الاتحاد

الملحق الثقافي

بدت الطريق من المطار إلى الخالدية طويلة وموحشة·· أشبه بطريق صحراوية

جانب من مطار أبوظبي القديم

جانب من مطار أبوظبي القديم

كان الأول من يناير ،1971 يوماً تاريخياً بالنسبة لي· في مساء ذلك اليوم حطت بي طائرة الخطوط اللبنانية (الشرق الأوسط) في مطار أبوظبي، الجديد في ذلك الوقت القديم حالياً· شعرت وأنا أنزل من الطائرة على ساحة المطار بالجو الدافئ·· وكنت أشعر بالبرد وأنا أصعد إلى الطائرة في مطار بيروت في نهاية عام حافل هو عام ،1970 وبداية عام جديد لا أستطيع حتى توقع أحداثه، خاصة وأنا أغيّر مسيرة لأبدأ مسيرة أخرى لم تكن تبدو لي واضحة في ذلك الزمن·
ـ أهلاً وسهلاً بك في أبوظبي··

قالها صديقي مفيد مرعي الذي استقبلني مع الصديق المذيع أحمد سعيد شعث رحمه الله، علمت أنه توفي أخيراً في قطاع غزة بعد أن عاد ليكمل مسيرته الإعلامية في إذاعة وتلفزيون فلسطين·
كانت أبوظبي في مخيلتي قبل أن أصل إليها هي أرض الخير وأرض اللبن والعسل لكافة الشباب العربي الباحث عن فرصة أفضل للعمل وتأمين المستقبل·
ورغم أن الأخ مفيد مرعي كان قد أعدّ العدة للإقامة معه في تلك الفيلا التي حصل عليها من دائرة الإعلام، إلا أن الأخ أحمد سعيد شعث أصرّ في اليوم الأول أن يستضيفني في فيلته هو، وكانت إحدى فلل الشيخ خالد بن محمد آل نهيان في الخالدية·· وعلى ما أذكر كانت على تقاطع الخليج العربي مع شارع الخالدية·· ولا تبعد إلا أمتاراً عن شارع الكورنيش والذي لم تكن الأعمال قد انتهت فيه بعد·
شارع المطار
بدت الطريق من المطار إلى الخالدية طويلة وموحشة·· كانت أشبه بطريق صحراوية، لا عمارات ولا توجد حتى أكواخ صغيرة على جانبي الطريق التي قال لي صديقي مفيد بكثير من الفخر:
ـ هذا الشارع المعبد الطويل هو أحد الإنجازات الهامة التي تمت بعد تسلّم الشيخ زايد لمقاليد الحكم في أبوظبي·
عندما أقود سيارتي الآن في شارع المطار القديم، أتذكر تلك الليلة وأنظر إلى النهضة العمرانية الرائعة القائمة على جانبيه وألمح وجه القائد الراحل مبتسماً من خلال الأضواء الساطعة التي تغمر المدينة كلها وأسأل نفسي:
ـ أحقاً هذه أبوظبي التي رأيتها في الأول من يناير 1971؟
لن أنسى تلك الليلة الأولى في أبوظبي وأنا أغرق في كرم الضيافة للمرحوم أحمد شعث الذي جمعتني به سنوات زاخرة بالعطاء في إذاعة صوت فلسطين من القاهرة·· كانت السعادة التي أطلت في وجهه ووجوه أفراد عائلته تتكلم بصوت مسموع وتبشرني أنني وجدت أهلاً ووطئت سهلاً·
في اليوم التالي كان موعدي مع السيد عمر الخطيب ولم يكن قد حصل على الدكتوراه بعد· رحمه الله، فقد أبلغت أخيراً أنه انتقل إلى رحمته تعالى في العام الماضي·· ولن أنساه فقد كان أستاذاً في الإعلام العربي وبكل ما تعنيه الكلمة من معنى·
كان يتقن اللغتين العربية والإنجليزية ويتكلمهما بطلاقة الخطباء وفصاحة الشعراء·· حتى إنه كان عندما ينقل للمستمعين أو المشاهدين حفلاً أو مهرجاناً أو استعراضاً عسكرياً يجعل المستمع أو المشاهد يتفاعل مع كلماته ويهتز طرباً لتعبيراته القوية والمعبرة·
كان عمر الخطيب يشغل في ذلك الوقت منصب مدير الاذاعة والتلفزيون، وكان مكتبه في أحد أدوار عمارة الشيخ سرور بن محمد في شارع حمدان·· هدمت العمارة من سنوات وشمخ مكانها الآن برج سكني رائع·
استوديو التلفزيون
بالقرب من مكتبه كان الاستوديو الوحيد لمحطة تلفزيون أبوظبي·· ولم يكن في الواقع إلا إحدى شقق العمارة·· ومن خلال فتحة في الجدار الفاصل بين غرفتين تم عمل هذا الاستوديو بحيث تكون غرفة للمذيع وكاميرات التصوير·· وغرفة للمراقبة والبث والتسجيل·
كان اللقاء بالمرحوم الدكتور عمر الخطيب رائعاً، ولا أنسى ما سجله بخط يده على الورقة التي قدمت لشؤون الموظفين·· وسجلته فيما بعد على جدار القلب:
ـ قابلت السيد خليل عيلبوني، فوجدته متعدد جوانب المعرفة، وأوصي بتعيينه مراقباً للبرامج في الإذاعة·
في ذلك العام وقبل بدايته بأيام أنهيت السنة الثلاثين من العمر·· ولكن بخبرة في الإعلام تصل إلى عشر سنوات·· بدأت بصوت العرب من القاهرة عام 1961 وانتهت بصوت فلسطين من القاهرة في نهاية عام ,·1970 لتبدأ من جديد بصوت الإمارات العربية المتحدة من أبوظبي عام ·1971
الدرس الأول الذي تعلمته من صديقي مفيد تلخص بقوله: ـ هنا يمكنك أن تقول ما تشاء·· المهم الصدق والابتعاد عن النفاق·· القيادة بسيطة جداً ولا يحبون النفاق·· أحد المذيعين العرب من زملائنا أنهيت خدماته وسافر لأنه بالغ في وصف استقبال الشيخ حمدان بن محمد آل نهيان حيث قال: وهاهي الجماهير الغفيرة التي أقبلت من كل حدب وصوب تقف على جانبي الطريقي وفي شرفات المنازل المطلة عليها وتتسلق الأشجار الباسقة لتحظى برؤية وجه شيخنا الحبيب الشيخ حمدان بن محمد آل نهيان·
وصدف أن الشيخ حمدان كان يستمع إلى ذلك الوصف المبالغ فيه·· فغضب وأمر بإنهاء خدماته قائلاً:
ـ إن من يكذب في المديح يكذب في الذم·· ونحن نريد إعلاماً صادقاً·· ولا نحتاج لكذابين· وهذا ما يجب أن أسجله·· كانت المسيرة التي قادها الزعيم الراحل الشيخ زايد تقوم على أساس الصدق·· وكشف الحقيقة·
بيئة صحية
وأعترف الآن وبعد أكثر من ثمانية وثلاثين عاماً أنني عندما وصلت إلى أرض دولة الإمارات العربية المتحدة كنت مجرد شاب فلسطيني يبحث عن فرصة عمل أفضل·· وعن دخل مادي أكبر·· ولكنني ومنذ البداية وجدت نفسي في بيئة صحية·· لا تعارض فيها بين القيم التي أحملها وبين العمل الذي أمارسه·· ولذلك أحببت عملي·· وشعرت أنني فعلاً في بلدي واستطاعت أبوظبي بمن كان فيها في ذلك الوقت المبكر من مواطنين ومن وافدين أن تهبني الحنان وتشعرني بالأمان وأنني أعيش بين أفراد أسرة واحدة متحابة·
عندما انتقلت في اليوم الثالث إلى فيلا صديقي مفيد مرعي، وكان في ذلك الوقت عازباً، لا يسكن معه إلا أخوه فؤاد والذي كان رغم عمله الذي يأخذ منه معظم ساعات يومه يقوم بكل ما يحتاج إليه البيت من ترتيب· ولكن المطعم الذي كان يجمع جميع العاملين الذين لم يدخلوا إلى قفص الزوجية بعد، كان أشبه بالنادي الذي يلتقي فيه الأصدقاء وكان تابعاً على ما أذكر لأحد الفنادق والذي كان قريباً من فندق رويال ميريديان الحالي·
في ذلك المطعم الذي كان يقدم أصناف الطعام اللبناني التقيت بمن سبقوني إلى العمل في أبوظبي وتعرفت على من ظلوا أصدقاء لي حتى اليوم·
وهكذا بدأت العمل في إذاعة أبوظبي في ظل جو أسري حميم جعلني أقدم أقصى ما لدي وما وفّرته لي تجربتي الماضية في خدمة قضية بل قضية الأمة العربية كلها قضية فلسطين·
لا أستطيع أن أمنع نفسي في كل مرة أقود فيها سيارتي في شارع حمدان من الالتفات إلى ذلك المبنى الجديد والذي حل محل مبنى قديم قامت فيه أول محطة إرسال تلفزيوني لأبوظبي·· ذلك مبنى أو عمارة الشيخ سرور بن محمد آل نهيان وتتزاحم على جدران ذلك المبنى الشامخ صور الرواد الأوائل الذين كانوا يدخلون إلى القلوب والبيوت لينقلوا أحداث ووقائع مسيرة قادها رجل عظيم اسمه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان·· وكان لي شرف مرافقتهم في تلك المسيرة الرائعة·

اقرأ أيضا