الاتحاد

الاقتصادي

«الرنميبني» تحجز مقعداً متقدماً في عالم العملات العالمية

 اليوان الصيني ينافس الدولار في الأسواق العالمية (أرشيفية)

اليوان الصيني ينافس الدولار في الأسواق العالمية (أرشيفية)

مصطفى عبدالعظيم (دبي)

في نوفمبر العام 2015، أعلن صندوق النقد الدولي الرنمينبي الصيني إحدى عملات الاحتياطي العالمي، وأضافها إلى سلة العملات المختارة التي كانت تتضمن الدولار واليورو والين الياباني والجنيه الإسترليني، وكان يبدو وقتها أن الرنمينبي على وشك التأثير على العالم وإعادة تشكيل النظام المالي العالمي.
وتعود رحلة صعود الرنمينبي أمام مجموعة العملات الرئيسة على مستوى العالم، إلى الخطوات التي اتخذتها الحكومة الصينية في السنوات الأخيرة، حيث طبقت سياسة تستهدف زيادة تداول الرنمينبي على المستوى الدولي لتعزيز وضعه، ومحاولة تحرير التدفقات الرأسمالية وسعر الصرف تدريجيا. ونظرا لحجم الاقتصاد الصيني الضخم وتزايد حصته في إجمالي الناتج المحلي العالمي والتجارة العالمية، فسرعان ما اكتسبت هذه الخطوات زخما كبيرا.
وفي منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأت الحكومة الصينية إزالة القيود المفروضة على التدفقات الرأسمالية الداخلة والخارجة تدريجيا وتحت الرقابة، واستمرت هذه العملية حتى بعد وقوع الأزمة المالية العالمية، حيث وضعت الحكومة عددا من النظم تسمح للأجانب بالاستثمار في أسواق الأسهم والسندات الصينية، مع وجود قنوات عديدة حاليا تتيح للأسر والشركات والمؤسسات الصينية توظيف جزء من استثماراتها في الأسواق الأجنبية، وإن كانت الحكومة لا تزال تحكم الرقابة على هذه القنوات.
ويشير إسوار براساد الأستاذ في كلية دايسون في جامعة كورنيل وفي معهد بروكينجز في كتابه «العملة الرابحة.. صعود الرنمينبي» إلى أن الصين شجعت على توافر الرنمينبي خارج حدودها، بما في ذلك إصدار تراخيص لـ 15 من مراكز المتاجرة الخارجية لإجراء تعاملات بين الرنمينبي والعملات الأخرى. كذلك أنشأت الحكومة نظام المدفوعات الدولية عبر الحدود لتيسير إجراء المعاملات التجارية بين الشركات المحلية والشركات الأجنبية باستخدام الرنمينبي بدلاً من العملات الشائعة كالدولار واليورو.
ويوضح براساد أن هذه التدابير أدت إلى زيادة تداول الرنمينبي على المستوى الدولي، أي زيادة استخدامه في تقييم وتسوية المعاملات التجارية والمالية عبر الحدود — كأداة دولية للتبادل. وفي النصف الثاني من عام 2014، كان الرنمينبي هو العملة المستخدمة في تقويم وتسوية نحو ثلث حجم التجارة الدولية للصين، وفي إجراء نحو 2% من المدفوعات عبر الحدود وهي نسبة قليلة إلا أنها ساهمت في صعود الرنمينبي ليصبح إحدى عملات الدفع الست الكبرى على مستوى العالم.
إلا أن تقدم الرنمينبي توقف لاحقا عندما تباطأ النمو الصيني، مصحوبا بموجة كساد حاد في أسواق الأسهم، ومخاوف بشأن تزايد الديون وعدم الاستقرار المالي. وخلال العام الماضي، انعكس مسار تقدم الرنمينبي كإحدى أدوات التبادل الدولية. إذ تشير كل المؤشرات الكمية لاستخدام عملة الرنمينبي في التمويل الدولي إلى بوادر تراجع حاد، مع إيقاف الحكومة الصينية كل الخطوات المتخذة نحو تحرير التدفقات الرأسمالية.
ورغم القيود المفروضة على التدفقات الرأسمالية الداخلة إلى الصين والخارجة منها، بدأ الرنمينبي في اكتساب دور أكبر في الأسواق المالية الدولية خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا، إلا أنه لا يزال محدودا. وكان مسار تقدم الرنمينبي في هذا الاتجاه مبهرا في البداية، إلا أن هذه التطورات لا تزال في مرحلة وليدة فالطريق ما زالت صعبة وزاخرة بالمنعطفات.

عملة الاحتياطي
ورغم أن صندوق النقد الدولي أعطى الرنمينبي وضع «عملة احتياطي» لأسباب عملية، إلا أن وضع العملة يتوقف بالدرجة الأكبر على نظرة المشاركين في الأسواق المالية. ففي كل الأحوال، يجب أن يكون المستثمرون الأجانب قادرين على امتلاك أدوات مالية مقيمة بهذه العملة والمتاجرة فيها بسهولة من دون معوقات شديدة على التدفقات المالية عبر الحدود. كذلك، يجب أن يكون المستثمرون واثقين بدرجة معقولة في أن قيمة العملة لن تخضع لسيطرة حكومة لا تضع القوى السوقية في اعتبارها.
ووفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، فإن نحو 2% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية محتفظ بها في صورة أصول مالية مقومة بالرنمينبي. وقد وقع 35 بنكا مركزيا تقريبا حول العالم ترتيبات مبادلة عملة محلية ثنائية مع البنك المركزي الصيني. وتتيح هذه الترتيبات للبنوك المركزية الحصول على سيولة بالرنمينبي لحماية عملاتها أو للحفاظ على استقرار مستوى الواردات في حالة توقف التدفقات الرأسمالية الأجنبية الداخلة.
ورغم أن الرنمينبي نجح في الوصول إلى وضع عملة الاحتياطي، فإن تقدمه في هذا الصدد يبدوا محدودا لأن الأسواق المالية الصينية غير متطورة بالدرجة الكافية، وعادة ما يسعى المستثمرون الرسميون الأجانب، مثل البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية، إلى الاستثمار في سندات دين ذات دخل ثابت عالية السيولة وآمنة نسبيا، حتى وإن كان العائد عليها منخفضا نسبيا. ورغم ضخامة أسواق سندات دين الحكومة والشركات في الصين، إلا أنه لا يزال حجم التداول فيها محدودا، كما أن الأطر التنظيمية التي تحكمها ضعيفة. لذلك، فإن تعزيز الأسواق المالية أمر مهم للتنمية الاقتصادية في الصين ودعم دور الرنمينبي في المعاملات الدولية.

المخاطر المستقبلية
ويعتمد صعود الرنمينبي نحو العالمية، بحسب براساد في مقالة بمجلة التمويل والتنمية، اعتمادا كبيرا على تزايد القوة الاقتصادية والمالية للصين، فحدوث تباطؤ حاد في النمو، أو انهيار النظام المالي على أسوأ الفروض، قد يؤديان إلى عرقلة صعود الرنمينبي. وفي الواقع، فإن بعض السياسات المرتبطة بتعزيز الوضع الدولي للرنمينبي، بما في ذلك انفتاح الحساب الجاري والسماح للقوى السوقية بتحديد سعر الصرف بمزيد من الحرية، من شأنه أن يعرض الاستقرار الاقتصادي والمالي للصين إلى عدد من المخاطر إذا لم تدار هذه التغيرات السياسية بكفاءة.
وساعدت سياسة حصان طروادة بشكل غير مباشر في دعم عدد محدود من إصلاحات القطاع المالي وتحرير الحساب الرأسمالي، فعلى سبيل المثال، استلزم الوفاء بالشروط والمواعيد النهائية التي حددها صندوق النقد الدولي تمهيدا للنظر في إدراج الرنمينبي في سلة عملات حقوق السحب الخاصة قيام الصين عام 2015 بتحرير أسعار الفائدة على الودائع المصرفية، وإزالة بعض القيود المفروضة على التدفقات الرأسمالية، والحد من التدخل في أسواق الصرف الأجنبي، من حيث المبدأ على الأقل.
إلا أن المخاوف بشأن آفاق النمو الاقتصادي وزيادة التقلبات في أسواق الأسهم المحلية أدت إلى ارتفاع حاد في التدفقات الرأسمالية الخارجة خلال العامين الماضيين، ونشأت عن ذلك ضغوط خافضة لقيمة العملة، وفي ظل محاولات البنك المركزي مواصلة إدارة قيمة العملة مقابل الدولار، خسرت الصين ما قيمته تريليون دولار تقريبا من احتياطيات النقد الأجنبي مقارنة بمستوى الذروة عندما بلغت الاحتياطيات نحو 4 تريليونات دولار في يونيو 2014. وهكذا، فإنه من الواضح وجود ارتباط وثيق بين وضع الاقتصاد الصيني ووضع الرنمينبي.

نهاية المطاف
دبي (الاتحاد)

رغم الخطى المتقطعة التي أحرزها الرنمينبي على المسار المتوقع له، فإنه في طريقه إلى أن يصبح إحدى عملات الاحتياطي الرئيسة، لكن من المتوقع أن تستغرق هذه العملية سنوات عديدة ولن تسير بمعدل متسق، فإذا تمكنت الصين من اتخاذ الإجراءات اللازمة، بما في ذلك تنفيذ إصلاحات ملائمة في القطاع المالي إلى جانب الإصلاحات الأخرى المعتمدة على السوق، فقد يصبح الرنمينبي في يوم من الأيام عملة احتياطية مهمة وقد يشكل في نهاية المطاف نحو 10% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية.
وبينما حقق الرنمينبي تقدما ملحوظا في فترة قصيرة نسبيا، فإنه ليس من المؤكد أنه سيواصل نفس المسار المبهر الذي اتبعه في السنوات القليلة الماضية، وقد لا تتحقق إمكاناته إلا إذا نفذت الحكومة الصينية مجموعة كبيرة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية. ولكي تصبح الرنمينبي عملة ملاذ آمن، سيتوجب على الصين البدء في إصلاحات أكثر عمقا في هيكلها المؤسسي بما يؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير في المؤسسات السياسية والقانونية والعامة. إلا أن هذه التغيرات مستبعدة تماما في الوقت الحالي.
ومن المتوقع أن يؤدي صعود الرنمينبي إلى العالمية إلى تغير أسواق التمويل الدولي، وإلى تغير الصين نفسها في جوانب عديدة، وخلال السنوات القليلة المقبلة، ستكون الأهمية المتنامية للرنمينبي في أسواق التمويل الدولي بمثابة عنصر مساعد للإصلاحات المحلية وربما ساهمت في تعزيز استقرار النظام المالي الدولي.

اقرأ أيضا

النفط يرتفع ووكالة الطاقة تخفض توقعاتها للطلب