الاتحاد

الملحق الثقافي

طبيعة شاعرة

يقتطع ''السرّي الرفاء'' من قصائد الأبيات التي تتمحور حول الطبيعة وشعريتها، فيورد نصوصاً مقتضبة لكوكبة من الشعراء العباسيين الذين اشتهروا بهذا الفن الوصفي المبدع، ومنهم علي ابن الجهم (190 ـ 249 هـ) في قصيدته التي يمدح فيها المتوكل:

صحون تسافر فيها العيون
وتحسرُ من بُعدِ أقطارها
إذا أوقدت نارها بالعراق
أضاء الحجازَ سنا نارها
وقبة مُلكٍ كأن النجوم
تصغي إليها بأسرارها
وفوارة ثأرها في السماء
فليست تُقَصِّر عن ثأرها
ترد على المزن ما أنزلت
على الأرض من صوب أمطارها
لها شرفات كأن الربيع
كساها الرياحين·· بأنوارها
فهنّ كمصطحبات خرجن
لفصح النصارى وإفطارها
فمن بين عاقـصة شعرها
ومصلحة عقد زنّارها
اللافت أننا عندما نقرأ تعبيراً مثل ''تسافر فيها العيون'' نظن أنه من صنع حداثة اليوم؛ بينما ينتمي كما نرى إلى شعر القرن الثالث الهجري الذي لا يزال محتفظاً بعفويته وطزاجته التعبيرية· صحون القصر وأبهاؤه وأفنيته من الاتساع بحيث تسافر فيها العيون ويرتد منها البصر حسيراً دون أن يبلغ أقطارها، وكأن هذه المبالغة لم تشفِ غليل الشاعر فأتبعها بأخرى تتجاوز الأمصار والبلدان، فإذا أوقدت نيران هذه الصحون في العراق بلغ مدى أنوارها الحجاز، ثم نراه يعقد علاقة طريفة بين قباب القصر ونجوم السماء التي تبوح لها بمكنون أسرارها، ثم يصف النافورة بهذه الوثبات العليا التي تندفع فيها إلى السماء كأنها تثأر من المزن التي أمطرته فترد لها المياه عنيفة فوّارة· وما أجمل حديثه بعد ذلك عن شرفات القصر التي كساها الربيع بأنواره، فأخذت تختال مثل أسراب الحسان من النصارى وهن يخطرن في ثياب عيد الفصح· حيث يحمل الشاعر إلى القصر دِلّ المدينة وتيه نسائها المتحررات بجمالهن الوضاء وقد اشتهر ابن الجهم بمثل هذه اللفتات الآسرة في تصوير فتنة نساء المدينة، فهو صاحب هذه الأبيات:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدرى ولا أدرى
أعدن لي الشوق القديم ولم أكن
سلوتُ ولكن زِدن جمرا على جمــر
ولكننا نعود إلى صور الطبيعة الشاعرة لديه، حيث نجد عديداً من اللوحات الفنية الباذخة التي أتقن تمثيل الجمال فيها وبث الحيوية والنضرة في عناصرها مثل قوله:
لم يضحك الورد إلا حين أعجبه
حسن الرياض وصوت الطائر الغردِ
بدا فأبدت لنا الدنيا محاسنها
وراحت الراح في أثوابها الجُدُدِ
ما عاينت قضب الريحان طلعته
إلا تبين فيها ذلة الحَسَدِ
وقابلته يد المشتاق تسنده
إلى الترائب والأحشاء والكبدِ
كأن فيه شفاء من صبابته
أو مانعا جفن عينيه من السهدِ
وهنا يبدو التفاعل القوى بين الطبيعة والإنسان·

اقرأ أيضا