الاتحاد

عربي ودولي

خبيرة أميركية تدعو واشنطن إلى بدء حوار مع منظمات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط


نيويورك - أحمد كامل:
ثمة حوار محتدم في واشنطن حول ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة أن تبدأ حواراً مع بعض التيارات الإسلامية المعتدلة في الشرق الأوسط· وتعبير الاعتدال هنا يرد في سياق المقارنة مع منظمات متطرفة مثل القاعدة والجماعات التي تتبنى نهجها· وعزز من هذا الحوار نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر، حيث فازت حركة الاخوان المسلمين بعدد غير متوقع من المقاعد، فضلاً عن ذلك فإن الانتخابات الفلسطينية تزيد من احتمالات حصول حركة 'حماس' على حصة يعتد بها من مقاعد المجلس الوطني الفلسطيني·
وتتباين آراء المشاركين في هذا الحوار بين ضرورة التمسك بالسياسة الحالية، أي بمقاطعة هذه التيارات التي توصف بالاعتدال وإدراج بعضها على قائمة المنظمات الإرهابية، وبين بدء اتصالات بها على أساس أن بعضاً منها تحول الى لاعبين سياسيين أساسيين في شؤون المنطقة·
ومن بين المدافعين عن ضرورة فتح حوار مع تلك التيارات الإسلامية تلعب كاترين كويني أستاذة العلوم السياسية في جامعة ايللينوي دوراً بارزاً في بناء 'جبهة ضغط' على الإدارة لتغيير موقفها بهذا الصدد· وقد دار الحوار التالي مع الأستاذة كويني حول هذه القضية بعد أن ألقت محاضرة في جامعة نيويورك دافعت فيها عن رأيها:
ü هل تعتقدين أن نتائج الانتخابات المصرية الأخيرة ستغير من مجرى الحوار حول سياسة واشنطن إزاء المنظمات الإسلامية؟
üü لا أعتقد أن نتائج تلك الانتخابات كانت مفاجئة لأحد· وينبغي القول أولاً أنها كانت رصيداً للحكومة المصرية رغم كل ما شابها من تجاوزات وارتباك وأعمال عنف· فقد كانت الانتخابات مختلفة عن سابقاتها· وتبرهن النتائج على ما كنا نعرفه أصلاً، أي ان جماعة الاخوان المسلمين لها تواجد شعبي مؤثر وانها عاركت خبرة سياسية واسعة ثم حقيقة أنها تطورت كثيراً منذ السبعينات·
ففي ذلك الوقت بدأ صعود نجم منظمات أخرى أكثر تطرفاً، وقد كانت تلك المنظمات تدعو صراحة الى العنف· وتمكنت الجماعة الإسلامية في مصر من أن تستقطب أعداداً واسعة من الشباب، كما تمكنت منظمات الجهاد وطلائع الفتح التي انبثقت عنها بعد ذلك من أن تبلور منهجاً يختلف في أمور كثيرة عن خط الاخوان المسلمين·
تراجع الجماعة
إلا أن هذه الظاهرة أدت الى أن تراجع الجماعة حدودها وان تبحث عن الخط الذي يفصلها عن تلك المنظمات، وأسفر ذلك عن ترسيخ خط يميل الى الاعتدال وعن تجذير الدعوة لنبذ العنف، بعبارة أخرى أدى صعود منظمات العنف الى بلورة نظرة الاخوان الى أساليب عملهم والى اتسام الجماعة في هذا لمجال في اتجاه محدد لا تخطئه العين، فنحن لا نسمع الآن عن التنظيم السري الذي كان موجوداً لدى الاخوان منذ الأربعينات وحتى منتصف الستينات، ولا يسعى أحد في الجماعة الى إحياء هذه الفكرة، أي فكرة إنشاء تنظيم سري مسلح داخل الجماعة لا يعرف بأمره إلا مكتب الإرشاد·
فضلاً عن ذلك فإن الصحوة الإسلامية التي بدأت في السبعينات دفعت بنوع جديد من الأعضاء الى داخل الجماعة، وكان هذا النوع يختلف كثيراً عن النمط التقليدي للعضوية السابقة، فالأعضاد الجدد جامعيون ومثقفون ومتمسكون بحقهم في الحوار ومراجعة أساليب العمل وسبل التنظيم· وهكذا فإن السبعينات كانت بداية لمرحلة تحول عميق داخل الاخوان المسلمين، سواء لأنها بلورت أرضية ذات حدود واضحة من زاوية المنطلقات والأساليب بسبب صعود دعاة العنف، أو لأنها فتحت أبوابها لآلاف الأعضاء المختلفين الذين دخلوا ساحة العمل الإسلامي السياسي ولم يكن بوسعها أن تغلق أمامهم الأبواب·
وفضلاً عن غياب اطروحات قديمة من نوع التنظيم السري فإن هذه التحولات أدت الى أمور أخرى· فقد أصبحت الأطروحات السياسية والنقابية ذات وزن ملحوظ في حركة الجماعة، كما أنها مالت الى تبني أساليب سياسية لم تكن قبل ذلك مفضلة لديها، مثل التحالفات السياسية مع الآخرين والحديث عن أن الشعب مصدر الشرعية، أي أن الشرعية تأتي من الالتفاف الشعبي وليس من أمور أخرى·
ما أقصد أن أقوله هنا هو أن الجماعة شهدت تحولات ملموسة خلال العقود الثلاثة الأخيرة سواء في بنيتها التنظيمية أو في أساليب وبرامج عملها، إلا أن هذه العملية لا تزال مستمرة، بل انني أعتقد أنها في بدايتها، إذ أن وجود الجماعة بصورة ملموسة في البرلمان سيفرض عليها دخول مناطق سياسية وفكرية لم تشأ لها الظروف من قبل أن تدخلها، ولابد لهذه التحديات الجديدة من أن تفرض بحثاً جديداً يبلور أفكاراً جديدة بكل ما تعنيه عملية النضج التاريخي المستمر من انعكاسات·
تعديل النظرة
ü ترى هل يفرض ذلك بدوره تعديلاً على نظرة واشنطن الى منظمات الإسلام السياسي كمنظمة الاخوان المسلمين؟
üü لا أعتقد شخصياً انه بالإمكان إغفال دور هذه المنظمات أو التظاهر بأنها غير موجودة، ومع الانطلاق من الاحترام الشامل للدين الإسلامي ولإسهاماته التي ساهمت في وصول المجتمعات الإنسانية الى ما تعيشه الآن فإن المنطقي هو الدخول في حوار متصل ومتجدد مع هذه الجماعات·· انها حقيقة سياسية في الواقع اليومي لمجتمعات المنطقة· ويمكنك القول إنني لم أشعر بأي تعاطف مع الداعين لخصومة قد لا يكون لها مبرر من الأصل مع هذه الجماعات، فليس بوسعك فهمها، ومن ثم مخاصمتها أو مصادقتها، دون أن تفهم ما تقول·
الاخوان في مصر يسلمون مثلاً بالقواعد الديمقراطية للعبة السياسية، وثمة مساحات ينبغي الحوار حولها، مثل حقوق الأقليات وحقوق المرأة، ويتعين أن يبدأ ذلك من تحديد معايير متفق عليها لهذه الحقوق، فإذا قالوا لي - مثلاً - ان حق المرأة هو أن تبقى في المنزل وترعى الأطفال وتطبخ وتغسل الملابس فسوف أقول لهم إن فهمي لهذا الحق يختلف عن ذلك، وسوف نجلس معاً لتحديد معيار حق المرأة· وحين تقبل بأن تعمل المرأة فإن عليك أن تفعل ذلك نصاً وروحاً، فليس هناك أي معنى لأن تقبل حق المرأة في العمل في القوانين ثم أن تجعل الأمر بالغ الصعوبة من الوجهة العملية، أي أن تروج لنظرة اجتماعية مسيئة للمرأة التي تعمل·
المسألة إذن هي ضرورة بدء حوار حقيقي وشامل وعلى مستويات مختلفة لتعميق الفهم المتبادل بين الولايات المتحدة من جهة وهذه المنظمات الفاعلة والمؤثرة من جهة أخرى· ولا يغيب ذلك إسقاط ضوابط هذا الحوار، فأنا أتفق تماماً مع رفض أي حوار مع أي منظمة تدعو للعنف والإرهاب·
مجموعة معروفة
ü ولكن هل بدأت الولايات المتحدة مثل هذا الحوار بالفعل؟
üü من الوجهة الرسمية، أي حوار تقوم به الحكومة فإن ذلك، لم يحدث، فهناك خلاف حتى الآن حول ما إذا كان من الصحيح بدء حوار منتظم ومنهجي مع هذه المنظمات· ولكننا جميعاً نعرف بجهود شخصيات أميركية عامة ومؤثرة في هذا المجال·
فهناك مجموعة معروفة تضم جراهام فوللر وميلتون بيرون وهما من المسؤولين المهمين السابقين في المخابرات المركزية فضلاً عن روبرت موللر من مؤسسة المحاربين القدامى في فيتنام والمحامي فريد هوف ومارك بيري وجيفري آرنسون من مؤسسة سلام الشرق الأوسط وآخرين، وقد قامت هذه المجموعة بإجراء حوار مثمر وبناء مع منظمة 'حماس' الفلسطينية و 'حزب الله' اللبناني· ولدى هذه المجموعة امتداد ملموس في الأوساط الأكاديمية الأميركية وهي على صلة بعدد من أبرز الخبراء في شؤون الدراسات الإسلامية وفي تاريخ منظمات الإسلام السياسي·
إلا أن الحكومة - كحكومة - لا ترغب في أن يكون لها أي صلة بهذا الحوار· وأعتقد أن ذلك يرجع الى عوامل كثيرة منها خشية إثارة ردة فعل داخلية سلبية لدى أوساط هنا في الولايات المتحدة تعارض هذا الحوار داخل الكونجرس وخارجه فضلاً عن وجود قوانين تحظر الاتصال الرسمي بمنظمات متهمة بقتل أميركيين كما هي الحال في وقائع سابقة قام بها 'حزب الله'، فضلاً عن مصرع اسرائيليين يحملون الجنسية الأميركية بسبب عمليات 'حماس'·
البيروقراطية الحكومية إذن تواجه بطئا ذاتيا وتواجه أيضاً محاذير سياسية وقانونية، إلا أن رفض هذه البيروقراطية لجهود ميلتون بيرون وجرام فوللر كان له أيضاً أسباب تتعلق بخلافات داخل الإدارة، لاسيما في مجلس الأمن القومي حول هذه المسألة·
قوة فاعلة
ü هل يمكن أن تغير نتائج الانتخابات المصرية هذا الموقف؟ أي هل يمكن أن تنعكس على الخلافات التي أشرت إليها؟
üü إنني آمل ذلك حقاً، ويمكن في البدء السماح لمنظمات غير رسمية مثل 'منتدى المواجهات' في لندن الذي يرأسه أليستر كروك وينظم جهود أشخاص مثل فوللر وبيرون بحرية حركة أوسع، ويمكن على الأقل النظر فيما يقوله هؤلاء عن نتائج زياراتهم واجتماعاتهم بجدية أكبر·
ذلك ان الإسلام السياسي هو قوة سياسية فاعلة ومؤثرة كما قلت، ليس في مصر وحدها، وإنما في المنطقة على وجه الإجمال· ولا يتلخص الأمر في ضرورة الاعتراف بأن من الخطأ اصدار أحكام مسبقة على هذه المنظمات، انها تتطور شأننا جميعاً، وشأن ما حدث مع الاخوان المسلمين·
أما منظمات العنف والإرهاب وقطع الرؤوس فإنها تذوب وتذبل وتهزم في نهاية المطاف، لأنها ضد منطق شعوبها ذاته، فالإسلام في جوهره صرح عملاق يدعو للتآخي والاتساع والبناء والتعمير· انه لا يدعو للكراهية والقتل والهدم·

اقرأ أيضا

البرلمان البريطاني يناقش غداً اتفاق جونسون للخروج من الاتحاد الأوروبي