الاتحاد

دنيا

اللهجة المحلية هجينة ··· والكلمات مِكْس !

تحقيق ــ رحاب محمد علي:
نشأت اللهجات المحلية لدى جميع المجموعات البشرية والأعراق والمجتمعات وفقاً لظروف كل مجتمع ونظمه وما يضمه من عادات وتقاليد وعلاقات مختلفة، ولا تختلف الإمارات في هذا عن دول العالم المختلفة، حيث تختلف اللهجات بين كل منطقة وأخرى تقريبا لكن هذا الاختلاف بسيط جداً، ويتجلى في لفظ بعض الأحرف، كما تختلف اللهجات بين سكان القرى وسكان المدينة، بيد أن هذه اللهجات بمراحل تطور كثيرة أدت إلى تغير بعض مفرداتها أو اندثارها لتحل محلها مفردات أخرى أقدر على تحقيق وظيفة اللهجة وهي التواصل، وعلى مواكبة التقدم الثقافي والاجتماعي والحضاري للمجتمع، وهذا ما حدث أيضاً في الإمارات بسبب ما تشهده من تطورات جعلتها منبرا لتجمع ثقافات العالم، وفي هذه الأثناء ابتعد المواطن إلى حد ما عن الكثير من مفرداته العامية، وربما أدت هذه التطورات إلى غربلتها واستبدالها بأخرى تنسجم مع ما يتطلبه هذا العصر ليسهل عليه التحاور والتعامل مع غيره من الأشخاص من جاليات أخرى، فهل يشكل هذا الوضع الذي تعيشه اللهجة الشعبية الإماراتية ودخول مفردات غريبة قد لا تكون عربية خطرا على اللهجة الشعبية ومفرداتها، وهل يدفع باتجاه تجاهل الكثير من المفردات العامية؟
هل يبدو الوضع مألوفا ومتوقع الحدوث في ظل التطور الحافل والتغيرات المفاجئة التي طرأت جراء مجاراة التطور والحضارة واجتذاب العمالة العربية والأجنبية؟!
هذه الأسئلة وغيرها هي هاجسنا في هذا التحقيق:
يفضل فيصل محمد (طالب جامعي) أن يطلق على عدم استخدام الاجيال الحالية للمفردات والكلمات القديمة مصطلح 'تحسين اللهجة' وليس نسيانها أو العمل على اندثارها، ويقول: 'لو قارنا بين الكلمات التي يطلقها شخصان أحدهما من الجيل القديم والآخر من الجيل الجديد سنلاحظ أن الجيل الحالي يعمل على تحسين اللهجة، وعلى سبيل المثال، لو تكلم جدي مع أحد لا ينتمي لقبيلتنا، فلن يفهم أو يستوعب أي كلمة من كلامه لأنه يتكلم الشحية ولهذا لا يستطيع التفاهم سوى مع أهل القبيلة، أما أنا فأتكلم الشحية والعامية المتداولة وبذلك أستطيع التفاهم مع الآخرين، وهذا يسمى تحسين للهجة وليس نسياناً لها، كما أن مجتمعنا أصبح خليطا من جنسيات مختلفة، ولذا يجب أن نوجد لهجة ومفردات مفهومة، وبالنسبة لي سوف أجعل اللهجة الشحية لغة أبنائي الثانوية يتعلمونها من قبيل العلم بها فقط، فلماذا أعلمهم لغة لا يفهمها الغير؟!'·
الحق على المظاهر
أما محمد بن سالم السعيدي (موظف) فيوجه الاتهام في اندثار المفردات المحلية إلى بروز ما يسمى 'بالمظاهر' ويقول: 'التقنية الحديثة والانترنت والبلوتوث كلها تقنيات أدت إلى عدم ارتباط الجيل الحالي بالمفردات القديمة، كذلك طغيان اللغة الإنجليزية على اللغة العربية لمواكبة التطورات ولتسهيل التعامل مع الجاليات الأخرى في الدولة، بالإضافة إلى أن غالبية المجتمع تنظر إلى من يتحدث الإنجليزية على أنه إنسان متطور ومثقف، وأن من يتكلم العامية مبتدئ ومتخلف، وهذا ما يحدث في الواقع حيث يغلب الحديث باللغة الإنجليزية أو الفرنسية التي يستعرض المتحدثون بها مهاراتهم، كما أن إهمال الوالدين له دور كبير في تحلل اللهجة القديمة لأنهم باتوا لا يهتمون بتعليم أبنائهم المفردات القديمة كونها غير مفهومة للكل، فكل قبيلة تقريبا تختلف لهجتها ومفرداتها عن الأخرى ولكن المعنى واحد، كل هذا أدى إلى انحسار ماضي أهالينا بكل ما فيه وإيجاد ثقافة جديدة تواكب التطورات'·
مشكلة قديمة
ويرى راشد الزيودي (موظف) الأمر من منظور آخر، يقول: 'إن دخول مصطلحات غربية بين مصطلحاتنا أمر مر عليه أكثر من خمسين سنة وليس الآن، فعند احتلال البرتغال وبريطانيا أراضينا استخدمت بين أهالينا مصطلحات مردها للغرب مثل'الكنديشن' و 'الباص' و 'الكبت' الذي كان أجدادنا يطلقون عليه اسم 'المندوس'، فلم يلام جيلنا على أمر حدث في السابق؟! إلى ذلك نجد أن الأهالي غير مهتمين بتعليم أبنائهم المفردات القديمة ويكتفون بالمفردات المتداولة بين كافة أبناء الدولة بغض النظر عن انتماء الفرد لأي قبيلة، فالشحي والظهوري والبلوشي وغيرهم أصبحوا يتكلمون العامية المتداولة بين الكل متناسين لهجاتهم، حتى بين بعضهم البعض اندثرت الكثير من الكلمات·
خليط من اللغات
ويقول عبدالله البلوكي (موظف): نسي الجيل الحالي كل شي، العادات والتقاليد وحتى اللهجة، وبات يستخدم كلمات 'مكس' بين العربي والغربي، حتى الحديث العادي في العمل أو المقاهي أو أي مكان لا بد أن يتضمن بعض الكلمات الغربية اختصارا للكلام، أما المسؤولية في النصح والإرشاد فتقع على عاتق الآباء الذين ينبغي أن يقوموا بتعليم أبنائهم الماضي بتفاصيله حتى اللهجة والمسميات والألفاظ القديمة· وأما الذين يقولون أن دخول كلمات غربية في اللهجة بسبب التعامل مع جنسيات مختلفة في نطاق العمل أدى إلى دخول ألفاظ من لغات أخرى إلى اللهجة المحلية بحيث باتت جزءا من اللهجة العامية فأعتقد أنهم يجانبون الصواب، وهو في نظري سبب تافه، ذلك أنهم ليسوا مجبرين على استخدامها بين بعضهم، فلنقل 'هاي' للغربي ولكن ما المانع من قول السلام عليكم للعربي؟!'·
لهجة هجينة
من جهتها ترجع مريم ابراهيم (طالبة جامعية) إهمال استخدام الكلمات القديمة بسبب اختلاف اللهجات في الدولة وتعددها وتقول: 'تعدد اللهجات بين القبائل واختلاف طريقة النطق بها ومعانيها أدى إلى ظهور لهجة 'مهجنة' لتسهيل الحديث بين الكل، فأهالي البحر على سبيل المثال يستخدمون كلمات غير تلك التي يستخدمها أهل البر، والأمر نفسه ينطبق على القبائل المختلفة، فتجد البلوشي أو الظهوري يتحدث بلهجته ولهجة أخرى ليسهل عليه التعامل مع باقي الأفراد· وقد صادفت أكثر من فتاة لا تتقن لهجتها، ويبررن ذلك بأن الكثير يستهزئ بهن وبأسلوب حديثهن ونطقهن للأحرف، في حين يرى بعضهن أنه لا داعي لأن يتعلمنها ما دامت غير متداولة، وبعضهن الآخر يقلن بأن أهلهن لم يعلموهن تلك المفردات لعدم استخدامها حتى بين الكبار'·
التغيير لزوم التحضر
وتؤمن بسمة أحمد (طالبة) بضرورة مجاراة العصر واستخدام ألفاظ معاصرة بعيدة عن الإسهاب، وتقول: 'نحن الجيل الجديد لنا ثقافة تختلف عن ثقافة آبائنا، فالكلمات التي كانوا يستخدمونها غير التي نستخدمها الآن وهي أسهل بكثير، فأنا لا أستطيع أن أقول 'كشمة' بدل 'النظارة' وأراها غير حضارية أبداً، وربما أتعرض للإحراج إذا سمعني أحد أتلفظ بها، ثم إننا أصلاً لم نجد من آبائنا من يعلمنا هذه الكلمات وهم بالكاد يتلفظون بها، فكيف نتكلم ونتداول مفردات لم نسمعها إلا 'على كبر'· أنا أتعامل مع الكثير من الفتيات من مختلف إمارات الدولة، وإذا ما تلفظت إحداهن بكلمة من باب الخطأ أو 'شفرت' بلهجتها فالكل يهب لانتقادها والضحك عليها والاستهزاء بها، وأنا شخصياً لا أتمنى أن أحل محلها في يوم من الأيام وأسبب الحرج لنفسي بسبب كلمة باتت موجودة في ذاكرة الماضي'·
انفتاح حضاري
ويقول مصطفى علي (موظف): 'الاحتكاك بالجنسيات الأخرى والتطور الحضاري والعمراني والانفتاح على الثقافات ودخول مظاهر التطور التكنولوجي والفضائيات والانترنت، كلها أمور أدت إلى ضرورة تداول كلمات ومفردات مفهومة بيننا نحن القبائل المختلفة وبين الجنسيات الأخرى، فلا يستطيع 'البدوي' و هو ابن البر الحديث مع جنسية أخرى بلهجته الثقيلة فستكون صعبة الاستيعاب، بغض النظر عن أهل البحر وهم 'الحضر' فبلهجتهم يستطيعون التعامل مع جنسيات أخرى، وبحكم التجارة أيضا فتجد كلمات خلقت بسبب اندماج المواطنين التجار بغيرهم من الهند وإيران وزنجبار، فابتدعوا كلمات موحدة يستخدمونها بين بعضهم البعض لسهولة التعامل، ومع الوقت أصبحت كلمات لا تتجزأ من لهجتنا العامية، والحاصل الآن يفرض علينا إيجاد لغة سهلة للتحاور، كما أن التطور أوجب علينا تعلم لغات أخرى نشارك بها الدول الثانية في عملية الاتصال الشخصي'·
علي التميمي: مواكبة الحاضر لا تعني نسيان الماضي
يؤكد علي التميمي (مقدم برامج تراثية) على أهمية مواظبة وسائل الاتصال وبالأخص المرئية والسمعية على تشجيع البرامج التراثية، فيقول: ينبغي على وسائل الإعلام أن تدعم وتشجع البرامج التراثية، لا سيما التلفزيون والإذاعة لما لهما من صدى لدى المشاهدين والمستمعين، وهكذا تساعد من خلال ما يعرض عن التراث من أسئلة حول الماضي أو عن معنى مفردات قديمة على ترسيخ اللهجة المحلية في أذهانهم، نظراً لما يوجد لديهم من فضول لمعرفة تلك المعلومات أو أجوبتها· ولا يعني هذا أننا ننكر أهمية الجانب الحضاري في معرفة ما وصل إليه العلم والتقدم ولا نرفض حب الجيل الحالي للمطالعة والتعليم والخوض في الثقافات، بل نعني ألا ينسى الشباب في غمرة هذا كله ما تربوا عليه خاصة اللهجة التي بدأت بالتلاشي بسبب دخول لهجات أخرى، والاختلاط المستمر مع جنسيات من دول أخرى عربية وغربية، ومتابعتهم المحطات والبرامج غير المحلية· إذا أحب أبناؤنا العلم والتحدث بلهجات مختلفة ومواكبة التطور، فيجب أن يلموا بماضيهم ويكون لتراثهم نصيب في هذا العلم، ففي السابق كان آباؤنا يعاتبوننا إذا لم نعرف معنى كلمة تخص هويتنا، فالتراث ارث لا بد منه وعرش يجب أن يبقى طول الدهر لا نغفل عنه، وإذا سألت أحدهم الآن عن معنى كلمة 'خته' وهي تعني الهدوء فلن يعرفها أحد· صحيح أن اللهجة الآن تطورت عن القديمة لكن هذا لا يمنع من إلمام الشباب بماضيهم· أنا أربي أبنائي على تلك المفردات والكلمات القديمة والتي هي لهجتي ولهجة آبائي، فابنتي الصغيرة أتتني يوما تقول 'ابن خالتي يقول لي أنت بخيلة، وأنت تقول لي أنتي شحيحة، فأيهما الصحيح؟'
قلت لها: كلاهما صحيح لكن الفارق هو الزمن، فالأولى جديدة والأخرى قديمة وشحيحة من الشح أي البخل·
ويكمل: يجب على البرامج أن تعرف بمعاني الكلمات القديمة وتذكر ما يرادفها بالفصحى، ولا يخلو وضعنا الآن من تداول كلمات الحاضر فهي الدارجة، ونحن نرى من خلال الأسئلة والمسابقات التراثية سواء في الإذاعة أو التلفزيون مدى تعطش الأبناء وتلهفهم للمشاركة ومحاولة معرفة الأجوبة، فهي جزء منه يود الحفاظ عليه وهذا يسعدني كثيرا، وندرك ذلك أيضا من خلال ظهور مسلسلات باللهجة العامية كـ 'حاير طاير' وحب المواطنين لمتابعته بشكل كبير وغيرها من المسلسلات الخليجية، فكل دولة تحب أن تنتج عملا سواء إذاعيا أو تلفزيونيا يتحدث بلهجتها والكل يحب أن يتابع ذلك، وعندنا في الإمارات يركز تلفزيون دبي بنسبة 50% على عرض برامج التراث، كذلك تلفزيون الشارقة الذي يشجع على نشر النص بلهجة التراث من خلال برامجه التراثية، وان دل هذا على شيء فإنما يدل على اهتمام الإعلام ومؤسسات التراث بالتراث وحرصها على المحافظة عليه، وهذه بالتأكيد بشرى خير، وكما قال المغفور له بإذن الله سمو الشيخ زايد بن سلطان 'من ليس له ماضي ليس له حاضر أو مستقبل'·
فالح حنظل: تغير اللهجة طبيعي وليس هناك أي خطورة
يرى د· فالح حنظل (باحث) أن اللهجة العامية تعرضت للتحوير والتطوير، يقول: 'إن اندثار المصطلحات العامية القديمة له علاقة بأمرين: الأول زوال سبب استعمالها، وتغلب الفصحى واللهجات الأخرى عليها، فمثلا لغة الغوص وهي اللغة ذات المصطلحات التي كانت أكثر استعمالا عند أهل الخليج قام عليها اقتصاد كل إمارة كما قام عليها التركيب البنائي للمجتمع، فلما انتهت هذه المهنة انتهت معها عشرات الألفاظ والمستعملات اللغوية التي كانت تدور على ألسنة الناس، والأمر الثاني هو أن مجتمع الإمارات انفتح على أمرين أحدهما هو التعليم النظامي، ومما لا شك فيه أن اللغة العربية سادت في المدارس وأصبح النطق بها عاما، وبذلك حصل تحوير وتطوير على العامية بحيث اقتربت من الفصحى، والأمر الثاني هو وجود جاليات عربية كثيرة وشيوع اللهجات الخاصة مثل اللبنانية التي تسمع في راديو أم القيوين والمصرية في قناة دبي وغير ذلك، هذا إلى جانب أن الجيل الجديد من أبناء الإمارات لا يفهم الكثير من عبارات 'الشعر النبطي' إذا كان الراوي من أهل البادية، وذلك لأن عالم البادية يوشك أن ينتهي أيضا'·
ويضيف فالح حنظل: 'إن الوضع طبيعي ولا يشكل أي خطورة إذ لابد أن تتحور وتتحول اللغة العامية وأن تكتسب ألفاظا وعبارات جديدة، وأن تزول عنها الألفاظ التي لا جذر لها في الفصيح وبذلك تقترب من الفصحى، أو من اللغة الدارجة التي يمكن أن يتفاهم بها كل العرب، وإذا تكلمنا عن دور نادي تراث الإمارات في حل المشكلة - إذا نظرنا إليها على أنها مشكلة - فإن نادي تراث الإمارات بجميع نشاطاته التي على رأسها جمع شوارد الشعر النبطي ودراسته وكتابته وشرحه، إنما يحافظ على اللغة القديمة التي كانت سائدة، كما أنه يقوم بين فترة وأخرى برعاية سباقات التجديف والهجن والمهرجانات الشعبية، وبهذا يساهم في المحافظة إلى حد كبير في الإبقاء على اللهجة العامية'·

اقرأ أيضا