الاتحاد

عربي ودولي

أحلام برشلونة ·· الإقناع الأوروبي والضغوط الأميركية


معين أحمد محمود:
بعد عشر سنوات كاملة على إرساء آلية برشلونة الأوروبية -المتوسطية يبدو المشروع المتوسطي بعيداً كل البعد عن أن يفي بالمطامح الأولية المرسومة له ، ولا يبدو أيضاً قادراً على الرد على ما يواجه المتوسط من أزمة ثقة متصاعدة على ضفتيه ، إذ عندما اجتمع زعماء الدول المحيطة بالتوسط من أجل تأسيس الشراكة الأورو - متوسطية ، كانت مخاوف الأوروبيين من الأوضاع العربية هي الحاضر إلى إطلاق هذه المبادرة · فالجماعات الإسلامية المسلحة كانت تطرق باب العاصمة الجزائرية ،ودول شمال المتوسط ، خاصة فرنسا ، كانت تخشى أن تؤدي مضاعفات الصراع في الجزائر إلى موجة واسعة من الهجرة العربية إلى أراضيها ، فيرتفع معدل البطالة فيها ، وتشتد حدة الصراعات العرقية بين أبنائها ، من جهة والوافدين إليها من جهة أخرى ، وتنجلي هذه الأوضاع على صعود أحزاب اليمين المتطرف على حساب الأحزاب والنظم الديمقراطية ·
وتصور الزعماء الأوروبيون خاصة في دول جنوب القارة الأوروبية أن العمل على تحويل المتوسط إلى بحيرة رخاء وديمقراطية وسلام سيوفر حلاً لهذه المشكلة ، فيخفف من ضغط الجماعات الناقمة على الأوضاع السائدة في جنوب المتوسط وعلى النخب الحاكمة في دوله ، ويقلل من تطلع الشباب العاطل عن العمل للهجرة إلى الشمال ، ويحد من خطر الجماعات العنصرية على الديمقراطية الأوروبية · ومن أجل تحويل هذه الأماني إلى وقائع ، أمل أصحاب مبادرة إعلان 'مسار برشلونة' في قيام منطقة تجارة حرة متوسطة خلال عقد ونصف من الزمن أي في نهاية العام 2010 ، وأن تعبر الديقراطية مياه المتوسط فستقرعلى ضفافه الجنوبية ، كما استقرت، بعد غياب ، في بعض دوله الشمالية ·
محصلة متواضعة
ولكن تبدو محصلة التعاون الإقليمي المترتب على مسار برشلونة ومنذ عشر سنوات إلى الآن أكثر من متواضعة · وحتى وإن كان الهدف النهائي لهذا المسار هو إقامة منطقة للتبادل الحر بين ضفتي المتوسط ، فإن التطور المسجل ومنذ العام 1995 على الآليات التي تتحكم في التجارة الدولية وظهور منظمة التجارة العالمية كلاعب رئيس وبقواعد جديدة بات يحد من أهمية هذا الهدف · واستفادت دول المتوسط في شكل مساعدات مباشرة ومعونات هيكلية من برامج الاتحاد الأوروبي بشكل غير متنازع عليه ·
ويتساءل الأوروبيون عن أسباب هذا التعثر في مسار برشلونة بعد أن وظّف الاتحاد الأوروبي البلايين من الايكو واليورو من أجل هذا المسار وبغرض تطوير مشاريع ومؤسسات التنمية الوطنية والتعاون الإقليمي بين دوله ، وفضلاً عن المساعدات المادية ، فإن دول الاتحاد اتخذت ، بصورة عامة ، مواقف من شأنها تعزيز مسار الشراكة الأورو - متوسطية ··ففي حين اندفع الأميركيون إلى استخدام العصا في حرب العراق ، بدت أوروبا وقتها وكأنها ميالة إلى استخدام الجزرة ، أو بالأحرى القوة الليّنة في التعامل مع بغداد ومع الدول العربية بصورة عامة ·
وأمد الاتحاد الأوروبي الفلسطينيين بالدعم المادي والمعنوي إلى حد جعل ' الاسرائيليين ' يتحفظون على مشاركته في جهود السلام · وأبدى الاتحاد اهتماماً بالتطور الديمقراطي وبالحاكمية الراشدة في الدول العربية وساعد على تطوير في بعضها كما هو الأمر في المغرب والأردن مثلاً ·· فضلاً عن هذا وذاك فإن أوروبا تضم الملايين من دول الشراكة اللذين يرسلون بلايين الدولارات واليورو إلى بلدانهم · هذه المطيات تعزز مصداقية أوروبا ومسار برشلونة لدى الجيران العرب ·
في حين تستخدم أميركا القوة في دفع الدول إلى تنفيذ رغباتها ، يفضل الأوروبيون الحوار والاقناع · لكن المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية يعترضون بعنف على هذه السياسة ويطلقون عليها السياسية الاسترضائية والتي - حسب زعمهم - لن تستطيع توفير الظروف الملائمة لنجاح مسيرة برشلونة ، بل يعتبرونها السبب الرئيس لعثرها · ويشبه أحاديو السياسة الدولية سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه العرب بالسياسة الاسترضائية التي اتبعها تشمبرلن رئيس وزراء حكومة بريطانيا قبل الحرب العالمية الثانية تجاه هتلر ، ويخلصون إلى القول بأن الهراوة لا الجزرة هي التي تنفع مع العرب : الهراوة هي التي تهزم الإرهاب والإرهابيين ، الهراوة هي الأداة الأفضل لنشر الديمقراطية في المنطقة ، الهراوة هي التي تطلق حرية التجارة في الشرق الأوسط الأوسع وشمال أفريقيا ، الهراوة هي التي تضع حداً للصراع العربي - ' الاسرائيلي ' ، وكل هذا بشكل ضغوط ·
من هذا المنطلق فإنهم يدعون الأوروبيين إذا ما أرادوا تطوير إعلان برشلونة ضم جهودهم إلى جهود الولايات المتحدة الأميركية في هذا المضمار وتقديم كل الدعم لها في العراق والشرق الأوسط ·
تعثر المسار
وهنا يبرز السؤال : هل يخدم هذا المنطق الشراكة الأوروبية - المتوسطية ؟ بالتأكيد هذا المنطق يخدم الولايات المتحدة والمحافظين الجدد فيها ، ولا يخدم بالطبع مسار برشلونة ولا يساعد على اكتشاف الطريق إلى تطوير هذه الشراكة ،ويرى البعض أن أسباب تعثر هذا المسار،تعود إلى جملة من الأسباب نكر منها هنا سببين فقط لأهميتهما :
أولاً : لعل من أهم أسباب تعثر هذا المسار أنه لم يقم على أساس الشراكة الحقيقية التي أشير إليها في الإعلان عنه ، وكان الأجدر بالاتحاد الأوروبي أن يتعامل مع الجانب العربي على أساس الثنائية والجماعية ·· في حين اختار الجانب الأوروبي التعامل مع العرب على أساس ثنائي ، أو الشراكة مع دول متوسطية فحسب ، والتزم الاتحاد الأوروبي بهذا النمط من التعامل لا مع الحكومات العربية فحسب ، وإنما حتى أيضاً مع منظمات المجتمع المدني ، حيث بدا واضحاً للعيان مدى تررد الاتحاد الأوروبي في دعم وتأيد أي تجمع اقليمي ما لم يضم الدولة العبرية ·
ثانياً : لم يعط الطرف الأوروبي أي اهتمام لمسألة مساندة التحولات الديمقراطية في المنطقة العربية ، والاهتمام هنا لا يعني على الاطلاق اللجوء إلى الهراوة · بل على العكس من ذلك تماماً ، إذ ينبغي الاستخدام الأمثل للجزرة · وهنا يجب الإشارة إلى أن الاتحاد كان يحث وعلى الدوام دول المنطقة على الأخذ بالمبادىء الديمقراطية ، لكن حكام هذه الدول ما كانوا يشعرون بأنهم سوف يخسرون شيئاً إذا لم يستجيبوا لهذه الدعوات المتكررة ·
غير أن الإشارة إلى الثغرات في الموقف الأوروبي تجاه مسار برشلونة ، لا تعني على الإطلاق تبرئة الجانب العربي من مسؤولية تعثر هذا المسار وهذه الشراكة ·· فلو كان التعاون بين العرب راسخاً ومتيناً لما استبعدت الهوية والمؤسسات العربية من عملية تأسيس الشراكة الأورو - متوسطية ··ولو كانت الأوضاع السياسية في المنطقة العربية بخير لما كانت هناك حاجة إلى تدخل أوروبي لدعم التحول الديمقراطي فيها ·
من هنا فإن المطالبة بتطوير هذا المسار تقتضي التوجة إلى الأوروبيين والعرب والأطراف الأخرى المعنية بهذه الشراكة ، بيد أن الواقعية تقتضي التوجه بهذه المطالبة بالدرجة الأولى إلى الطرف الأوروبي· فالاتحاد الأوروبي ، خصوصاً دوله الجنوبية هي صاحبة المبادرة ، وهي الأكثر تأثيراً ونفوذاً بين ' شركاء ' برشلونة ·ثم أن دول الغرب تدخلت ولا تزال تتدخل حالياُ على نحو يؤثر سلباً على مساعي الديمقراطية في المنطقة العربية، والمطلوب ، حقاً ، هو التخلي عن مثل هذا التدخل · لقد مر عشر سنوات على إعلان برشلونة وما زالت قمة الأورومتوسطية تعيد طرح نفس الاشكاليات ، لكن بطرق مختلفة وفي ظل عالمية متغيرة ميزها دخول الولايات المتحدة على الخط لوضع موطىء قدم في بلدان المطلة على المتوسط ، بعولمة تدفع نحو تكريس نظام عالمي نمطي يقضي على الخصوصيات ويسعى إلى احتواء الثقافات المغايرة ، وإن أبدت دول الاتحاد الأوروبي رغبة أكثر في تحقيق الأمن والاستقرار ومقاومة الارهاب ، فإن مشاكل دول الجنوب أبعد من ذلك وإن كانت تروم نفس المبتغي ·

اقرأ أيضا

المعارضة البريطانية ترجح عدم مصادقة النواب على اتفاق بريكست