الاتحاد

الملحق الثقافي

أشْأمُ من عِطْرِ مَنْشِمٍ!···

يزعم الرواة الأقدمون أنّ مَنْشِمَ اسمُ امرأةٍ عربيّة كانت تبيع العطر في مكّة في العهود الموغِلة في القِدَم، فكان الناس إذا أرادوا الحربَ عرَّجوا عليها، فتعطّروا بعطرها، فكان يكثر فيهم القتل، فضربت العرب بذلك المثلَ فقالت: ''أشأمُ مِن عِطْر منشم''! ولكنّ الإخباريّين اختلفوا في تدقيق الجوانب التاريخيّة لهذه العطّارة العربيّة التي يعيد بعضهم وجودَها إلى عهد قبيلتيْ خُزاعةَ وجُرْهُمٍ، أي قبل وجود قريش وحكمها مكّةَ·
ومن كثرةِ تبايُنِ الأخبار من حول هذه المرأة العطّارة واختلافها، أصبح الاعتقادُ كأنّه يميل إلى أسطوريّتها أكثر من ميله إلى تاريخيّتها، فقد زعم ابن الكلبي أنّ منشمَ هذه، امرأة من حِمْيَرَ، وكانت تبيع الطِّيبَ، فكانوا إذا تطيّبوا بطيبها اشتدّت حربهم فصارت مثلاً في الشّرّ· وزعم الجوهريّ: أنّ منشمَ اسم امرأة عطّارة كانت بمكة· وكانت خزاعة وجرهُم إذا أرادوا القتالَ تطيّبوا من طيبها، وكانوا إذا فعلوا ذلك كثُر القتلى فيما بينهم، فكان يقال: أشأم من عطر منشِم!
ونقل لسان العرب عن هشام بن الكلبيّ: أنّ مَن قال: منشِم، بكسر الشين، فهي منشم بنت الوجيه من حِمْير، وكانت تبيع العطر ويتشاءمون بعِطرها؛ ومَن قال: منشَم بفتح الشين فهي امرأةٌ كانت تنتجع العربَ تبيعهم عطرَها فأغار عليها قوم من العرب فأخذوا عِطرها· فبلغ ذلك قومَها فاستأصلوا كلّ مَن شَمّوا عليه ريحَ عطرها!
وقيل: منشِم (وأكثر ما تُشكل بالفتْح): امرأة كانت صنعت طيباً تُطيّب به زوجَها، ثمّ إنها صادقت رجلاً وطيّبتْه بطِيبها فلقيَه زوجُها، فشمّ ريحَ طيبِها عليه، فقتله، فاقتتل الحيّان من أجله! والنتيجة في الحكايات الثلاثِ واحدة، وهي أنّ هذا العطر كان شؤماً على كلّ من تعطّر به· وليس توجيه ابن الكلبيّ في كسْر الشين وفتْحها مُقنعاً! وذكَر الفيروزابادي أنّ منشم على وزن مجلِس، ومقعَد، فأثبت أنّ اسم هذه المرأة المشؤومة يجوز نطق الشين منه بالكسر والفتح جميعاً دون تعليل للفرق، ولم يومئ إلى تعليل ابن الكلبيّ الذي يوضّح سبب هذا الفرْق·
وإذا علِمْنا بأنّ من معاني منشم أنّها ثمرة سوداءُ منتنة الريح، تبيّنتِ العلّة في هذه التسميَة التي قد تدلّ على مسمَّاها! وجعل صاحب ''الألفاظ المختلفة في المعاني المؤتلفة'' عبارة: ''دقَّ عطر منشم'' من مرادفات معاني الفتنة والشر والنكوص، ولفظ منشم مشتقّ من نشَّم القومُ، كما ذهب إلى ذلك ابن سلام في ''غريب الحديث''، في الأمر تنشيماً: إذا أخذوا في الشّرّ· ونشَّم الشخصُ في آخرَ: طعَن فيه، ونعَى عليه، ونَحَلَ من أَثْلَتِه·
ويبدو أنّ عطر السيّدة منشم لا يزال مفعوله المشؤوم يفعل فعله في الصّفّ العربيّ فيمزّقه تمزيقاً، وكنت أودُّ أن أنصحَ للزعماء العرب، أو لبعضهم على الأقلّ، بأَلا يتعطَّروا قبل أن يذهبوا إلى اجتماعاتهم، احتياطاً وتوقِّياً، وذلك مخافةَ أن يكون في العطرِ الذي به يتعطّرون بقيّةٌ من عطر منشم!··· أم هنالك من يخالف عمّا نزعم؟

اقرأ أيضا