الاتحاد

الملحق الثقافي

إعادة إنتاج للمحن العربية منذ قرنين

دراسة تاريخية وفكرية مهمة للمؤرخ د· محمد عفيفي صدرت بعنوان ''المستبد العادل'' يناقش فيها فكرة سيطرت على كثير من الكتاب والمصلحين العرب منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى اليوم تطالب بوجود مستبد شريطة ان يكون عادلا يتولى النهوض بالشرق الإسلامي كله·
تعود فكرة المستبد العادل الى الاستاذ الأمام محمد عبده، فقد نشر مقالا في مجلة ''الجامعة العثمانية'' عدد مايو ،1899 حمل عنوان ''إنما ينهض بالشرق مستبد عادل'' وكتبه محمد عبده ردا على مقال بالجامعة حمل عنوان ''الإخاء والحرية''· كان مقال الجامعة يدعو الى الحرية السياسية للنهوض بالشرق، فلم يعجب هذا القول الامام، فقام بالرد عليه، وهذا ما دفع أحمد أمين الى القول في دراسته عن محمد عبده إن المقال كان للرد على دعاة الاخذ بالنظام البرلماني في الحياة السياسية وان الامام كان يرى ان الاسراع بتطبيق الحياة النيابية قد يؤدي الى فوضى اجتماعية وسياسية· لم يكن الامام يدرك انه بذلك انما يؤسس نظرية فكرية وسياسية سوف تشغل العالم العربي كله الى يومنا هذا· المقال قصير، ونلاحظ انه كتبه كمقال اجتماعي او سياسي سريع، بدون استشهاد تراثي او أصولي، ولم يستند الى مرجعية دينية، ولم يقف امام آية قرانية كريمة ولا استشهد بحديث نبوي ولا واقعة من التاريخ الاسلامي· كان المقال في النهاية تعليقا على مقال للجامعة· قال الامام ''هل يعدم الشرق كله مستبدا من اهله،عادلا في قومه، يتمكن به العدل ان يصنع في خمس عشرة سنة ما لا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرنا''؟ ويحدد الامام محمد عبده مواصفات ذلك المستبد ودوره انه ''يكره المتناكرين على التعارف ويلجىء الاهل الى التراحم ويقهر الجيران على التناصف ويحمل الناس على رأيه في منافعهم بالرهبة، ان لم يحملوا أنفسهم على ما فيه سعادتهم بالرغبة، عادلا لا يخطو خطوة الا ونظرته الاولى إلى شعبه الذي يحكمه''·
15 سنة استبداد
ويحدد مدة زمنية لذلك المستبد وهي 15 عاما·· ولكن لماذا هذا الرقم؟ يجيب هو ''هي سن مولود لم يبلغ الحلم، يولد فيها الفكر الصالح وينمو تحت رعاية الولي الصالح، ويشتد حتى يصرع من يصارعه، خمس عشرة سنة يثني فيها أعناق الكبار الى ما هو خير لهم ولأعقابهم ويعالج ما اعتل من طباعهم بأنجح انواع العلاج، ومنها البتر والكي اذا اقتضت الحال''·
بعد هذه السنوات يبدأ المستبد في منح الشعب الحرية، وهي عنده تأتي بالتدريج يقول ''اذا عرفت الافكار مجاريها بالتعريف، وانصرفت الى ما أعدت له بالتصريف، وصح الشعور بالتقليل واستقامت الاهواء بالتعويل، أباح لهم من غذاء الحرية ما يستطيع ضعيف السن قضمه والناقه من المرض هضمه، وأدل ما يكون ذلك بتشكيل المجالس البلدية، ثم بعد سنين تأتي مجالس الادارة لاعلى ان تكون آلات تدار، بل على ان تكون مصادر للآراء والأفكار ثم تتبعها بعد ذلك المجالس النيابية· نعم ربما لا يتيسر لرجل واحد ان يشهد هذا الامر من بدايته الى نهايته، ولكن الخطوة الاولى هي التي لها ما بعدها، ويكفي لها خمس عشرة سنة وما هي بكثير في تربية أمه''·
انتشرت فكرة المستبد العادل انتشار النار في الهشيم، ووجدت دعاة لها في العالم العربي كله، ولعب ثقل شخصية الامام محمد عبده، دورا في ذلك الانتشار والتأثير·· وربما لعب المناخ العام دورا في استقبال تلك الفكرة حيث كانت البلاد العربية تحت الاحتلال الاوروبي، وكان التنادي على زعيم قوي مخلص، ولم تكن فكرة الديمقراطية مطروحة ولا كانت لها أولوية وكان التخلص من الاحتلال هو الاساس ولذا لم يجد محمد عبده من يعترض عليه، الا بعد ذلك بمدة، تحديدا 15 عاما، وجاءت من تلميذه لطفي السيد الذي نشر مقالا في جريدته ''الجريدة'' بتاريخ 10 يناير 1914 بعنوان ''حقوق الأمة'' خصصها بالكامل لانتقاد نظرية المستبد العادل· وقد كتبها أساسا ليعترض على الإجراءات التعسفية التي بدأت الحكومة تتخذها خاصة مع أجواء الحرب العالمية الاولى·وذهب لطفي السيد الى التاريخ الاسلامي كي يدحض ذلك التصور ''كانت الحكومات الاسلامية كحكومة الخلفاء في صدر الإسلام، غير مستبدة لانها كانت خاضعة في كل تصرفاتها الاجتماعية والسياسية لكتاب الله وسنة نبيه ''صلى الله عليه وسلم'' ولا نعرف عن الخلفاء الراشدين انهم تعدوا في تصرفهم حدود الله ولا غمطوا حقوق الامة ولا حقوق الافراد المقررة في الشريعة الغراء''·
ثم يضيف ''فما مذهب الاستبداد العادل في عقول أنصاره الا أمنية يتمنونها من حكومة موحدة الكلمة قوية البطش بعيدة عن الشهوات الحزبية والفردية، سريعة الحركة لا بطيئة كالحكومات النيابية، عادلة لا تنحرف عن مادة العقل ابدا'' وهو عند لطفي السيد وهم خاصة اننا جربنا الاستبداد فلم نجد فيه عدلا ولا إنصافا ''ها نحن أولا قد جربنا ورأينا تجارب الامم في الاستبداد وفي الحكومة النيابية، فخرجنا من هذه الامثلة نمقت الاستبداد ونحب الحرية ونود لو نخرج من حكومة الاستبداد الى الحكومة النيابية او حكومة الامة''· وبالخبرة التاريخية فإن لطفي السيد يرى ان مذهب الحكومات النيابية اثبتت التجربة انه أفضل طرائق الحكم·
وينهي لطفي السيد فكرته بهذا النداء الصارخ ''نرفع للحكومات نصيحة ونكرر الالتماس بأن الامة هي وحدها التي تعرف منافعها دون غيرها، وانها مع ذلك لا ترى لنفسها منفعة ألزم لحياتها من الاحتفاظ بالحرية وسلامة حقوق الانسان''·
تناقض منطقي
وسوف تجد أفكار لطفي السيد ازدهار إبان ثورة 19 ووضع دستور 23 لكن تأتي الايام بما يدعم فكرة محمد عبده في مصر وفي خارجها، ففي سوريا يأتي عبدالرحمن الشهبندر ليكتب في سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي داعيا الى المستبد العادل، ربما لم تكن دعوته تأثرا مباشرا بفكرة الامام محمد عبده لكنها كانت متأثرة بظروف العالم العربي مع الاستعمار والاستقلال المزيف والحكومات شبه النيابية، ففي مقال له بعنوان ''حاجتنا الى التجانس'' يقول ''ليس من مصلحة بلادنا في شيء أن نطلب لها الحكم الديمقراطي قبل أن نحصل على رحى اجتماعية نطحن بها الجماهير العربية فنجعلها متجانسة ونزيل من بينها هذه الفروق التي تجعل وحدة الرأي فيها بعيدة التحقيق''· الطريف ان شهبندر يرى ان الطريق الى الحرية لابد ان يمر بالاستبداد: ''فهذا الاستبداد الذي نوافق عليه انما هو لأجل الحرية التي ننشدها''·
والواقع ان الشهبندر كان يتحدث هنا وفي خلفيته ما حدث ايام الانقلاب على السلطان عبدالحميد عام 1908 ''إنني أذكر جيدا اننا لما كنا نعاني حشرجة الموت تحت كابوس السلطان عبدالحميد كنا نظن ان مجرد اعلان الدستور وإطلاق حرية الانتخابات وترك المنابر للخطباء يتكلمون كما يشاؤون ينعشنا ويعيدنا إلى الحياة''· ثم يضيف قائلا: ''ولا أنكر ابدا ان بعض الانتخابات دلت على شيء من حسن الاختيار ولكنها أرسلت الى مجلس النواب أناسا لايختلفون عن العوام كثيرا'' ويستطرد مشيراً إلى ان ما يجري في المجالس النيابية العربية، لا يعد اي إضافة للأمة·
ويقفز د·عفيفي بعد ذلك إلى النصف الثاني من القرن العشرين، حيث انتشرت نظرية المستبد العادل في عدد من الدول العربية ويعتبر ان شخصية الزعيم جمال عبدالناصر كانت تجسيدا لتلك الفكرة، ويتوقف امام قصائد نزار قباني عن عبدالناصر·
ويدين المؤلف بشدة فكرة المستبد العادل لانها تنطوي على تناقض منطقي فلا يمكن ان يجتمع الاستبداد والعدل باعتبار ان كلا منهما نقيض الآخر فالاستبداد يعني القهر والظلم وهو ضد العدل· لكن ما يجب ان نلتفت اليه ان كل هؤلاء الكتاب العرب من الإمام محمد عبده الى نزار قباني وسائر الكتاب، انما كانوا يكتبون تحت وقع ازمة اجتماعية ووطنية كبرى عاشوها جميعا وعاينوها بأشكال وظروف متباينة·· محمد عبده رأى بعينيه مجيء الاحتلال وكان يهمه التخلص منه، اما لطفي السيد فقد عانى استبداد حكومات الخديو عباس حلمي وكان يحاول ان يتصدى له، اما الشهبندر فقد رأى ثورات بلاد الشام والمقاومة التي لم تؤد الى نتيجة وتم إفراغها في مجالس نيابية واستقلال ''مزيف'' ولذا جاءت كتاباتهم جميعا من واقع الازمة او المحنة وأظن ان هذا هو حالنا الى اليوم·

اقرأ أيضا