الاتحاد

الاقتصادي

شركات النفط والغاز الروسية نحو استكشافات جديدة

ترجمة: حسونة الطيب

تعمل السلطات الروسية على تشجيع شركات النفط والغاز المحلية لتطوير تقنيات الحفر، من أجل تعزيز الاحتياطي النفطي الذي تعتمد عليه البلاد في تأمين ما يزيد على 25% من ناتجها في المستقبل. وفي إحدى شبه الجزر في أعماق دائرة المحيط المتجمد الشمالي، يقع حقل «تسنترالنو – أولجينسكايا -1» النفطي، في أقصى الشمال الروسي.
ويجسد الحقل واحدة من أكثر التحديات التقنية التي تمت تجربتها في روسيا. وبوجود الاحتياطي النفطي تحت مياه نهر لابتيف المتجمدة، تبرز ضرورة استخدام أكثر تقنيات الحفر الأفقي تطوراً للوصول إلى أعماق تصل إلى 15 ألف متر.
وقبل ثلاث سنوات عندما فرضت أوروبا وأميركا عقوبات على روسيا تحظر شركات مثل «روسنفت»، من الحصول على التقنية والتمويل الأجنبيين، كانت الآبار المعقدة، تشكل نوع المشاريع الطموحة التي كانت هذه الشركات تسعى لتنفيذها. وتتطلع الحكومات الغربية، لأن تساعدها الضغوطات على الشركات الروسية الكبيرة، في تغيير الحسابات السياسية للرئيس الروسي بوتين.
ومقدرة هذه الشركات على تجاوز آثار الحظر، مهمة للغاية بالنسبة لمستقبل الاقتصاد الروسي. وتشير التقديرات الأولية، لاحتياطي يقدر بنحو 9,5 مليار من مكافئ النفط تحت الثلوج حيث بدأت «روسنفت» أعمال الحفر. ويقدر الخبراء، أن منطقة جرف المحيط المتجمد الشمالي، تحتوي على احتياطي من النفط والغاز يقدر بقيمة تصل إلى 20 تريليون دولار وتوفر ما بين 20 إلى 30% من إنتاج روسيا بحلول 2050. وتم منح حقوق الامتياز والعمل في هذه المنطقة لشركتي «روسنفت» و»جازبروم» الروسيتين.
واستهدف الحظر الذي فرضته أميركا والدول الأوروبية، البنوك الروسية الكبيرة وشركات النفط والغاز والدفاع، التي يسيطر عليها الكرملين والتي تشكل الشريان الرئيسي لاقتصاد البلاد. كما لم تقو المشاريع الاستثمارية العالمية على الصمود، إضافة لعدم الاستمرار في المتوقعة منها.
وبقيت العقوبات على حالها بصرف النظر عن فوز دونالد ترامب برئاسة أميركا، وهو الذي وعد بتحسين العلاقات مع روسيا وتعيين ريكس تيلرسون وزيراً للخارجية والذي وقع اتفاقية بنحو 300 مليار دولار، للعمل مع «روسنفت» في المحيط عندما كان يشغل مديراً لشركة أكسون موبيل، ما أثارتكهنات بتخفيف هذه العقوبات أو الغائها. لكن وبسبب الاتهامات التي تم توجيهها للإدارة الأميركية والعلاقات مع بعض المسؤولين الروس، تبخرت آمال أي تغيير في السياسة الأميركية تجاه روسيا في الوقت الحالي على أقل تقدير.
لكن مع ذلك، فإن آثار هذه العقوبات ليست دائمة. وربما تكون آثارها على الاقتصاد الروسي مؤقتة، حيث طلبت «روسنفت» مثلاً، ما يزيد عن 2 تريليون روبية «36 مليار دولار»، كمساعدة من قبل الحكومة في أكتوبر 2014، بغية تسديد بعض الديون الأجنبية. لكن العامل الأكثر أهمية، تمثل في التزامن مع تراجع أسعار النفط.
وعند انخفاض أسعار النفط لمستويات قبل عقد، بدأت روسيا تعاني الركود، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 3,7% في 2015 و0,2% في السنة الماضية. وبينما بدأت أسعار النفط في التعافي خلال الأشهر التسعة الماضية، تعافى معها اقتصاد روسيا تدريجياً بصرف النظر عن رفع العقوبات، حيث من المتوقع أن يحقق نمو الناتج المحلي الإجمالي نسبة قدرها 1,5% خلال العام المقبل.
وفي ذات الوقت، وجدت شركات الطاقة طرقاً أخرى للالتفاف حول العقوبات. وعلى بعد 2 ألف كيلو متر جنوب غرب حقل «تسنترالنو – أولجينسكايا -1» غربي سيبيريا، عانت «جازبروم – نفت» ثالث أكبر شركة روسية لإنتاج النفط، من تأثير طفيف جراء هذا الحظر.
وفي العام الماضي، كانت أول شركة روسية تظهر خبرة في مجال تفتيت النفط الصخري في بئر بطول افقي قدره واحد كيلو متر وعمق 2,3 كيلو متر تحت الأرض، مع تقديرات تؤكد باحتضانه أكبر احتياطي للنفط الصخري في العالم. وتمكنت الشركة من استخدام تقنيات محلية، كان لزاماً عليها تطويرها بعدما أرغمت العقوبات شركاءها على التخلي عن مشاريعها.
ويقول سيرجي فاكولينكو، مدير قسم الاستراتيجية والابتكار في «جازبروم – نفت»،:»يمكن القول إننا لم نتأثر فيما يتعلق بالمشاريع الحالية. وفي مكاتب الشركة في سانت بتسبرج، يستخدم المهندسون شاشات كمبيوترات عملاقة للتحكم في عمليات الحفر عن بعد فيما يفوق 600 بئر منتشرة حول أرجاء البلاد المختلفة.
وفي الفترة بين 2013 إلى 2016، ارتفع انتاج روسيا من خام النفط بنحو 6%، ما يزيد عن ضعف اجمالي ناتج دول أوبك مجتمعة. كما زادت عائدات ثلاث أكبر شركات منتجة للنفط في البلاد، بنسبة قدرها 11% في الفترة نفسها.
وأرغمت العقوبات، العديد من الشركات على إعادة هيكلة ميزانياتها بمساعدة المنتجين المحليين، بجانب تقليص الخسائر أو المشاريع عالية التكلفة وزيادة الكفاءة. كما نمت عمليات الاستحواذ تلاها التوسع في المشاريع العالمية.
وبدأ المجتمع الدولي للنفط والغاز، في إظهار بعض التعاطف مع الشركات الروسية، حيث لم يتم التطرق للعقوبات كثيراً في إحدى المؤتمرات التي جمعت مسؤولين من وزارة الطاقة الروسية ببعض الوفود الممثلة لشركات نفط أميركية وأوروبية.
وعلى هامش المؤتمر، عقدت «جازبروم»، محادثات مع شركات خدمات كبيرة، مع توقعات للتعاون معها في مشاريع مقبلة. ويقدر بعض الخبراء، أن نسبة تأثير العقوبات على مشاريع النفط الروسية، لا تتعدى 1% فقط.
لكن لا تزال شركات الطاقة الروسية، متخلفة من حيث الخبرة التقنية بالمقارنة مع نظيراتها الغربية، حيث تتطلع لإعادة اتفاقيات مشاركة المعرفة والمشاريع الاستثمارية التي توقفت بفعل العقوبات.
وتعزز أمثلة مثل، «تسنترالنو» و»بازينوف»، الآمال في القطاع بأنه حتى في حالة استمرار العقوبات، فإن الخبرة المحلية تتقدم بخطى سريعة تضمن مستقبل عمليات الإنتاج والاستكشاف.
وتؤكد «جازبروم – نفت»، أن الخبرة المحلية ساهمت في زيادة متوسط الإنتاج بنسبة قدرها 11,5% للبئر الواحدة منذ فرض العقوبات، بجانب المساعدة في استخراج 25,3 مليون برميل إضافية في العام الماضي. ويعتقد البعض، أن موسكو ستقطف ثمارها قريباً، في ظل اعتمادها الكبير على الاستمرار في رفع مستويات الإنتاج والصادرات لتسديد فواتيرها.
نقلاً عن: فاينانشيال تايمز

اقرأ أيضا