عليها أيضا اللطخة الصفراء· أما مركز الإبصار فهو الجزء الأوسط من الماقولة ويبلغ قطره حوالي واحد ونصف ملليمتر· ويتميز مركز الإبصار بأنه الجزء الأكثر حساسية داخل شبكية العين كما أنه المنطقة الأقل سمكا في الشبكية ويتكون من الأقماع الضوئية فقط مما يسمح بتكون صور فائقة الدقة للمرئيات· أما الشبكية نفسها فهي باختصار شديدة الطبقة العصبية في الجزء الخلفي في العين وهي التي تشعر بالضوء وترسل الصور إلى مركز الإبصار في الدماغ· ويمكن تشبيه العين بكاميرا التصوير الفوتوغرافي حيث تقوم العدسة الداخلية في الجزء الأمامي من العين بتركيز الضوء على الشبكية التي يمكن اعتبارها بمثابة الفيلم الحساس الذي يبطن الجزء الخلفي من الكاميرا·
محاولة تعويض
نعود إلى تأثير السكري على العين، يقول الدكتور شريف إمبابي أن مضاعفات السكري على العين غالبا ما تبدأ في الظهور بعد مرور أكثر من 10 سنوات على بداية الإصابة بالمرض حيث تبدأ شبكية العين بالتأثر· ويمكن تقسيم الاعتلال الشبكي السكري إلى نوعين رئيسيين، الأول هو نقص تروية أو إمداد الشبكية بالدم بسبب تصلب وتضيق الشرايين الناجم عن الإصابة الطويلة بالسكري، وفي محاولة لتعويض هذا النقص تتكون أوعية دموية طفيلية على سطح الشبكية والعصب البصري والقزحية، وتتميز هذه الأوعية الدموية الطفيلية بأن جدرانها تكون ضعيفة جدا مما يؤدي إلى تكرار حدوث النزف الدموي داخل حجرة الجسم الزجاجي، وهذا النوع من التغييرات يعالج بالكي الضوئي باستخدام أشعة الليزر، وقد يحتاج المريض إلى تدخل جراحي لإزالة النزف الداخلي في العين·
أما النوع الثاني من التغييرات فهو ارتشاح المقولة، وهو عبارة عن ترسب سائل (تورم المقولة) ومواد دهنية في منطقة المقولة التي هي كما أشارنا من قبل مركز الإبصار بالشبكية، مما يؤثر سلبا على القدرات البصرية للمريض وخاصة فيما يتعلق بالقدرة على القراءة·
وعلى الرغم من أن هذا النوع من التغييرات الناجمة عن مرض السكري على الشبكية أقل خطورة من تكون الأوعية الدموية الطفيلية على الشبكية إلا أن المشكلة الحقيقية في التعامل معه كانت تكمن في صعوبة علاجه· وحتى وقت قريب كان العلاج الوحيد للإرتشاح في المقولة هو الكي الضوئي باستخدام أشعة الليزر بعد أجراء فحص تصويري لقاع العين باستخدام صبغة الفلورسين، ولكن هذا النوع من العلاج كان يهدف فقط إلى المحافظة على القدرات البصرية عند النقطة التي وصلت إليها، بمعنى منع تفاقم الحالة، أي أنه لا يؤدي إلى تحسن الإبصار أو استعادة ما فقد من القدرات البصرية إلا في حالات نادرة وفي نسبة ضئيلة من المرضى·
بدائل علاجية
هذه الحقيقة دفعت العلماء إلى البحث عن بدائل علاجية جديدة لحالات ارتشاح المقولة الناتج عن مرض السكري، وشهدت السنوات العشر الماضية محاولات عديدة في هذا الاتجاه·· وانتهت الأبحاث إلى اكتشاف وسائل علاجية فعالة ومؤثرة جديدة تمثل خبرا سارا لمرضى السكري الذين يعانون من هذه المشكلة·فقد توصل العلماء إلى تطوير عملية جديدة يتم خلالها استئصال الجسم الزجاجي الذي هو عبارة عن مادة جيلاتينية شفافة تملأ تجويف العين، وإزالة الغشاء الخلفي للجسم الزجاجي وحقن مادة معينة تعرف باسم (ترايمسينولون) داخل حجرة الجسم الزجاجي· ومادة الترايمسينولون هي نوع من أنواع الكورتيزون المكون من بلورات صغيرة·· وقد تمت تجربة استخدام هذه المادة داخل العين منذ أكثر من عشرين عاما وأثبتت عدم تسببها في مضاعفات جانبية على العين·الأبحاث أثبتت أن حقن هذه المادة داخل العين يساعد على التخلص من ترشح المقولة خلال أسابيع قليلة والتالي يؤدي إلى حدوث تحسن في القدرات البصرية بشكل كبير وهو ما لم يكن يحدث مع العلاج الضوئي التقليدي باستخدام أشعة الليزر، وهذا يعتبر من أهم مميزات العلاج الجديد الذي أحدث ثورة حقيقية في علاج أمراض الشبكية بشكل عام والاعتلال الشبكي السكري بشكل خاص·
فاعلية وأمان
يضيف الدكتور شريف إمبابي أن مميزات هذه التقنية العلاجية عديدة وفي مقدمتها أن حقن هذه المادة يعتبر عملية بسيطة وسهلة بالإضافة إلى أن تكلفتها قليلة جدا بالمقارنة بتكلفة الأساليب العلاجية الأخرى لأمراض واعتلالات الشبكية ولا تسبب ألما يذكر وليس لها تأثيرات أو مضاعفات جانبية· وتتم عملية الحقن تحت مخدر موضعي ويمكن تكراره عدة مرات حسب الحالة، والاهم من كل ذلك أن المريض يشعر بتحسن ملموس في قدراته البصرية خلال وقت قصير·· ولكن يعيب هذه الطريقة أن تأثير الحقنة يستمر لعدة اشهر فقط عند بعض المرضى مما يتطلب إعادة الحقن، وفي حالات نادرة قد يؤدي الحقن بهذه المادة إلى ارتفاع في ضغط العين مما يتطلب علاجا بالقطرات الموضعية·

اقرأ أيضا