الاتحاد

الملحق الثقافي

الليل استحم بدمعتك

تأتي روحي تتفقدني

في الليل
تجلس روحي الألم
على فخذي
تتفقدني حياتي
وتمسك
بكوب الشاي
تقطع قطعة صغيرة
صغيرة جداً
من البسكويت
تتأمل
لساني
والاحمرار في يدي
تهز شرودي
في القصيدة
وتحرك نظرتي
في الليل
تأتي بي روحي
تقلب الورق
على الطاولة
تبل ريق
النص
وتضجر من وحدتي
تقفز بعكازي
وتقلدني في المشي
تقلب القنوات
في التليفزيون
تعاين
هاتفي الذي خلعت
من الانتظار
وتجردني من الأسى
وحين أبقى
محاطاً بالهدوء
تلكزني
أعجز
عن حملي
ومسح قلة حيلتي
على الرخام
سقوطي
في معدتي
شيء حتمي
الليلة
تتفقدني روحي
تراني متأزماً
تخلع عني
الوسواس
تمسك يدي
في الظلمة
تأتي إلى فراشي
تفتح سيرة الحب
والحلم
وابتسامة خجولة
خاتلة في أعماقي
إنها روحي
لسان المطارات الطويل

كما لو أنكِ
الضوء
وبك يحتفي المطار
وبقلب الحمامات الفارة
الحب ولسانك
ما تبقى على
المنضدة
لا يتدفق
قدومك
وغيابك تحد آخر
على الكرسي
في الانشغال
مرت صورتك
أملاً مبهماً
واصطدمت بصوتي
وكما تعرفين
الضوء الخافت
في المطارات
حين تغادرين
صورتي
الشاحبة
ليس لدي ما أخسره
أو ما أفسره
وأنت المسافرة
بدوني
على هذه الكنبة
الكبيرة من الوقت
أنتظر
من يأت
ويأخذني إلى روحك
المغادرة دون تعليق
ابتسم
بروح منكسرة
خلف هذه النافذة
''توحشني''
عيونك وهي تسألني
عن اللهفة
وقلبك
الذي يتجاوز
أخطائي
المطار
لسانه طويل
والمسافة ما بين
فمك وروحك
الأهم
بتأكيد
خفتك تجمعني
الآن وحيداً
أفعل الكثير
لأجل أن أعبر
هذا التقاطع
والوقوف
على هذا الرصيف
وربما أشرب
مرارات الأزمنة
واقفاً
رئتك
فتحت الكلام
عن آخره
كما لو أنكِ
الروح الراصدة للأسى
والحروف غير السعيدة
من فوضى الكتب
كأنكِ
دمعة الكون
والحافرة للفقد
الحياة
وجدت دون عطرك
وحيدة في الطرقات
قلبي سينضم إليّ
بعد أن أخفق
في وداعك
وسيستدير حتماً
كلما نبهه
الغياب
الليل الذي أخذ
آخر صورة له معك
ها هو يعود
ويسندني عليه
الليل نفسه
استحم بدمعتك·
يا لهذا الغبن
أخفقت عن مداواتك
وصبغ الأسرة
باللون الذي تفضلين
آآآه
لو لا تأتي حتى
وكن كلا شيء
يا أيها الكرب
لا تزدحم في فمها
(يا الله
يا فارج الكرب
يا معافي
يا منان
أرجع لهذه الوردة
سعادتها
وبدد عنها
الكرب)
الحزن
مشوار تقطعه
بارتباك
والليل على سريرها
في المستشفيات
وسواس
يستنفذ طاقتها
روحي الظمآى
تشتاق
(خلاص، خلاص
سأرقد
الآن
يا أحمد)
يا لهذه الخاتمة
التي فكرت
بإخفاء صوتها
دون أن نبتسم
متشابهين
لا تفرط بنا
أيها الفرح
وأترك لنا ما تيسر
كي نرى الوردة
وهي تكبر
في أيدينا
سألحم وألتصق
بالصورة
لأن ليس لدي
أفضل من هذا


بلا أعجوبةٍ تُذكر

محمد الحلواجي

الآن فقط
تستيقظُ غزّة
طفلةٌ وحيدةٌ نَجَتَ بلا أعجوبة تُذكر
فوق هذا الركام··
تفتح عينيها في دمارٍ كونيّ
لم تسلمْ فيه سوى شاشة التلفاز الدولي
بروازٌ يعرضُ وجوهَ سادة العالم
وهم يحملون ''سلام'' الأنخاب العادل··
يقفون أمام عدسات الكاميرا
يسهبون في شرح واجب ''الأمن''
ثم يقرعون الكؤوس بلطف
ويرتشفون دم الضحية على مهل·


الآن فقط
تستيقظُ غزّة··
وأنت أيها الشاعر
ماذا ستكتب
''غير قصائد العشق تلك''؟
كيف ستداري خجلك اليومي
كلما صادفتك مرآة؟
وبأية لغة ''عربية''
ستعبر الشارع نحو الغياب؟


الآن فقط
تستيقظُ غزّة··
وأنت أيها الصحفي
ربما ستطفئ شاشة ''البلازما'' العريضة
وتخرج مستعجلا بلا تركيز
لكن ماذا ستفعل عندما تصل باكرا إلى المكتب؟
هل ستفتح بريدك الاكتروني
وتقرأ ما تيسر من بيانات صحفية مجهزة للنشر؟
أم ستطلب قدحا من القهوة
وتكتب مقالة هادئة
عن ''منتجعات آسيا الساحرة''
لتزعم أنك في الجنة؟


الآن فقط
تستيقظُ غزّة··
بلا أهلٍ ولا بيتٍ ولاطعامٍ ولا مدرسة··
طفلةٌ وحيدةٌ نَجَتَ بلا أعجوبةٍ تُذْكر فوق هذا الركام··
طفلةٌ وحيدةٌ نَجَتَ بلا أي سببٍ
أو غدٍ يُذْكر·



مات أطفال زهر اللوز
سهى هشام الصوفي

يا طفلي
يا طفلها
يا طفل التراب
الذي عاد إليه قبل الأوان
عمت اعتذاراً
عما فعلوه بك
على مرآى الشمس
والليل
وأشباح الخوف تحوم
حول حلمك الغض
الذي مات في رحم
الخيال الصعب

يا طفلي
يا طفلها
يا طفل النهار
الذي تركه
من غير وداع
أردت الحياة
فكان لك الموت
بالمرصاد
سألته بخجل وأنت تراه
في ظلمة الظلم:
من قال أني أريد الموت!
أنا طفل للحياة
لزهر اللوز
للحقل
للقلم
الذي لم أتعلم حمله بعد
أنا طفل للحياة
فلم العجلة
يا نارهم
ألم تروني
ما زلت
رضيعاً
جنيناً
مسكيناً
أبحث عن أمي
حتى تحكي لي حكاية
قبل النوم
لم استعجلتم حرقي
لم سرقتم الغد مني
وشرعتم جسدي الصغير
على عيون المارة
والنيام
والخونة
والقتلة
وعابروا
الوطن الحزين

حبيبي
لا تتكلم
لا تُتعب نفسك
من الشكوى
نم على صدر التراب
وأحلم بماما
تحملك إلى سريرك
تهدهده
تغني لك
على ضوء القمر
تمسك يدك الصغيرة
حتى تنام
وفي شفتيك
تسكن الشمس
والزهر
والربيع
الذي لن تراه
لو بقيت بيننا
فنم حبيبي بسلام
التربة أرحم
والغياب أرحم
من احتمال موت
على مرآى النيام
وعابري الأوطان


أبجدية غزة
بهيجة مصري إدلبي

ـ م ـ

معبرا للصباح
صار دمي
وصباحي يفيض بالألم
لي مع الريح
موعد وغناء
يشعل الصمت
فوق كل فمِ
آيتي أن أعانق الجرح
وحدي
ثم يمتد من دمي حلمي

ـ ق ـ

قرأ البحر
أبجديات سري
فدعا الريحَ
أن تسير بأمري
ودعا الموج ينحني فوق طفل
رضع النار
قرب دمعة فجري
ثم صلى
وقال: وعدك حق
فأعيني بصبرك الآن
صبري

ـ أ ـ

أيها الصمت
لا تقم بعزائي
دع دمائي بطهرها
دع دمائي
هذي أرضي
فكل شبر شهيد
يصل الأرض جرحُه بالسماء
أيها الصمت
لا تزدني دمارا
قدري الآن
موكب الشهداء

ـ و ـ

وردة الدم
آيتي وصلاتي
سرها النصر
عانقته جهاتي
كل طفل هنا يخطُّ نشيدا
كي يرى الفجر
مشرق القسمات
لم يعد لي ـ وأغنياتي نزيف ـ
غير وعدي بأن أصون حياتي

ـ م ـ

من دمائي يفيض عطر صباحي
وجراحي
تشد أزر جراحي
ينزف الوقت
في الدروب حزينا
أنهض الآن في الزمان المباح
أسند الأرض
أن تميل بكفي
وأداري جراحها بوشاحي

ـ هـ ـ

هاهي الآن أبجدية أرضي
بدم الحلم
أستعين وأمضي
شهدائي
يجددون طريقي
ويصونون بالشهادة عِرضي
أنا أعددت ما استطعت
وأنتم ما استطعتم عناق وعدي
وفيضي


نقوش غزاوية
د· زاهر حنني

هيئ جوادَكَ مرةً أخرى
فجرحي الآنَ جرحُك
والطائراتُ على مشارفِ حتفِنا
لا لن يخورَ اليومَ عزمُك
يا ابنَ العقيدةِ
لستَ في جنحِ الظلامِ ترومُ مجدَك
هذي القنابلُ والقذائفُ والصواريخُ اللعينةُ
هذا الرصاصُ الحيُّ والنابالم
والمعروفُ والمجهولُ
والقتّالُ والجرّاحُ والفتّاكُ
في أيدي حثالاتِ البشرْ
فبأيِ أعرافِ الزمانِ قد انتشرْ!؟
يا راعيَ الآفاقِ في زمنِ التترْ
قدْ قسّموا آلامَنا
واستفحلوا بحظيرةٍ فيها بقرْ
والويلُ إن سادَ الغجرْ
الويلُ إن ملكَ السلاحَ مخنّثٌ وبهِ استترْ
الويلُ إن قامتْ خنازيرُ القرودِ منَ الحفرْ
هذا زمانٌ غابَ فيهِ الأُسدُ
فانطلقتْ ذئابُ الغابِ والفأرُ انسعرْ
هذا زمانٌ صارَ فيهِ الجرذُ يحكُمُ بينَنا
والأجربُ المصفوعُ بالنعلِ انتصرْ

أنا مثلُ قلبي تائهٌ
هل أنتَ وحدَك!؟
يا سيدا فوقَ الترابِ
وسيدا تحتَ الترابِ
وسيدا ما جزتَ حدَّك
إن قالَ كلُ القائلين، فليس ذاك القولُ قولَك
خلِّ الكلامَ جميعَه بصفيحةٍ
فالقولُ ما قد قالَ زندُك
والفعلُ ما قد شاء ربُك
هيئ سلاحَكَ مرةً أخرى
فقلبي الآن قلبُك
هييء فؤادَك للجميعِ
فإن هذا الشعبَ شعبُك
ورصاصةٍ يوما تمرُّ بقربِنا
ستكونُ خائبةً
إن صافحتْني يا أخي يدُّك
فدع النوازلَ للفوارسِ يا مفرِّقَ جمعِنا
واغربْ فإنَ النصرَ بُعْدُك

قلقيلية

جهاد
فيفيان عيلبوني

فرشت سجادتها فجرا، لفت حجابها حول رأسها بإتقان وسجدت تصلي··
أنهت ركعاتها، رفعت يديها بالدعاء·· نظرت الى أطفالها بعينين دامعتين، أجهشت بالبكاء· التفتت حولها بعد لحظات فوجدت ابنها الأكبر جهاد قد استيقظ وجلس في فراشه يراقبها··
ـ آسفة يا بني هل أيقظتك؟ عد للنوم يا حبيبي ها قد انهيت صلاتي·
ـ وهل أنهيت بكاءك؟ سألها محافظا على تلك النظرة المعاتبة· لم تجبه، بل لفت سجادة الصلاة وأعادتها الى مكانها وتوجهت الى ذلك السرير اليتيم في تلك الغرفة، حيث تنام ابنتها الرضيعة ذات الأشهر الخمس وابنها الأصغر الذي لم يتعد الثانية من العمر·
فعلت كل هذا دون أن تلتفت الى جهاد، وكأنها تؤنبه على طريقة كلامه معها·
ـ انا آسف يا أمي· أنا حقا آسف لكني لا أحب أن أراك تبكين فذلك يعذبني ويؤلمني كثيرا· لم ينه كلماته حتى وجد نفسه مرميا على صدرها يبكي بحرقة·
احتضنته دعاء وهي تداعب خصلات شعره وتبسمل وتدعو الله أن يبعد عنه كل شر وأن يرضى عنه ويهديه· فإبنها تغير كثيرا عما كان عليه قبل استشهاد والده منذ أسبوع· لقد بات شديد العدائية، كثير العصبية، لا ينفك يتأفف ويتذمر من أتفه الأمور· أهمل صلاته ودراسته وواجبه تجاه إخوته وتجاهها·
كان يدها اليمنى في كل شيء وكانت شديدة الإعتماد عليه بأدق تفاصيل حياتها اليومية، لكنه الآن بات شخصا آخر، لا تعرفه·
نظر جهاد الى أمه وكأنه قرأ أفكارها وسألها بصوت لا يكاد يكون مسموعا:
ـ لماذا يا أمي؟ لماذا نحن؟ لماذا هو؟ لماذا تركنا؟···
حضنت دعاء ابنها بحنان شحذته من آخر ما تبقى فيها من تماسك، ومسحت دموعه بيدين باردتين، ووضعت خدها فوق رأسه، وقالت ما لم تقله لأحد بعد:
ـ أعلم ما يدور في ذهنك، وأفهم ذلك الحزن الذي يسكنك، وأقدر ثورة نفسك على نفسك تلك· لكنك لم تعد صغيرا يا جهاد، وبعد رحيل والدك أنت رجل هذه العائلة، أنت الآن سندي ورجلي وحامي المنزل، إياك مهما حصل أن تنسى ذلك· أما كل ''لماذا'' سألتها فسأحاول أن أجيبك عنها: لماذا مات والدك؟ لأنه اختار أن يستشهد من أجل وطنه· لماذا هو دون غيره؟ لأنه عاش على أمل ذلك اليوم·
لقد آمن طوال عمره أن حياته في وطن مسروق هي قمة الذل ولم يكن يريد لنفسه ولا لأبنائه أن يعيشوا ذلك الذل الذي عاشه· لقد آمن والدك أن كل التضحيات التي كان يقوم بها هو ورفاقه ستعود عليكم يوما بالحرية·
أذكر يوم طلب والدك يدي من أبي أنه قال له: ''اعلم يا أبا يوسف إني سأتزوج ابنتك على ضرة فحبي الأول والأخير هو لفلسطين، وحياتي لها، ووفائي لها ولو طلبت آخر نقطة من دمي لن أبخل بها عليها وما تبقى لابنتك هي أيام أعيشها لا أعرف متى ستنتهي، وأحلام تسكنني أريد شريكة فيها· أنا اليوم لا أملك شيئا غير منزل صغير وعمل لا أستطيع أن أدخر منه للغد شيئا· لكن لو عادت لنا يوما أرضنا عندها فقط سأملك الدنيا بأسرها وسأكتبها باسم ابنتك الغالية''·
أذكر أني وافقت يومها ووافق أبي دون تردد·
رضيت بفلسطين ضرة· ورضيت بالحرية حلم· ورضيت بالانتفاضة خبزا يوميا على مائدتي، ورضيت بذلك المجاهد زوجا دون أن أتذمر أو أندم يوما على اختياري·
يوم ولدت أنت أسماك والدك جهاد وقال لي أنك قصة حياته، لم أفهم معنى كلامه يومها ولكن كل يوم عشته معه كنت أفهم معنى الجهاد أكثر، وأعيشه أكثر وأحبك وأحب اسمك أكثر·
أتعتقد إني لا أفتقده مثلك تماما؟ أتعتقد أنه من السهل على امرأة ضعيفة مثلي أن تكمل حياتها وحيدة مع أطفال ثلاثة ، أصغرهم رضيعة لم تتجاوز عامها الأول وأكبرهم يبحث عن مخرج للمسؤولية التي ألقيت على كاهله وهو بعد في الثانية عشرة!
أتعتقد إني لا أتمزق حين أرى أشياءه الصغيرة المتناثرة هنا وهناك تقول لي نحن ما زلنا هنا وهو ذهب؟
قميص ما زال يحمل عبقه معلق هنا، حذاء ينتظره هناك، عقاب سيجارة يحمل بصمات شفتيه·· موس حلاقة·· زجاجة عطر·· مشط أسود يتحداني، يتمسك ببعض من خصلات شعره ويتحداني كأنه يقول لي: أنا أملك بعض بقاياه وأنت لا·
أتظن إني لا أعاني مثلك؟ أتظن إني لا أحتاجه مثلك ولا أفتقده مثلك؟ لكني مع كل ألمي أعلم أنه لا يحق لي أن أسأل لماذا· فأنا اخترت الزواج من رجل أحب أرضه ووطنه أكثر مني ومن أولاده· أنا اخترت مصيري ومصيركم وكنت أنتظر هذه النهاية منذ البداية·
أتذكر يا جهاد الأولاد المستوطنين الذين تربصوا لك ولأصدقائك يوم ذهبتم تلعبون في الحقول المجاورة؟ أنا لم أستطع نسيان ذلك اليوم لأنها كانت المرة الأولى التي رأيت فيها والدك يبكي· علمت منه بعدها أن تلك الأراضي التي اتهمكم أطفال اليهود باختراق حدودها هي بالأصل أرض والدك وأجدادك، طردهم منها الجنود الإسرائيليون حين كان والدك بعمرك· صادروها وطردوا منها والدك وأهله بعد أن جرفوا منزلهم وبساتينهم· رأى كل ذلك بأم عينيه بل وأكثر· رآهم يضربون والده وأعمامه على مرأى من الجميع ليكونوا عبرة لكل من يحاول التصدي لهم· رآهم يجرفون منزلا وأشجارا وأرضا تحمل اسمه وتاريخه· رآهم كيف سوروها، وحصّنوها، وبنوا فوقها مستوطنات ومنازل لأناس أتوا بهم من آخر الدنيا· لم يعرفوا يوما هذه الأرض ولم تعرفهم فلم يجد سبيلا للدفاع عن نفسه الا الهجوم فأضحى أحد أبرز قادة الانتفاضة والمخطط الأول للعمليات الحربية فيها تلك العمليات التي زلزلت كيان العدو وآلمته كثيرا الى أن···
توقفت دعاء عن الكلام قليلا كأنها ترى شبح ذلك اليوم ثم تابعت:
الى أن قرر أن يكون هو بطل إحدى هذه العمليات· أذكر أنه استيقظ يومها وصلى الفجر معي ثم قبلكم واحدا واحدا وأنتم بعد نياما وأخذ يهمس في آذانكم شيئا لم أسمعه، ثم قال لي وهو واقف على الباب مودعا بأن هذا هو اليوم الذي انتظره طوال حياته، ردد وكأنه يخاطب نفسه: ''لن تذهب أرضي رخيصة، لن يذهب عذابنا رخيصا، لن يعاني أولادي وأبناء وطني طويلا·
ما عشت الا لهذا اليوم يا دعاء وإن مت لن أموت الا من أجلكم انتم· كي لا يمر إبني بأرض أجداده فيضرب ويذل، كي تمشي ابنتي على الأرض شامخة الرأس تهز الدنيا بخطاها، كي ينظر أولادي بعين كل يهودي دون أن ينكس نظرهم· ادع لي يا دعاء فما أسماك والدك باسمك الا لتذكريني كلما نوديت''·
ودعته دون أن أبكي لكن ما أن غادر هذا البيت حتى شعرت بهول الفاجعة· فاجعة فقدانه· كنت أود لو أهرع خلفه، أناديه، وأرجوه ألا يرحل، ألا يتركني وألا يترككم· لكن شيئا واحدا منعني، فقد تذكرت أني رضيت بفلسطين ضرة ورضيت بالمناضل زوجا ورضيت بالجهاد ابنا، ويجب أن أتحمل مسؤولية اختياري·
منذ استشهاد والدك وأنا أسأل نفسي كل يوم ماذا لو لم أدعه يذهب؟ ماذا لو بكيت وتوسلت ورجوته ألا ينفذ تلك العملية التي خطط لها سنينا طويلة؟ ماذا لو أذعن لإلحاحي وبقي بيننا ولم يمت؟ ولعلمي بوالدك أقول لك أنه كان ميتا منذ أن طرد من أرضه ولم يعش إلا حينما استشهد فيها· لقد اختار والدك تلك المستوطنة بالتحديد التي شيدت فوق أرضه لتكون هدف عمليته الكبيرة، تلك الأرض التي ضربت أنت لأنك اقتربت منها، تلك الأرض التي طالما سمعته عند قبر جدك يعده بأن يدفن فيها·
لكن ما لا تعرفه يا جهاد أن والدك ترك لك معي قبل أن يغادر صك ملكية تلك الأرض، هي الآن لك، هذا إرثك وإرث أبنائك من بعدك فهي قبل استشهاد والدك كانت مجرد ورقة، صك ملكية أرض سرقت منا، أما اليوم وبعد استشهاده، ستكون شهادة ميلادك وقضيتك· لم تعد تلك الورقة صك ملكية أرض، بل باتت حكاية شعب يناضل كتبها والدك بدمه مع الكثيرين مثله ، حكاية لا تنتهي الا بالنصر، حكاية عنوانها: جهاد·

اقرأ أيضا