الملحق الثقافي

الاتحاد

قراءة في الدورة الرابعة من مهرجان الإمارات لمسرح الطفل

مسرحية العقد الضائع

مسرحية العقد الضائع

احتضن معهد الشارقة للفنون المسرحية في الفترة من 17 إلى 23 يناير الماضي فعاليات الدورة الرابعة لمهرجان الإمارات لمسرح الطفل الذي تنظمه سنويا جمعية المسرحيين بالدولة بالتعاون مع وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع ودائرة الثقافة والإعلام بالشارقة ومؤسسة الإمارات بأبوظبي·

شارك بالمهرجان في نسخته الرابعة 11 فرقة مسرحية محلية، وهو رقم قياسي مقارنة بالمشاركات السابقة وحداثة التجربة، مما اضطر اللجنة المنظمة إلى ضغط جدول العروض وتخصيص عرضين لليوم الواحد بدلا من عرض واحد·
والفرق التي شاركت بالمهرجان هي مسرح زايد للطفولة التي شاركت بمسرحية ''أنقذوا النجمة'' للمخرج فيصل الدرمكي ومسرح رأس الخيمة الوطني بمسرحية ''كوكو يا ثعلوب'' للمخرج علي جمال، وفرقة مسرح كلباء الشعبي بمسرحية ''زهور والمنظرة المسرحية'' للمخرج عيسى كايد، ومسرح الفجيرة القومي المشاركة بمسرحية حكاية ''عبود ودودو'' من إخراج مبارك ماشي، وشاركت فرقة جمعية شمل بمسرحية ''العقد الضائع'' للمخرج عبدالله أبو هنية، أما مسرح دبي الأهلي فشارك بعرض ''السرير السحري'' للمخرج عبدالله بن لندن، وشاركت فرقة مراكز أطفال الشارقة بعرض ''الكتاب المستعمل'' للمخرج محمود أبو العباس، وشاركت جمعية حتا بمسرحية ''الراعي الأمين والملك الحكيم'' للمخرج عمر غباش، وفرقة دبا الفجيرة بمسرحية ''سلة الحلويات'' للمخرج خليفة التخلوفة، وشارك مسرح دبي الشعبي بمسرحية ''ياسمين والمارد الشرير'' للمخرج محمد السلطي، وأخيرا شارك مسرح الشارقة الوطني بمسرحية ''القنديل الصغير'' للمخرج محمد غباشي·
التراث والحداثة
ومن خلال قراءة بانورامية لما قدمه المهرجان يكتشف المراقب ورغم الحضور المكثف للجمهور العائلي، خلو معظم العروض من لغة مسرحية تتعاطى مع جدل الحداثة، فهي لم تقرأ الواقع المعاصر لطفل اليوم خصوصا من ناحية الهيمنة التكنولوجية والانفتاح على العالم وتجاوز الحكايات المتحفية وقصص الجدات (حكاية السندريلا، وعلي بابا، ومارد القمقم، والسندباد، وليلى والذئب، وغيرها)، وانحازت معظم العروض لعناصر شكلية ومقحمة مثل الإبهار والبهرجة والمبالغة والتضخيم في مكونات السينوغرافيا والديكورات والمؤثرات السمعية والبصرية، ورغم ذلك لم تستطع هذه العروض أن تخاطب الوعي الجديد للطفل، وأن تتواصل معه روحيا ومعرفيا وتقنيا، القليل فقط من هذه العروض نجا من فخ النمطية والتكرار، واستطاع أن يخلق نوعا من التوازن بين الاهتمامات المعاصرة للطفل وبين الرسائل الضمنية المراد إيصالها دون اللجوء للتلقين والوعظ المباشر والصريح والذي يصيب الجانب الفني والرمزي للمسرح في مقتل!·
من جهة أخرى فإن هذا التواجد الكثيف للفرق المشاركة فرض سؤالا ملحا في الوسط المسرحي المحلي حول المعايير التي تحدد نجاح وتطور مهرجان مسرح الطفل، وهل هذه المعايير مرتبطة بالكم أم بالنوعية، وبزخم المشاركة أم بجودة وتكامل عناصر العرض المسرحي المخاطبة لوعي للطفل؟
السؤال الآخر الذي رافق عروض المهرجان تمركز حول تصاعد الخط البياني المتوقع في النواحي الفنية والموضوعية للعروض، وهل كان هذا التصاعد واضحا ومتحققا خصوصا بعد مرور أربع سنوات من عمر المهرجان؟
هذه الأسئلة وغيرها طرحها ''الاتحاد الثقافي'' على إسماعيل عبدالله رئيس المهرجان ورئيس جمعية المسرحيين بالدولة والذي قدم إجابات امتازت بالصراحة والجرأة والشفافية، حيث أشار إلى المهرجان ورغم وصوله للدورة الرابعة هو أدنى من حجم الطموح الذي راهنت عليه اللجنة المنظمة، ورغم ذلك ــ كما يقول إسماعيل عبدالله ــ فإن هناك بعض الإضاءات والبشارات ولكنها تظل محصورة في نطاق الاجتهاد الفني والحماس المسرحي الفردي، وبالتالي فهي لا تؤسس لحركة مسرحية متواصلة تدفع بمسرح الطفل في الإمارات إلى منطقة التوهج الدائم والعمل الاحترافي المتكامل·
وعن الحلول المقترحة لتحقيق الطموح المنتظر من مهرجان مسرح الطفل في الإمارات يقول عبدالله: ''يحتاج المهرجان إلى إعادة هيكلة في نظامه الأساسي، وهناك ضرورة لتصنيف المشتغلين في مسرح الطفل، وتصنيف العروض المشاركة في المهرجان، وهذه القسوة مبررة لأن التغييرات والانعطافات الكبيرة بحاجة أيضا إلى نوع من التضحية والجرأة والشفافية وتصحيح الأخطاء المزمنة والمتراكمة منذ سنوات''·
وعن إيجابيات الدورة الحالية مقارنة بالدورات السابقة قال: ''من الظواهر الجيدة في هذا المهرجان هو استقطاب جمهور ''العائلة''، لأن الدورات السابقة راهنت على طلبة المدارس وحدهم، ولم ينجح هذا الرهان لأسباب متعددة، بينما تحول حضور الطفل مع عائلته وخصوصا في هذه الدورة إلى حضور تفاعلي وديناميكي تميز بالكثافة والتواصل المثمر مع العرض المسرحي، مما يساهم في تكريس جمهور حقيقي لمسرح الطفل''·أما الدكتور حبيب غلوم العطار مدير المهرجان فقال: إن اللجنة المنظمة للمهرجان ورغم ضعف بعض العروض، لم تلجأ لخيار الإقصاء أو العرض خارج المسابقة، لأن هناك فرقا تشارك لأول مرة، ومن باب تشجيعها للمشاركة في الدورات القادمة تجاوزنا عن الشروط القاسية والتي سنطبقها في الدورة القادمة، خصوصا ان مرور أربع سنوات يعتبر فترة كافية لوصول مسرح الطفل في الإمارات إلى الحد المطلوب من النضج للتعامل مع هكذا مسرح خطير وإشكالي ولا يستهان به لمجرد أنه موجه لفئة الأطفال·
عروض مميزة
رغم قلة العروض المميزة في المهرجان، إلا أنها استطاعت أن تفرض حضورها على أجواء الحدث سواء من ناحية تفاعل شريحة الأطفال وجمهور العائلة معها، أو من ناحية حصولها على إشادة لجنة التحكيم وبالتالي نيلها لنصيب وافر من الجوائز، حيث استطاعت مسرحية ''عبود ودودو'' مثلا للمخرج مبارك ماشي أن تنال نصيب الأسد من هذه الجوائز، لأنها استطاعت أن تمزج بين متطلبات الفرجة المسرحية وبين النقد الاجتماعي في قالب جديد ومبتكر، ورغم أن فكرة المسرحية مقتبسة من فيلم (إي تي) الشهير للمخرج ستيفن سبلبيرج إلا أن مخرج المسرحية استطاع أن يسبغ الطابع المحلي على عرض كان يتطلب الكثير من التقنيات والمؤثرات الحديثة كي يترجم الصورة المتخيلة للكائنات الفضائية التي تهبط إلى الأرض وتحاول أن تنزع قيم الشر عن أطفال كوكب الأرض·
أما عرض ''الكتاب المستعمل'' للمخرج محمود أبوالعباس والحائز على جائزة لجنة التحكيم فاستطاع أن يحقق نموذجا متقدما في كيفية الولوج إلى عالم الطفل من بوابة المسرح، وكانت الأزياء والاكسسوارات المصاحبة وحركة الممثلين على الخشبة معبرة بقوة عن قيمة وأهمية الكتاب، وهي الرسالة التي استطاع المخرج أن يعرضها للطفل باسلوب احترافي يعلي من قيمة المضمون ويقلل من الإبهار المقحم والمبالغ به، أما العرض الثالث وهو ''ياسمين والمارد الشرير'' فاستحق جوائز التقنيات والمؤثرات السمعية والبصرية، ولكن جاء ذلك على حساب المحتوى السردي للنص والذي لم يستطع الفكاك من إرث القصص والحكايات الخرافية المكررة والمستهلكة·
النشاطات المصاحبة
وشهدت الدورة الرابعة للمهرجان العديد من المفاجآت التنظيمية التي تدخل في سياق تطوير وتجويد آليات التعامل مع مسرح الطفل، حيث شهدت الدورة ولأول مرة تكريما للشخصية المسرحية الخليجية التي ساهمت في تطوير مسرح الطفل بالمنطقة، وهو الفنان الكويتي عبدالرحمن العقل، أما على المستوى المحلي فتم تكريم الفنان حسن رجب نظرا لعطاءاته وجهوده الملحوظة في المراحل التأسيسية لمسرح الطفل في الإمارات·

التوصيات الختامية

رغم الطابع المبهر والصاخب لحفل اختتام المهرجان، إلا أن الملاحظات والتوصيات التي قرأها إسماعيل عبدالله رئيس المهرجان وأحمد الأنصاري رئيس لجنة التحكيم كانت تسعى وبقوة لتخليص مسرح الطفل من شوائب ومعوقات كثيرة مازالت تقف في طريق تطوير هذا المسرح وإيصاله إلى درجة كافية من النضج والوعي والتعامل الاحترافي مع حاجات الطفل، حيث أشار عبدالله إلى أن المهرجان سيشهد ابتداء من الدورة القادمة تكليف لجنة مختصة لتقييم العروض قبل مشاركتها في المسابقة الرسمية، وذلك من أجل رفع السوية الفنية والمعرفية للعروض·
وأكد رئيس المهرجان على إقامة موسم صيفي لمسرح الطفل بالتعاون مع وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع على غرار الموسم الصيفي لمسرح الكبار، حيث يتم اختيار ثلاثة عروض مسرحية مميزة في المهرجان لتعرض على مسارح الدولة وكذلك للمشاركة خارجيا على المستوى الخليجي والعربي والعالمي بينما أشار رئيس لجنة التحكيم إلى ضرورة الاستعانة بلجنة مهمتها مشاهدة العروض المشاركة قبل المهرجان وتقييمها فنيا، وأوصت اللجنة أيضا بضرورة إقامة ورشات عمل ودورات تدريبية متخصصة في مسرح الطفل يشرف عليها خبراء ومتخصصون من داخل الدولة وخارجها، وأكدّت التوصيات على أهمية المشاركة في المهرجانات المسرحية العربية الخاصة بمسرح الطفل كما أوصت بضرورة اختيار اللغة العربية الفصيحة للعروض كلها وبإقامة موسم مسرحي صيفي لمسرح الطفل على غرار مسرح الكبار كما أوصت، أخيرا، بأهمية إقامة الندوات التي تبحث في قضايا مسرح الطفل·

اقرأ أيضا