الاتحاد

عربي ودولي

السودان·· والتدخـل الـدولي في دارفـور


محمـد أبو الفضل :
يبدو أن قدر النظام السوداني استمراره تحت ضغوط مستمرة ، لأن هناك أطرافا إقليمية ودولية تعمل على حصره دائما في زاوية ضيقة ، فما أن يخرج من مشكلة إلا ويجد نفسه في أخرى أشد وطأة وأقسى ضراوة ، فقد أصبحت كل الطرق الحالية تؤدي الى تدويل أزمة دارفور ، بعد الاتجاه لتنحية الوسائل المحلية والآليات الإقليمية ، الأمر الذي يفرض على الخرطوم استحقاقات جديدة والتزامات مغايرة ، تستوجب رؤى تأخذ فى اعتبارها توازنات كثيرة ، في ظل ما فقدته المراوغات والمناورات من فعالية ، على ضوء الاتجاه للامساك بزمام الأزمة عبر جهات تملك تقديرات محددة لأغراضها من التدخل وأدواته ، ولديها حسابات واضحة لأهدافها من شكله ومكوناته والترتيبات التي من المتوقع أن تتمخض عنها ، فمعظم التدخلات الدولية في الأزمات الاقليمية تنطوي على مرام متعددة تتجاوز حدود البصر للأزمة المطروحة ، لأن تداعياتها غالبا ما تصحح مسارات أو تفرض نظريات أو تحمل أجندة لمعادلات دقيقة ، أو جميعها معا·
وإذا كانت أزمة دارفور أفلتت خلال الأشهر الماضية من محطة التدويل، فإن ثمة جملة من المؤشرات والتطورات أعادت هذا السيناريو الى الواجهة وجعلته قاب قوسين أو أدنى من حدوثه، فالتقرير الذي قدمه يان برونك مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة للسودان لمجلس الأمن،حوى اقتراحا بإرسال قوات سلام دولية الى دارفور' لضمان عدم تعرض المدنيين لهجمات ونزع أسلحة الميليشيات المسؤولة عن الجرائم في الإقليم '، ودعا برونك الى زيادة عدد القوات الحالية ( التابعة للاتحاد الافريقي ) من سبعة آلاف الى اثنى عشر ألفا فضلا عن دعمها ماديا، مع مراعاة أن نقل ولاية حفظ الأمن إلى الأمم المتحدة ،حسب اقتراح برونك، يخص الاتحاد الإفريقي وبتكليف من مجلس الأمن الدولي، وقد وجد هذا الاقتراح أصداءً ايجابية مختلفة من أوساط دولية متباينة، ما يؤكد الترحيب بالفكرة والاستعداد لتنفيذها، بعد تدشين الاجراءات اللازمة لتسويقها اقليمياً ودولياً·
من التفـاؤل إلى التشـاؤم
في هذا السياق ، أعلنت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية تأييد بلادها قائلة ' نحن نحبذ بعثة للأمم المتحدة تكون لها سمات الاستمرارية وتنبع من نظام حفظ السلام التابع لها '، وأوضحت مساعدتها جندي فريزر أن واشنطن ستدعم اقتراح إرسال قوات حفظ سلام دولية لدعم قوات الاتحاد الافريقي في دارفور واستبعدت 'جندي' إرسال قوات أميركية ، لكن في حالة مشاركة حلف الاطلنطي من المرجح أن يكون هناك عسكريون أميركيون، وبسرعة فائقة تحول اقتراح برونك الى فكرة ، التي انتقلت الى مربع البحث عن صيغة مناسبة لتطبيقها ، وهو ما كشف عن وجود نوايا للمضي في اتجاه التدويل ،وتحول التفاؤل بإمكانية أن تحرز مفاوضات أبوجا نتائج جيدة الى تشاؤم يعكس رغبة بعض الأوساط في إدخال الملف دائرة أخرى ·
وفي الوقت الذي لم تحقق فيه مفاوضات أبوجا تقدماً يذكر طوال الأشهر الماضية، أمهلت الأمم المتحدة قبل أيام السودان والمتمردين فرصة حتى نهاية فبراير المقبل فقط لتسوية الأزمة في دارفور، ما يعني بدء الاستعداد لمشاهدة معالم التدخل الدولي بعد ذلك، والاعلان عن إخفاق الاتحاد الافريقى في مهمته التي لم يجد لها دعما دوليا كافيا ، وفي هذا المجال كشف يان برونك عن ملامح الاستراتيجية الجديدة التي عرضها مؤخرا على المسؤولين في حلف الاطلنطي ، وهي تقوم على ثلاث ركائز :
الأولى: تحويل مهمات بعثة الاتحاد الافريقي في دارفور للأمم المتحدة وتوسيعها وضمان مصادر تمويل لها·
الثانية : نقل المحادثات السياسية حول مستقبل الاقليم الى دارفور ذاتها لتسهيل مشاركة المجتمعات القبلية في المفاوضات·
الثالثة : تقوية وقف اطلاق النار من خلال مساعدات إضافية من المجتمع الدولي ، وجرى التمهيد لخطوة التدويل من خلال إشارات مختلفة تظهر من حين لآخر ، يتم تعزيزها بالتركيز على ما يتردد من انتهاكات قامت بها الخرطوم بدعم من ' الجنجويد' تارة ، وبالتلويح بمخاطر ملف المحاكمات التي ستطال بعض كبار المسؤولين تارة أخرى ·
وجاءت اتهامات تشاد بقيام السودان بدعم متمردين من حركة ' التجمع من أجل الديمقراطية والحرية ' للاطاحة بالنظام التشادي لتسكب المزيد من الزيت على النار التي تحيط بالخرطوم من عدة اتجاهات ، خاصة أنه لا توجد مصلحة سودانية عاجلة لدعم المعارضة التشادية في الوقت الراهن ، بـل هناك حاجة ضرورية لتوفير درجة من الهدوء ،والخرطوم حافلة بلقاءات اقليمية وعربية ( القمة الافريقية في يناير ثم القمة العربية في مارس المقبل ) ، وبالتالي يمكن الاشارة الى احتمالين لتفسير إصرار تشاد على التصعيد، الذي فشلت جهود ليبيا وافريقيا الوسطى في وقفه، الأول يتعلق بالتأثيرات السلبية لأي تقدم في تسوية ملف دارفور على تشاد ، من زاوية التداخل السكاني وما يجلبه من مشكلات في حالتي الهدوء والتصعيد ، وكثافة المعارضة في الشريط الحدودي وعدم استبعاد تأثرها بتصرفات متمردي دارفور في الحرب وتطبيقها للضغط على حكومة نجامينا ، فضلا عن التلاحم القبلي بين غالبية الحركات المسلحة في الاقليم والسلطة الحاكمة في تشاد ، ما يفرض على الأخيرة التزامات معينة قد لا تستطيع الوفاء بها ·
والاحتمال الثاني ذهب الى أن تشاد قامت بتحركها مدفوعة بحسابات دوائر خارجية ، تريد حشر السودان في ركن من التوتر المستمر الى حين ترتيب أوضاعه بصورة متكاملة، وما يضاعف من ترجيح هذا الاحتمال تزامن التصعيد مع بعض النداءات الدولية بالتدخل وارتفاع سقف المطالب الأميركية من السودان، عقب بلورة واشنطن لمشروع قانون أسمته ' محاسبة دارفور' ، وبالتالي تتهيأ العوامل اللازمة لتوسيع نطاق الاستهداف ويصبح التدويل ممكناً، وسط درجة أقل من الممانعات·
خيارات·· ودلالات
تحمل التصرفات والتوجهات السابقة أكثر من دلالة ، في مقدمتها اقتراب الاعلان بصراحة عن فشل الاتحاد الافريقي في مهمته العسكرية والسياسية والانسانية في دارفور ، كخطوة أولى لاحلال الأمم المتحدة مكانه ، وتحمل هذه النتيجة مجموعة من المعاني ، أبرزها تغييب الأدوار الإقليمية التي تتولاها بعض المنظمات في الأزمات الساخنة ، واللجوء مباشرة الى نظيرتها الدولية التي تتحكم في مفاتيح الحل والعقد فيها بعض القوى الكبرى ، لذلك فالتدويل في حالة دارفور سوف يمهد الطريق لتكراره في أزمات مختلفة تعج بها القارة السمراء وأخفقت مؤسساتها الاقليمية في تحقيق نتائج إيجابية توفر درجة عالية من الأمن والاستقرار ، كما أن هذه الخطوة تضع غرب السودان تحت وصاية دولية من المتوقع أن تؤثر على مستقبله ، خاصة أن هناك بعثة دولية قوامها عشرة آلاف عسكري من خمسين دولة تشرف على السلام في جنوب السودان ، لذلك سوف يكون تكرار هذين السيناريوهين ممكنا في شرق السودان الذي لا تزال مشكلته تراوح مكانها بين الحل العسكري والتسوية السياسية ، علاوة على أن هذه التصورات تصب في صالح متمردي دارفور وتجعلهم أكثر تشددا في مفاوضات أبوجا ، وتدعم احتمالات فشلها ، مما يمهد الأجواء لخطوة التدويل المقبلة ، لاسيما أن الرسائل التي حملتها تصريحات دولية متباينة مقصدها تطويق الخرطوم بصورة رئيسية ·
ويستند توقع اقتراب التدويل إلى، محاولة الولايات المتحدة صياغة منظومة للتعاون الدولي في بعض الأزمات ، بعد الملابسات التي أحاطت بتجربتها في العراق ، وخلفت تداعيات مؤثرة على مكانتها كقوة دولية كبيرة ، من هنا يمثل اختيار شكل جديد للتدخل في دارفور نقطة انطلاق لوضع مفاهيم ، يمكن أن تكون مرتكزا لخطوات قادمة في المنطقة ، وعلى هذا الأساس تندرج فكرة التدويل، لأزمة دارفور ،في بعض جوانبها الاستراتيجية ، ضمن أفكار أخرى لها علاقة بمشروعات ترتيب هياكل المنطقة على قواعد طائفية وعرقية ، وتبدو هذه الساحة مناسبة من وجوه مختلفة ، ففي دارفور ' موازاييك ' عرق نادر يصلح القياس عليه في جولات تالية لتكرار التدخل الدولي · لكن لهذه الخيارات نتائج قاسية على السودان ،منها زيادة فرص التجزئة لوحدة أقاليمه الظاهرة وتعزيز فرص الانفصال، خاصة أن هذا الخيار سوف يكون مطروحا على جنوب السودان بشكل قانوني بعد حوالي خمس سنوات من الآن ، ومن المرجح انسحابه على الغرب والشرق أيضا، ومهما كان التدرج في التدويل حذرا فإن فرص اشاعة الفوضى في السودان واردة ، بحكم كثير من الاعتبارات السياسية والعسكرية والقبلية ، وهو ما يقلق بعض الدول المجاورة ويجعلها تجتهد إما في دعم قوات الاتحاد الافريقي أو تفشيل مهمات التدخل الدولي مهما كانت صيغته ، لأن السيولة التي تتسم بها المنطقة والتشابك الذي يغلب على ديموجرافيتها ، يمكن أن يزيد من الانفلات الأمني الذي يلحق أضرارا بالغة بأية مهمة دولية ، وستظل علامات التدويل التى بزغت مكوناتها وتوسعت مؤشراتها محفوفة بسلسلة من المخاطر، على مستوى السودان ومستقبله، وعلى صعيد المجتمع الدولي ودرجة تماسكه·

اقرأ أيضا

خطف سبعة بحارة في هجوم على سفينة قبالة غينيا الاستوائية