الاتحاد

الاقتصادي

استثمار 14 مليار دولار لتحويل الغاز القطري إلى ديزل سائل

إعداد - محمد عبدالرحيم:
في هذه الإمارة الخليجية الصغيرة وبالقرب من حدودها الإقليمية مع إيران يبدو أن أكبر شركات النفط العالمية بدأت تراهن بمليارات الدولارات على طريقة مازالت غامضة لإنتاج وقود الديزل تعود أصلاً إلى تلك الجهود الحثيثة التي ظلت تبذلها جنوب افريقيا للنأي باقتصادها عن النفط المستورد أثناء فترة الفصل العنصري· وإلى ذلك فقد استمرت الحافلات المدرسية الصفراء تنقل آلاف العمال الباكستانيين والهنود من المعسكرات القريبة كل يوم إلى مجمع الأنابيب والتوربينات يحملون شعارا ضخما يحمل صورة لأحد الظباء القطرية، ولما كان لا أحد هنا يبحث عن النفط فإن الجميع أنهمكوا فيما يبدو في بناء مشروع لإنتاج الديزل من أحد أكثر أنواع الوقود الاحفورية الأخرى وفرة في العالم وهو الغاز الطبيعي·
وكما ورد في صحيفة انترناشونال هيرالد تريبيون مؤخراً فإن حتى الجيولوجيين دخلوا في جدل محتدم بشأن ما إذا كان بإمكان حقول النفط الغاضبة التكفل بتلبية الطلب المتنامي على النفط من الاقتصادات الناشئة في آسيا· أما شركات النفط الكبرى باتت تراهن فيما يبدو على مصادر الطاقة غير التقليدية التي طالما كان البعض يسخر من جدواها وقيمتها مثل الغاز الطبيعي المهمل في الخليج أو مكامن الغاز البعيدة في أقاصي كندا وفنزويلا من أجل المساعدة على مقابلة الطلب المتنامي على الوقود·
وكما يقول عبدالله بن حمد العطية وزير الطاقة القطري في مقابلة صحيفة 'حان الوقت لاستخراج 'الجني' من الزجاجة فقد بتنا نرغب في أن نصبح عاصمة العالم بالنسبة للعصر الجديد للوقود'· ولكن قائمة الأنواع المختلفة من الوقود تتضمن أيضاً أسماء أخرى تتسم بنوع من التعقيدات في انتاجها مثل الغاز الطبيعي المسال أو عمليات تحويل الغاز إلى سوائل أخرى، ولكنها تستدر أموالاً هائلة، إلا أن العطية أشار إلى سلسلة من المشاريع بالتعاون مع شركات شيفرون واكسون موبيل ومجموعة رويال دوتش شل وشركة ساسول الجنوب افريقية من أجل إنتاج الديزل من الغاز الطبيعي، وذكر بأنه يتوقع استثمار أكثر من 14 مليار دولار من رؤوس الأموال في خلال فترة الأعوام الخمسة أو السبعة المقبلة بل إن أحد المشاريع بين اكسون موبيل وشركة قطر للبترول من المنتظر أن تحتاج الى 7 مليارات دولار في خلال السبع سنوات المقبلة مما يجعله أكبر استثمار مالي في تاريخ شركة اكسون موبيل·
بيد أن قطر لم تعد الدولة الوحيدة المشاركة في أكبر التجارب المتعددة الجنسيات في مجال الوقود البديل، فشركة شيفرون تعمل حالياً في بناء مجمع آخر في نيجيريا تبلغ قيمته 3 مليارات دولار بهدف انتاج 34,000 برميل يومياً، بينما تحاول شركة ساينتروليوم في أوكلاهوما تطوير مشاريع مماثلة في أندونيسيا وغينيا الجديدة· أما في الجزائر فإن الشركات بما فيها رويال دوتش شل وستات اويل النرويجية وساسول من جنوب افريقيا·
بدأت تتطلع لمشروع يركز على حقل تنهيرت للغاز، وقد بدأت شركات الطاقة العالمية تستهدف أيضا الدول الغنية بالغاز قبل استراليا وإيران ومصر بالإضافة الى ترينداد وتوباجو لإنشاء مثل هذه المشاريع، وبحلول العام 2015 فإن الانتاج الإجمالي من هذا الوقود ربما يصل الى أكثر من مليون برميل سنوياً وفقاً لتقديرات جمعية بحوث الطاقة في كامبريدج، وهو رقم يعادل تقريباً صادرات النفط الفنزويلي اليومية إلى الولايات المتحدة الأميركية·
على أن قطر نجحت في اجتذاب المشاريع الأكبر حجماً بفضل وفرة احتياطيات الغاز وتلك الاستراتيجية النشطة التي تعتمد على الحصاد في المدى الطويل من الجهود التي تبذلها شركات الطاقة الأميركية والأوروبية، ويعتقد أن روسيا وإيران فقط لديهما احتياطيات للغاز تفوق ما تتمتع به قطر التي نجحت في أن تصبح أكبر مصدر في العالم للغاز الطبيعي المسال، وكذلك فإن صناعة الغاز الطبيعي في قطر تختلف كلياً في النواحي التكنولوجية المتبعة في تحويل الغاز الى سوائل، فالغاز الطبيعي للمسال يتسم بتعقيدات هائلة في عملية نقلة إذ يحتاج الى نظام متعدد التفاصيل في وحدات التبريد الموجودة بالقرب من مكامن الغاز وإلى ناقلات الشحن مزدوجة البدن والهيكل بالإضافة الى مرافق لإعادة تسخين الغاز في الأسواق التي يتم فيها استهلاك الوقود، وعادة ما يستخدم الغاز الطبيعي المسال في عمليات توليد الكهرباء، أما عمليات تحويل الغاز الى سوائل من جانب آخر فهي توفر بديلاً للنفط كوقود للنقل، وتؤدي عملية تحويل الغاز الى سوائل بشكل أساسي إلى تحويل الغاز الى سائل الديزل الذي يمكن نقله وبيعه عبر استخدام السفن الناقلة ومصافي التكرير ومحطات الغاز الحالية، ويذكر أن الديزل واستخداماته معروف بشكل عام في أوروبا وبقدر أكبر بكثير عما هو الحال في الولايات المتحدة الأميركية حيث مازال المستهلكون هناك ينظرون إليه كأكبر وقود للسيارات اثارة للتلوث، وكان اثنان من العلماء الألمان فرانز فيشر وهانز تروبسش طورا عملية التحول في عام 1920 عندما اكتشفنا للمرة الأولى طريقة لتحويل الفحم الى وقود سائل·
ويشير محللو الطاقة الى أن مصانع ووحدات تحويل الغاز إلى سوائل اكتسبت المزيد من الأهمية والتنافس عندما ارتفعت أسعار النفط الى ما فوق 30 و35 دولاراً للبرميل، كما حدث في غضون فترة العامين الآخرين، وبدأ المنتجون في مجال تحويل الغاز الى سوائل يراهنون على أن الغاز سوف يجتذب أهمية خاصة في أوساط الدول التي تبحث عن بدائل تعمل على تخفيض انبعاثات البترول السامة·
إي يقول اندرو براون مدير شركة شل في قطر 'أن أحد النواحي المهمة المتعلقة بهذا الوقود هو ما يتميز به من انخفاض في تشكيلات الدخان'· ولكن استخدام تكنولوجيا تحويل الغاز إلى سوائل من أجل انتاج وقود صديق للبيئة هو الأمر الجديد· إذ أن طرق انتاج هذا الوقود أصبحت شيئاً من التاريخ بعد أن شهدت العديد من التجارب، وكانت ألمانيا النازية قد عمدت ابان فترة الحرب العالمية الثانية الى تطوير سبل خاصة لتحويل غاز الفحم إلى وقود مركب لخدمة قواتها العسكرية· وبعد عقود لاحقة انتهج نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا سبلاً خاصة لتحويل الفحم الذي كان متوفراً بشكل هائل في الدولة إلى وقود سائل من أجل البقاء في مواجهة العزلة الاقتصادية، وكانت الولايات المتحدة الأميركية قد راودتها الفكرة بعد الصدمة النفطية في حقبة السبعينيات إلا أنها تخلت عنها في نهاية المطاف وسحبت معظم التمويل الخاص ببحوث الطاقة المركبة عندما تراجعت أسعار النفط، ثم حدثت بعض الاختراقات التي تمكنت الشركات من خلالها من استخدام غاز طبيعي أكثر نظافة في عمليات الاحتراق عوضاً عن الفحم من أجل انتاج وقود يبعث بمواد ملوثة أقل بكثير مما ينتجه الديزل الذي يتم استخراجه من النفط الخام·
وهذا الوقود الذي يتم انتاجه من عمليات تحويل الغاز الى ديزل بات الآن يشكل جزءا صغيراً من إجمالي انتاج الوقود العالمي حيث أصبحت شركة شل تشغل أكبر مصنع من نوعه في اقليم بينتبولو في ماليزيا بعد أن أصبح المرفق الرائد في العالم بانتاج يبلغ حوالي 14,700 برميل يومياً علما بأن أجمالي انتاج النفط العالمي بالمقارنة يبلغ أكثر من 80 مليون برميل يومياً، ولكن مشاريع تحويل الغاز إلى سوائل أخذت تشهد انطلاقة كبرى في قطر لسبب واحد يفوق جميع الأسباب الأخرى· وهو أن قطر أكثر من أي دولة أخرى غنية بالغاز استمرت تبذل جهوداً مقدرة لجعل الغاز الطبيعي يكتسب الزخم والأهمية القصوى لنمو الاقتصاد· بل إن النموذج الذي انتهجته في هذا السبيل ربما يخضع للدراسة ومن ثم الاقتداء به في جميع دول العالم التي لديها غاز طبيعي أكثر من النفط مع توقع أن تستمر احتياطات الغاز الطبيعي العالمية الى فترة مقدارها 67 عاماً مقارنة بفترة لا تزيد على 41 عاماً بالنسبة للنفط الخام وفقاً لاحصائيات بريتش بتروليوم عملاقة الطاقة البريطانية· وكما يقول واين هارمز مدير شركة اكسون برميل في قطر 'ان قطر تتمتع بحالة فريدة من نوعها تكمن في أنها عبارة عن حقل ضخم يسهل الدخول اليه في ظل وجود حكومة مستقرة من الناحية السياسية ورؤية حكيمة لما تقوم به من أعمال'·

اقرأ أيضا

المركزي المصري يبقي على أسعار الفائدة الرئيسية من دون تغيير