الاتحاد

الملحق الثقافي

هيئة أبوظبي للثقافة والتراث تجمع جولييت بينوش وأكرم خان في عرض واحد

لقطة من العرض الراقص بين جولييت بينوش وأكرم خان

لقطة من العرض الراقص بين جولييت بينوش وأكرم خان

''إن ـ آي'' مسرح راقص تجريبي شارك في تصميمه وكتابة نصه الممثلة جولييت بينوش ومصمم الرقص أكرم خان· في ''داخل الذات'' أو ''في ـ أنا''، تتجلّى صراعات ثنائي ''عالمي'' يظهّر أسئلة شائكة في عالمنا الذي انقسم باسم الاختلاف و''الآخر''· ومن خلال علاقة رجل وامرأة شائكة في رسم فضائها بطبيعة الحال، يرتسم فضاء الصراع بين الـ ''أنا'' والـ ''أنت''·· يبلغ ذروته مستمداً من أعماق الذات، ومن باطنها الذي اختبأ تماهياً وخوفاً من منظومات المجتمعات·· تموّجات حرّة حائرة متصاعدة ومشاكسة تبحث عن مساحة مشتركة من دون فعل الاستيلاء والسيطرة على ''الآخر''·

''إن ـ آي'' التي شارك في توليفها جولييت بينوش وأكرم خان ومن ثم جاءت موسيقاها من ألحان فيليب شيبرد، هي أنا وأنا، أنت وأنت، كي تعرف كل أنا كيف تكون ''أنا وأنت''· هي بحث عن لغة، عن مساحة في عالم خصوصي تخطى في تجربته الذاتية المنظومات المؤطرة والمعلّبة وظهّر آلامها وربما تفاهتها في بعض الأحيان، ليعبّر عن مكان آخر يتموّج فيه الجسد حراً في حواره مع فردوسه العقلي النقيّ الخالي من التعقيدات·
انتظرت خطوات الممثلة جولييت بينوش أن تكون أثقل من راقصة وأقرب إلى مؤدية، وأن تأتي كلمات مصمم الرقص أكرم خان باحثة في ملء الفراغ أكثر من الافتعال الصوتي للاحساس المضخم لصالح التعبير المسرحي· غير أن المتوقع لم يتحقّق إذ جاء الكل في الكل ليثبت تلاقياً بين الفنون لم ترتكب الممثلة فيه الحماقة في اختيار الجسد وسيلتها ولم تخن الكلمات مصمّم الرقص والراقص فكان الاحساس بها صادقاً·
عرض ''إن ـ آي'' الذي نظم في قصر المؤتمرات بدعوة من هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، تحدث لغة عالمية لأنه طرح من خلال الذات صراعات ربما وصلت إلى حدها، صراع إيجاد مساحة مشتركة للتفاهم، التوافق على لغة مشتركة من دون إلغاء الآخر، إنما من خلال الذات، من خلال فردين، امرأة ورجل في علاقة تظهر الاختلافات بين الجنسين، ومدى صعوبة اللغة حين نرى فيها ما نريده للآخر وليس ما هو عليه، وتظهّر ذلك الصراع لمساحة مشتركة لا تلغي الذات ولا تجعلها تضمحل·
على الخشبة، تمثيل ورقص ورسالة أتت كورقة خريف تتساقط فلا تكد تلامس الأرض حتى تنتفض بتواطؤ مع نسمات الهواء··· هكذا كانت حركة الجسدين والكلمات المحدودة المختارة·
بينوش بحثت في أعماقها، في ثقافتها، تشاهد فيلم ''كازانوفا'' وفي المقعد أمامها في عرض الفيلم ترى ذلك الأسمر البنغلادشي (أكرم خان) فتشعر بانجذاب كبير نحوه فتلاحقه في الشوارع وفي القطار وتصل إليه بمبادرة المرأة التي لا تتقبّلها ثقافة الأسمر لكنها تتمكّن من الاقتراب·
ترى فيه ما رسمته لفارس أحلامها، ويرى فيها سارة التي أحبّها وهو صغير، غير أن حبّه كما مبادرة بينوش كامرأة، محرّم··· من هي سارة؟ ماذا يشكّل اسمها من صور بعد أن ينطق به في ذروة اتحاده بها؟ إنها جرحه الذي لم يطب، سارة التي أحبّها على مقاعد الدراسة حرّمت عليه من مجتمعين، مجتمع ''أبيض'' متمثّل بأستاذه الذي أوضح له بقساوة أنه لا يحق له حتى أن يحبّها وبنغلادشي في أصوله مظهّر في سحنته الداكنة ودينه·
من هي سارة؟ ومن هو الرجل الذي ترسمه بينوش لأكرم خان؟ وكيف يتعلّم أكرم وبينوش أن يريا بعضهما بعضاً بعيداً عن هذا الخلط وبعيداً عمّا يريد كل منهما في الآخر، فبعد تفجّر الصراعات الذاتية، كيف يريان الآخر كما هو، وكيف يجدان لغة مشتركة ومساحة هي الفضاء تكون مشتركة·
صرّحت بينوش سابقاً وقبل العرض أنها خاضت تجربة التعبير بالرقص على المسرح وهي لا تعرف إذا كان الجسد سيستجيب للأفكار ويتمكّن من التعبير عنها، وخاض خان تجربته الخاصة أيضاً في تطويع الجسد وفي التمثيل من أجل تجربة فكرية أراد كلاهما تظهيرها· وتبدو بينوش كأنها خاضت مغامرة، فعلى الرغم ما يعرف عنها من تفانٍ لصالح الأداء المسرحي والسينمائي وهذا ما فعلته مع الرقص على الرغم من كونها ليست راقصة، فهي تبحث عن أبعد من ذلك، لكأنها في عالميتها التي حققتها وقد حازت العديد من الجوائز ومنها جائزة الأوسكار على تمثيلها في فيلم ''شوكولا''، قد وصلت إلى مرحلة تريد فيها أبعد من الدخول في الشخصية وأدائها، فقد قررت الخوض في ذاتها، في أعماقها وصولاً إلى اللاوعي الذي رأى أكرم خان خيانة في العقل له حين تحكمك التقاليد والعادات والنظم فيمنعك عن الحركة التي تريد أن تعبّر عنها·
تبدو بينوش كأنها أرادت في عالميتها أن تقول كلمتها بمعنى ها أني قد وصلت إلى ما وصلت إليه وبوسعي أن أرتكب شيئاً من الجنون وإن فشلت···
أما أكرم خان فأراد ألا تمرّ معاناته وأفكاره التي ولدت من رحم كونه بنغلادشياً مسلماً ولد وترعرع في بريطانيا، هكذا ووبساطة··· ليس الأمر بهذه البساطة، ففي أعماقه تساؤلات كثيرة فكانت له الكلمة والجسد والأحاسيس التي خرّجها من أعماقه كي يعبّر ويقول كلمته لعالم لم يعرف الإجابة بعد عن سؤال حول ذلك الصراع بين الشرق والغرب، أو بطريقة أدق بين المسلم والمسيحي، فيتحدث عن الحب وكيف يكون على براءته وطفولته وصدقه محرّماً· يبدي انزعاجه العميق لأنه هو الآخر خان ذاته حين خضع لتلك المنظومة التي توافق عليها الناس في رسم الحدود وتثبيت الاختلاف، وكأنه من أمثولة سارة يحاسب نفسه قبل أن يحاسب الآخرين لأنه صمت حينها عن التعبير عمّا في داخله، وقد جاءت تجربته في عرض ''إن ـ آي'' ليشير من خلالها إلى فضاء مختلف يشبه الفضاء الذي ترسمه العلاقة بين رجل وامرأة في المطلق·
علاقة رجل وامرأة، علاقة ثنائية معقّدة، تتواجه فيها الأفكار بحدّة، وتطفو فيها الصراعات الكبيرة على مستوى الفرد، بعد اللذة وفرح اللقاء، مواجهة صعبة للذات، وليس بوسعك أن تكون وحدك بعد الآن، ثمة من يجلس على الكرسي المقابل وقد تسوغ له نفسه أن يغيّر الديكور، أن يفتح النافذة في حين أنك تفضّلها مقفلة، أن يجتاح مساحتك التي رسمتها لوحدتك، إلى حدّ يتصاعد فيه باطراد ذلك الشعور بالضغط نتيجة الأسر، فهل تعود إلى وحدتك وتتنازل عمّا جبلت عليه ككائن يبحث في الآخر عن ذاته؟
''أريد مساحة، أحتاج إلى مساحة''، يصرخ أكرم ببينوش، يبعدها عنه، وذلك الابعاد يثير حفيظتها فتقترب أكثر ليصل الصراع إلى ذروته فيغوص كل منهما في أعماقه ويلغي بأحلام يقظته، بلوحاته الخاصة، فيتفجّر كل شيء وتتفكك الأبعاد والمساحات، وهنا تبدأ التجربة الحقيقية، أن ترى ذاتك وألا تنظر إلى الآخر من خلال ذاتك، أن تتمكن من رؤيته فعلاً، أن تكن لك مساحتك وتكن له مساحته، إنما الفضاء مشترك وبوسع الاثنين أن يلعبا فيه بحرية·
المسرحية الراقصة عبارة عن بحث وتجريب وتقصٍ وغوص في الأعماق، عن تساؤلات تتخطى الظواهر في العلاقة بين الرجل والمرأة، وفي العلاقة بين الناس بثقافاتهم وعاداتهم، كأنها تقول إن العقل الذي يحكم الجسد ويبدع بالجسد، قد يأسر الجسد بأحكام عامة لا تتوافق ضمنياً معه، فإذا ابتعدت عن تلك المنظومة المشكّلة لك وبحثت في تفكيرك مجرداً قد تصل إلى مساحة مشتركة، إلى لغة مشتركة··· فهل ثمة سبيل إلى الحوار؟

اقرأ أيضا